المعذرة، هذه المادة غير متوفرة في منطقتكم

لماذا يقول بوتين ما يقوله.. ويفعل ما يفعله؟

Access to the comments محادثة
بقلم:  يورونيوز
ما هي قناعات بوتين التاريخية التي تقف وراء غزو أوكرانيا؟
ما هي قناعات بوتين التاريخية التي تقف وراء غزو أوكرانيا؟   -   حقوق النشر  AP Photo   -  

استفاقت أوروبا والعالم الخميس على أخبار تفيد ببدء تقدم القوات الروسية نحو أوكرانيا. فعلها بوتين الذي لم يمل تحذير المجتمع الدولي من التدخل الذي سيكون له "عواقب غير مسبوقة في التاريخ" حسب قوله.

يزعم بوتين أن غزو أوكرانيا هدفه الدفاع عن سكان ما يسمى "بجمهوريتي دونيتسك ولوغانسك الشعبيتين" اللتين أعلنتا استقلالهما عام 2014. الاثنين اعترف بوتين رسمياً باستقلال المنطقتين.

وفي خضم الفوضى التي تعم العالم، نجيب عن بعض الأسئلة المتعلقة بما وراء قرار بوتين غزو أوكرانيا:

كيف ينظر بوتين لأوكرانيا؟

يزعم بوتين أن أوكرانيا، أكبر دول أوروبا والتي تضم 44 مليون نسمة، كانت من ابتكار البلاشفة بعد ثورة عام 1917 في روسيا.

يرى المؤرخون والمختصون في شؤون أوروبا الشرقية أن هذه المزاعم "غير متماسكة".

يقول توم جونز، المؤرخ في أكاديمية العلوم البولندية: "إن الخطاب الذي ألقاه بوتين كان خليطاً غير منطقي ومحرف وكان يهدف إلى إخافة الأوكرانيين".

AP Photo
حافلة تقل أوكرانيين في سيفيرودونتسك في منطقة لوهانسك، شرق أوكرانيا، الخميس 24 فبراير 2022AP Photo

هل الاتحاد السوفييتي من أوجد أوكرانيا؟

بالنسبة للأوكرانيين فإن أصول دولتهم تعود إلى آلاف السنين قبل وجود البلاشفة، تعود أصول هذا الوجود إلى روس الكييفية وقبول الأمير فولوديمير بالمسيحية في عام 988.

يقول ديفيد ماربلز، أستاذ التاريخ الروسي وأوروبا الشرقية في جامعة ألبرتا، إن ميخايلو هروشيفسكي، المؤرخ الأوكراني، قد تتبع خيطاً واضحاً بين تلك الدولة والدول التي تلتها لاحقاً، مثل مملكة الهتمانات في القرن السابع عشر، وممالك القوزاق.

قٌمعت اللغة والثقافة الأوكرانية في فترات لاحقة قبل ثورة 1917، أثناء رضوخ أوكرانيا لبولندا وروسيا القيصرية.

وعلى عكس ادعاءات بوتين، وُجد عدد قليل من البلاشفة في أوكرانيا عام 1917، وشهدت البلاد فوضى عارمة بين 1918 و1920 بعد انسحاب الجيش الألماني.

يقول ماربلز إن أوكرانيا شهدت ولادة ثماني حكومات مختلفة قبل أن يتمكن البلاشفة من احتلالها، حينها أسسوا عاصمة في خاركيف لأن كييف لم تكن آمنة.

في أوائل الحقبة السوفيتية، مُنحت أوكرانيا مزيداً من الاستقلال الذاتي ورفعت القيود المفروضة على اللغة الأوكرانية.

يقول جونز إن بوتين يستخدم بعض الحقائق التاريخية المختارة بعناية ليمزجها مع القراءة القومية للتاريخ بما يصب في مصلحته. يضيف جونز أن منح السوفييت في بعض الأحيان مزيداً من الحقوق لأوكرانيا لا يعني أبداً أنهم من اخترعوها.

ليس هذا فقط، فقد عاني الأوكرانيون وكانوا ضحية روسيا الستالينية، فقد راح ما بين أربعة وسبعة ملايين شخص ضحية مجاعة هولودومور بين عامي 1932-1933، مما أدى إلى تغيير كبير في التركيبة الديموغرافية للبلاد.

نُقل النواب الشيوعيون الأوكرانيون قسراً إلى جمهوريات آسيا الوسطى في عام 1930، وفرضت روسيا لغتها وثقافتها مما تسبب بحملات قمع على اللغة والثقافة الأوكرانية في عهد ستالين، وكذلك في وقت لاحق تحت قيادة السكرتير الأول للحزب الشيوعي الأوكراني فولوديمير ششيربيتسكي.

