تسابق دول العالم لاحتواء ما يعرف بـ"المواد الكيميائية الأبدية"، لكن هل تكفي القيود المشددة في المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي لمعالجة المشكلة جذريا؟
أصبحت المملكة المتحدة أحدث دولة تكشف عن خطة للتعامل مع المواد الكيميائية المعروفة باسم "forever chemicals"، واصفة إياها بأنها من "أكثر التحديات البيئية إلحاحا في عصرنا".
في وقت سابق من هذا الأسبوع (ثلاثة فبراير) نشرت وزارة البيئة والغذاء والشؤون الريفية في البلاد (DEFRA) أول إطار وطني لها لحماية الصحة العامة والبيئة من هذه المواد الكيميائية المنتشرة في كل مكان.
وبموجب الخطة، ستُطلق مشاورة في وقت لاحق من هذا العام لفرض حد قانوني لمستويات مواد "PFAS" في لوائح إمدادات المياه العامة في إنجلترا. وتؤكد الحكومة أنه لا توجد أدلة على وجود المواد الكيميائية "forever chemicals" فوق "المستويات الآمنة" في شبكات مياه الشرب، لكنها تقول إن تحديد هذا الحد سيسهّل تحميل الشركات الملوِّثة المسؤولية عن "خرق القواعد" إذا جرى تجاوز المستويات المسموح بها.
وتأتي هذه الخطوة بعد أسابيع قليلة من تشديد الاتحاد الأوروبي القواعد الخاصة بالمواد الكيميائية الأبدية في مياه الشرب عبر إدخال نظام رصد إلزامي. غير أن الجهود في الجانبين تعرضت لانتقادات واسعة، إذ وصفها أحد الخبراء بأنها "خارطة طريق غير ناضجة".
ما هي المواد الكيميائية الأبدية ولماذا تُستخدم؟
تُعرف المواد المشبعة والمتعددة الفلوروألكيل ("PFAS") بأنها مجموعة تضم أكثر من 10.000 مادة كيميائية اصطناعية رُصدت عمليا في كل مكان على كوكب الأرض، لا سيما في مصادر المياه.
ويُشار إليها عادة باسم المواد الكيميائية الأبدية لأنها قد تستغرق أكثر من 1.000 عام لتتحلل طبيعيا، وقد عُثر عليها في كل مكان من قمة جبل إيفرست إلى داخل دم الإنسان.
وقد ازدهر استخدام هذه المواد في أربعينيات القرن الماضي بفضل قدرتها على مقاومة المياه والدهون، وتُستعمل أساسا في صناعة أواني الطهي غير اللاصقة، والأقمشة المقاومة للماء، ومواد تغليف الأغذية.
لكن التعرض المزمن لمواد "PFAS" ارتبط بسلسلة من المشاكل الصحية، من بينها زيادة خطر الإصابة ببعض أنواع السرطان وانخفاض الخصوبة. وفي أوروبا يعيش نحو 12,5 مليون شخص في مجتمعات تتعرض مياه الشرب فيها لتلوث بهذه المواد.
كيف تشدد المملكة المتحدة القيود على المواد الكيميائية الأبدية؟
تستند خطة العمل البريطانية إلى ثلاثة أعمدة رئيسية: فهم مصادر مواد "PFAS"، والتصدي لانتشارها، وتقليل التعرض لها.
وتقول وزارة البيئة والغذاء والشؤون الريفية في بيان عبر الإنترنت إن ذلك سيشمل للمرة الأولى تقييم الحجم الكامل لوجود المواد الكيميائية الأبدية في مصبات الأنهار والمياه الساحلية في إنجلترا، بهدف تقديم "صورة أوضح" عن المخاطر التي تهدد هذه الموائل.
وتضيف الوزارة أن هذا التقييم يمكن أن يشكل أساسا لاتخاذ مزيد من الإجراءات التنظيمية، لكنها لم توضح ماهية هذه الخطوات المحتملة.
ويتضمن الإطار أيضا خططا لإجراء اختبارات على المنتجات اليومية مثل عبوات تغليف الأغذية، لتتبع وجود مواد "PFAS"، ودعم الابتكار في "البدائل الأكثر أمانا". وتشير الوزارة إلى أن الانتقال بعيدا عن هذه المواد قد يدر "مليارات الجنيهات الاسترلينية على الشركات البريطانية"، لكنها لا توضح ما إذا كانت ستُخصَّص أي استثمارات لدعم هذه العملية.
كما أن خطة العمل لا تصل إلى حد حظر إنتاج مواد "PFAS" كليا، على غرار ما فعلته فرنسا المجاورة. والقيد الوحيد الذي تقول الحكومة إنها ستناقشه يتعلق باستخدام مواد "PFAS" في رغوات إطفاء الحرائق، وذلك بعد إجراء تحليل علمي ومشاورات عامة.
