فاز الديمقراطيون بغرفتي الكونغرس الأميركي. أما أوروبا فتكمن القضايا الكبرى في الرسوم الجمركية وأوكرانيا، حيث لا يزال ترامب يملك الكثير من نفوذه.
مني دونالد ترامب بإحدى أسوأ الهزائم في مسيرته السياسية، بعدما خسر الجمهوريون السيطرة على مجلسي الكونغرس لصالح الديمقراطيين في تصويت تحول إلى حكم على رئاسته.
عند الساعة 10:05 بتوقيت وسط أوروبا (CET)، كان الديمقراطيون قد فازوا بـ228 مقعداً في مجلس النواب، أي أكثر بعشرة مقاعد من الـ218 اللازمة للأغلبية، مقابل 139 مقعداً للجمهوريين، فيما لا تزال عشرات السباقات غير محسومة.
وفي مجلس الشيوخ، انتزع الديمقراطيون سبعة مقاعد من الجمهوريين، بينها مقاعد في تكساس وأوهايو وكانساس ومين.
وأثرت الأسعار المرتفعة بقوة في الناخبين، إذ قال نحو ثلثي المشاركين في استطلاع أُجري يوم الاقتراع إن الرسوم الجمركية التي فرضها ترامب أضرت بالاقتصاد.
وقال الرئيس إنه سيقبل النتائج، لكنه أضاف: "لا أعتبر ذلك ضربة لي".
وأوضح أيضاً أنه سيستخدم حق النقض لتعطيل أجندة الديمقراطيين، ونشر صورة لقبعة حمراء كُتبت عليها كلمة "VETO". لكنه قال لصحيفة "نيويورك تايمز" إنه مستعد للعمل مع الديمقراطيين.
فما حجم التغيير الذي يمكن أن يحدثه كونغرس ديمقراطي بالنسبة لأوروبا وللأسواق؟
هل ينهي الكونغرس الديمقراطي التهديد بفرض رسوم على أوروبا؟
على الأرجح لا، لأن رسوم ترامب الجمركية لم تعد تعتمد على الكونغرس.
فبعد أن أبطلت المحكمة العليا رسومه الطارئة في فبراير/شباط، نقلت الإدارة تلك الرسوم إلى المادة 301 من قانون التجارة الأميركي، وهي آلية تتيح للرئيس التحرك من دون تصويت من المشرعين.
ويمكن للديمقراطيين عقد جلسات استماع وإبطاء إقرار مرشحيه، لكنهم لا يستطيعون بسهولة انتزاع هذه الصلاحية منه.
ويرى جيمس سميث، خبير اقتصاد الأسواق المتقدمة في البنك الهولندي "آي إن جي"، أن واشنطن المنقسمة قد تدفع الرئيس إلى الاعتماد على هذه الأداة أكثر.
وقال سميث في مذكرة صدرت قبل التصويت: "مثل السياسة الخارجية، تُعد التجارة سلطة أخرى يمكن للرئيس استخدامها بشكل أحادي من دون الكونغرس".
ولم يستبعد فرض رسوم جديدة تستهدف أوروبا، وقال إن من شأنها أن تؤثر بقوة في التضخم الأميركي وفي قرارات مجلس الاحتياط الفيدرالي.
ماذا عن الدعم الأميركي لأوكرانيا؟
سيتولى الديمقراطيون رئاسة لجان مجلس الشيوخ، وسيتحكمون في أسماء مرشحي ترامب الذين تتم الموافقة عليهم عندما يتولى الكونغرس الجديد مهامه في يناير/كانون الثاني. وكثير منهم يرغب أيضاً في إقرار أموال جديدة لأوكرانيا.
غير أن الجزء الأصعب هو إنفاق تلك الأموال، إذ ألغى البيت الأبيض خلال العامين الماضيين أموالاً سبق أن أقرها الكونغرس عبر حجبها حتى نهاية السنة المالية، حيث تنقضي صلاحيتها.
وقالت نيفادا جوان لي، زميلة السياسات في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، في تعليق الشهر الماضي إن هذا يعني عملياً أن الكونغرس الديمقراطي يمكن أن يقر أموالاً لأوكرانيا أو للمساعدات التنموية في القانون، لكن الرئيس قد لا ينفقها.
وتنصح لي الحكومات الأوروبية بأن تعتمد فقط على الأموال التي تصل فعلياً.
وقالت: "على الأوروبيين أن يتعاملوا مع الأموال المخصصة بوصفها تعبيراً عن نية، لا التزاماً".
كيف كانت ردة فعل الأسواق؟
بعد بداية متوترة، تحولت الأسهم الأوروبية إلى الارتفاع.
فعند الساعة 10:00 بتوقيت وسط أوروبا، ارتفع مؤشر "يورو ستوكس 50" بنسبة 0.8%، وارتفع مؤشر "داكس" الألماني 0.6%، بينما قفز مؤشر "آيبيكس 35" الإسباني 1.6%. وتعافت العقود الآجلة للأسهم الأميركية أيضاً، إذ صعدت عقود مؤشر S&P 500 بنسبة 0.2%.
وقادت البنوك موجة الصعود، مع عودة المستثمرين إلى المصارف المركزة على أسواقها المحلية. وارتفع سهم "دويتشه بنك" 3.6%، و"إنتيسا سان باولو" 3.3%، و"كومرتس بنك" و"سوسيتيه جنرال" 3.1% لكل منهما، بينما صعد سهما "سانتاندير" و"يوني كريديت" 3%.