ورغم كل هذا، قال بوتين خلال خطابه إن الأوكرانيين الذين يرفضون الدور السوفياتي في أوكرانيا "جاحدون".

AP Photo
ضباط يتفقدون منطقة بعد غارة روسية في كييف بأوكرانيا، الخميس 24 فبراير 2022AP Photo

ماذا عن جمهوريتي دونيتسك ولوهانسك الشعبيتين؟ ما أهميتهما؟

ألحق بوتين خطابه الطويل الذي دام نحو ساعة، بخطوة أخرى: أعلن استقلال المنطقتين الأوكرانيتين الانفصاليتين في دونباس.

جاء ذلك في أعقاب تصويت مجلس الدوما للاعتراف بالمنطقتين الخاضعتين للسيطرة الروسية واللتين أعلنتا في عام 2014 الاستقلال بعد ضم روسيا لشبه جزيرة القرم.

منذ 2014 أودت الحرب بين أوكرانيا والانفصاليين في دونباس بحياة نحو 14 ألف شخص، رغم وقف إطلاق النار بعد عقد اتفاقي مينسك في بيلاروس.

وفق المحللين فإن خطاب بوتين يعد الاعتراف الروسي الرسمي العلني الأول بالتورط في الحرب، وأن موافقة الدوما على نشر القوات العسكرية الروسية في المنطقة تضع حداً لإنكار تواطؤ الكرملين.

AP Photo
جنود أوكرانيون على ناقلات جند مدرعة تسير على طريق في منطقة دونيتسك بشرق أوكرانيا، الخميس 24 فبراير 2022AP Photo

لماذا يقول بوتين ما يقوله ويفعل ما يفعله؟

بالنسبة لبوتين فإن أوكرانيا هي الجزء الأخير من الحلم الروسي الكبير، والذي يضم بيلاروس كذلك.

لكن في الوقت الذي يوجد فيه في بيلاروس رئيس قوي حليف لروسيا هو ألكساندر لوكاشينكو، تتصاعد باستمرار الخلافات بين روسيا وأوكرانيا التي تعود إلى عام 1991 عند استقلال الأخيرة، ووصلت إلى ذروتها عام 2014 مع ضم روسيا للقرم.

مزاعم بوتين بخصوص أوكرانيا لا يمكن عزلها عن نزعة سياسية متصاعدة في أوروبا، نزعة تحريفية للتاريخ، تسعى من خلالها الحركات والحكومات اليمينية إلى إعادة تأويل التاريخ بما يتناسب مع أجنداتهم السياسية وسردياتهم الجديدة.

ولكن بشكل عملي وواقعي، فإن مصدر القلق الكبير لدى الرئيس الروسي هو حلف شمال الأطلسي الناتو ومحاولات توسعه شرقاً، في المنطقة التي يعتبرها بوتين مجال نفوذ روسي.

يصر بوتين على وجود اتفاق رسمي موّقع ينص على عدم توسع الناتو، في حين يرى رئيس الوزراء الروسي سيرغي لافروف أن هذا الاتفاق يجب أن ينص على مغادرة رومانيا وبلغاريا لهذا الحلف.

هل يقف الروس خلف بوتين في هذه الخطوة الجديدة؟

وفق ماربلز فإن الوضع الآن يختلف عن الوضع أثناء ضم القرم عام 2014، قلة في روسيا اليوم تهتم بما يحصل في دونيتسك ولوهانسك.

يقول أليكسي كوفاليوف، وهو صحفي استقصائي لدى ميدوزا، المنصة الصحفية الروسية المستقلة التي تتخذ من لاتفيا مقراً، إن روسيين كثر صدموا بخطاب بوتين الاثنين، الشعور العام في روسيا اليوم بعيد جداً عن النزعة الوطنية التي سادت في البلاد عام 2014.

يقول أليكسي إنه قبل ثماني سنوات، كان الخطاب الوطني الشوفيني الغريب حول مدى عظمة روسيا سائداً. نصبت أكشاك في الشوارع لتسجيل الراغبين بالتطوع للقتال في دونباس، أو للتبرع لسكان شرق أوكرانيا، إلا أن هذا المشهد لم يعد موجوداً اليوم حيث لم يعد الناس يهتمون كثيراً.

AP Photo
سكان في منطقتي دونيتسك ولوهانسك، يشاهدون خطاب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في مكان إقامتهم المؤقت في منطقة روستوف أون دون، 21 فبراير 2022AP Photo