ويتضمن جزء من الخطة أيضا إطلاق صفحة حكومية جديدة على الإنترنت مخصصة لموضوع "PFAS" من أجل "تعزيز وعي الجمهور وتحسين الشفافية".
خارطة طريق "غير ناضجة"
سيان ساذرلانْد، الشريكة المؤسسة لمنظمة "A Plastic Planet" و"Plastic Health Council"، تناضل منذ أكثر من عقد من أجل تنظيمات أكثر صرامة للمواد الكيميائية البلاستيكية.
وتقول في حديثها لـ"يورونيوز غرين" إن ما تصفه الحكومة البريطانية بحملة التشديد "أشبه بدرع مؤجل لا بمظلة حماية".
وتضيف: "بعد عقود من السماح لمواد "PFAS" بالتسرب إلى الماء والتربة وأجسادنا، أعلن الوزراء عن خطة تبدو كمن يحاول التقاط خارطة طريق غير مكتملة المعالم بعد أن وقع الحادث بالفعل".
وترى الخبيرة أن عدم الالتزام بحظر كامل لمواد "PFAS" أو تحديد مهل زمنية قابلة للتنفيذ يعني تقديم "البيروقراطية على الصحة" و"المشاورات على الحماية".
هل موقف الاتحاد الأوروبي من المواد الكيميائية الأبدية أفضل؟
في الشهر الماضي (12 يناير) شدد الاتحاد الأوروبي إجراءات الحماية المتعلقة بمواد "PFAS"، في سابقة تُلزِم جميع الدول الأعضاء بقياس مستويات التلوث بهذه المواد في مياه الشرب.
وتقول المفوضية الأوروبية إن نظام الإبلاغ الجديد "أبسط" من النظام السابق المنصوص عليه في توجيه مياه الشرب، ويقلل كمية البيانات المطلوب جمعها.
وفي حال تجاوز القيم الحدية، يتعين على الدول الأعضاء "اتخاذ إجراءات" لخفض مستويات مواد "PFAS" وحماية الصحة العامة، إلى جانب إبلاغ المواطنين.
وتوضح المفوضية: "قد تشمل هذه الإجراءات إغلاق الآبار الملوثة، أو إضافة مراحل لمعالجة المياه للتخلص من مواد "PFAS"، أو تقييد استخدام مصادر مياه الشرب طوال فترة استمرار تجاوز الحدود".
لكن ساذرلانْد تجادل بأن هذه المعايير تنبّه الأوروبيين إلى وصول السموم إلى صنابير منازلهم، لكنها لا تمنع إنتاج هذه المواد أو تسويقها أو إطلاقها في البيئة.
وتقول: "لا تزال آلاف المواد الكيميائية الأبدية متداولة، ويحميها نظام تنظيمي يلاحق التلوث بعد وقوعه بدلا من منعه"، مضيفة: "المراقبة الموحدة أمر مهم، لكن من دون تطبيق صارم ومستقل وعقوبات حقيقية على المنتجين، يمكن للدول الأعضاء أن تكتفي بتقديم البيانات من دون اتخاذ إجراءات فعالة".
ما الذي ينقص سياسات المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي؟
انتقد نشطاء بيئيون سياسات المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي بشأن المواد الكيميائية الأبدية، بشكل أساسي لأنها لا تضمن التخلص التدريجي "الشامل" من الاستخدامات غير الضرورية لمواد "PFAS" بوصفها فئة كاملة.
ويبحث الاتحاد الأوروبي حاليا في مقترح لـ"قيود شاملة" تغطي جميع المنتجات التي تحتوي على مواد "PFAS"، قدمته في عام 2022 خمس دول هي: السويد والدنمارك وألمانيا والنرويج وهولندا.
وتقول ساذرلانْد: "لا يزال التنظيم يتحرك مادة كيميائية واحدة تلو الأخرى، بينما تبقى آلاف المواد الأخرى بالقدر نفسه من الاستدامة في البيئة متداولة".
وتضيف: "إن الاستمرارية في البيئة هي الخطر الحقيقي، ومع ذلك لا يزال صانعو السياسات يتعاملون مع هذه المواد كحالات منفصلة بدلا من اعتبارها عائلة واحدة من ملوثات "أبدية"".
وتشير ساذرلانْد أيضا إلى وجود ثغرة في مسألة المساءلة في كلتا السياستين، موضحة: "نحتاج إلى تطبيق أقوى لمبدأ "الملوِّث يدفع"، بحيث تتحمل الصناعات المسؤولة عن إنتاج مواد "PFAS" تكاليف الرصد والتنظيف وحماية الصحة، بدلا من تحميل العبء للجمهور وخدمات الصحة العامة التي تعاني أصلا من نقص الموارد".
وزارة البيئة والغذاء والشؤون الريفية لم ترد على هذه الانتقادات لدى تواصل "يورونيوز غرين" معها. كما تم التواصل مع المفوضية الأوروبية للتعليق.