وسجلت شركات الطاقة النظيفة، التي تضررت من سياسات ترامب، ارتفاعات قوية أيضاً، إذ قفز سهم مطور مزارع الرياح الدنماركي "أورستد" 7.3%، وارتفع سهم صانع التوربينات "فيستاس" 5.2%.
وفي المقابل، تراجعت أسهم شركات الدفاع، إذ يخشى المستثمرون أن يبطئ الكونغرس الديمقراطي وتيرة زيادة الإنفاق العسكري الأميركي الذي دفع إليه ترامب، علماً أن كثيراً من مصنعي السلاح الأوروبيين يبيعون أيضاً للقوات المسلحة الأميركية.
وانخفض سهم "بي إيه إي سيستمز" 5.2%، و"هينسولدت" 4.9%، و"تاليس" 4.5%، و"ساب" 3.8%، و"راينميتال" 3.2%، و"داسو أفياسيون" 2.8% و"ليوناردو" 2.7%.
وكانت المعادن النفيسة من أكبر الرابحين، إذ ارتفع الذهب 2.7% إلى 4035 دولاراً للأونصة، متجاوزاً من جديد مستوى 4000 دولار، وصعدت الفضة 4% إلى 51.76 دولار.
وارتفع اليورو 0.5% إلى 1.1247 دولار، مع ضعف الدولار أمام العملات الرئيسية الأخرى.
وارتفعت السندات الحكومية الأميركية، إذ تراجع عائد سندات الخزانة لأجل 10 أعوام 3.7 نقطة أساس إلى 4.93%، وانخفض عائد السندات لأجل عامين إلى 4.61% وعائد السندات لأجل 30 عاماً إلى 5.30%. وبقي عائد السند الألماني لأجل 10 أعوام (بوند) شبه مستقر عند 3.33%.
وصعدت عملة بيتكوين 1.3% إلى نحو 78,300 دولار، وتداول خام برنت قرب 104 دولارات للبرميل.
هل واشنطن المنقسمة جيدة للمستثمرين؟
عادة ما تستقبل الأسواق هذا الوضع بإيجابية، فعندما يختلف البيت الأبيض والكونغرس، تُقر قوانين كبيرة أقل عدداً، ما يعني مفاجآت أقل للمستثمرين.
وتميل السوابق التاريخية إلى صالح حاملي السندات، إذ انخفضت عوائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 أعوام بنحو 20 إلى 25 نقطة أساس في المتوسط خلال الأشهر الثلاثة التي تلت انتخابات منتصف المدة السابقة، وفقاً للوكا بينديلي، رئيس استراتيجية الاستثمار في بنك "لومبارد أودير" السويسري الخاص.
وقال دييغو بارنويفو، محلل الأسواق في شركة المدفوعات "إيبري"، في تعليقات عبر البريد الإلكتروني: "نعتقد أن فوز الديمقراطيين بمجلسي الكونغرس سيكون محايداً إلى إيجابي بشكل طفيف بالنسبة للآفاق المالية، إذ يمكن للكونغرس أن يكبح أجندة ترامب التوسعية، ومعها العجز".
ويتبنى إد يارديني، رئيس شركة "يارديني ريسيرش"، موقفاً أكثر حذراً.
وقال في مذكرة صدرت الاثنين: "تستقبل وول ستريت تقليدياً الجمود السياسي بترحيب، لأنه يقلل احتمال إقرار الكونغرس تشريعات متطرفة، لكن الوضع هذه المرة قد يختلف".
وتتمثل مخاوفه في سقف الدين، وهو الحد القانوني الأقصى لاقتراض الحكومة الأميركية، إذ يتعين على واشنطن المنقسمة أن تتوافق رغم ذلك على رفعه، وقد تؤدي معركة طويلة حوله إلى دفع تكاليف الاقتراض إلى الصعود بدلاً من الهبوط. ويتوقع بارنويفو أن يصبح الحد ملزماً في مرحلة ما من عام 2027.
ما التالي بالنسبة لليورو؟
يشك محللو العملات في أن تغير هذه الانتخابات الكثير على المدى الطويل، فبالنسبة للدولار لا يزال مجلس الاحتياط الفيدرالي أهم من الكونغرس.
وكتب فرانشيسكو بيسوله، خبير استراتيجيات العملات في "آي إن جي"، وزملاؤه في مذكرة الثلاثاء أن "الدولار الأخضر لا يزال يتجاوب أساساً مع قصة الاحتياط الفيدرالي، التي لا يُفترض أن تتأثر فوراً وبشكل مباشر بنتيجة انتخابات منتصف المدة".
ويواجه اليورو أيضاً مشكلاته الخاصة، إذ تظل أسعار الطاقة مرتفعة إلى حد كبير بسبب الحرب مع إيران، وتتوقع "آي إن جي" أن يبقى التضخم في منطقة اليورو حول 4%، بينما يطالب المستثمرون بعائد أعلى للاحتفاظ بالسندات الحكومية الفرنسية.
ومن المقرر أن يتولى الكونغرس الجديد مهامه في يناير/كانون الثاني. وحتى ذلك الحين يحتفظ ترامب بأغلبية جمهورية في المجلسين، وحتى بعد ذلك سيظل قلم الفيتو الخاص به على مكتبه.