عاجل
المعذرة، هذه المادة غير متوفرة في منطقتكم

خبير اقتصادي ليورونيوز: عدم التوصل إلى اتفاق أوروبي سيقوّض التضامن داخل التكتل

محادثة
خبير اقتصادي ليورونيوز: عدم التوصل إلى اتفاق أوروبي سيقوّض التضامن داخل التكتل
حقوق النشر  Francois Lenoir/AP
حجم النص Aa Aa

تمثل الدول التي توصف بـ"المقتصدة " وعلى رأسها هولندا محوراً أساسيا في إنجاح قمة الاتحاد الأوروبي المنعقدة ببروكسل. وتشكل قيمة الخطة وتوزيعها بين مساعدات وقروض وشروط الاستفادة من هذه الأموال، نقاط الخلاف الأساسية.

توجد خلافات عميقة إذاً بين مؤيدي الخطة التي ينبغي أن تستفيد منها دول الجنوب وفي مقدمتها إيطاليا وإسبانيا، والدول الملتزمة بأسس الميزانية الأوروبية والمعروفة باسم الدول "المقتصدة"، وهي بلدان الشمال الأوروبي.

وقدّم رئيس المجلس الأوروبي، البلجيكي شارل ميشال، أمس السبت، مقترحاً جديداً ينص على خطة ما زالت قيمتها 750 مليار يورو لكنها تتألف من 350 ملياراً من القروض و400 مليار من المساعدات التي لا يترتب على الدول المستفيدة إعادتها -مقابل 250 من القروض و500 مليار من المساعدات قبلاً.

وتعليقا على ذلك ومن أجل تسليط الضوء على هذه المسألة اتصلنا بالأستاذ ناصرزهير، مستشار بالعلاقات الدولية والاقتصاد السياسي بمركز جنيف للدراسات السياسية والدبلوماسية إلى جانب عمله باحثا بالاقتصاد السياسي في مركز for2med للدراسات والأبحاث حول المتوسط ، وطرحنا عليه أسئلة عن "النقاش المالي الأوروبي".

يورونيوز: هل الدول "المقتصدة" محقة في طرحها المتعلق بخطة الإنعاش الاقتصادية؟

ناصر زهير، مستشار بالعلاقات الدولية والاقتصاد السياسي بمركز جنيف للدراسات السياسية والدبلوماسية:

لا أعتقد أن الدول"المقتصدة" محقّة برؤيتها التي تقتضي عدم الموافقة على خطة التعافي الاقتصادية الأوروبية . فهذه الدول هي غير متضررة من جائحة كورونا كما دول الجنوب. ونتحدث في هذا الصدد عن إسبانيا وإيطاليا. وفضلاً عن ذلك فالدول" المقتصدة" تمتلك اقتصاداً قوياً ولا تحتاج إلى كثيرمن المساعدة عبر خطة الإنعاش الاقتصادي. وإلى جانب ذلك جميعه فإن هذه الدول لا تبدو أنها اتخذت الطريق الصواب وهي بذلك تقوّض قدرة الاتحاد الأوروبي على مواجهة الأزمات الاقتصادية أوالسياسية في مرحلة لاحقة.

يورونيوز: هل يكمن الحل برأيكم في تقديم قروض أو مساعدات لا يترتب على الدول المستفيدة إعادتها؟

ناصر زهير:

يكمن الحل في تبني التوجهين، تقديم القروض وتسهيل الوصول إلى المنح غير المستردة . ومن هذا المنطلق ينبغي أن تكون نسبة المنح التي لا ترد اكبر من نسبة القروض. لكن مشكلة الخطّة تتجلى في أنه يعتريها جانب من المبالغة، فقرض 500 مليار يورو كمنح لا ترد مقابل 250 مليار يورو كقروض، ربما يكمن الحل الناجع -بنظرنا- في الموازنة ما بين الميزانيتين. كأن تكون الخطّة ما بين 400 و 450 مليار يورو بناء على ما أقره رئيس المجلس الأوروبي شارل ميشال. أو أن تكون ثمة آليات للتفاهم حسب حاجة الدول ومستويات وضعها الاقتصادي بشكل خاص. بيد أنه لا يمكن أن تكون كل المبالغ المقدمة كقروض باعتبارها ستثقل كاهل الاقتصادات للدول التي لديها أساساً أزمة ديون كبرى مثل إيطاليا واليونان. وبالتالي لا يمكن التعامل بهذه الطريقة كاستراتيجية مثلى.

يورونيوز: ما السر وراء تفضيل الدول "المقتصدة" تقديم القروض بدلا من المساعدات؟

ناصر زهير:

الدول "المقتصدة" ترى أن المنح التي لا ترد سيتم اقتراضها من قبل أسواق المال بضمانات الاتحاد الأوروبي وسيتم سدادها تباعاً من ميزانية الاتحاد الأوروبي على حد سواء. ومن ثم هذه الدول ستساهم برد هذه المبالغ وهذه القروض من ميزانيتها الخاصّة بمقابل أن تذهب تلك الأموال صوب دول تكون هي المستفيد الأكبرمثل إسبانيا وإيطاليا. فهنا يكمن السر الذي يقبع وراء سياسة الرفض الأساسي.

إلى جانب ذلك كله يضاف أمر آخر وهو ان هذه الدول "المقتصدة" وخاصة هولندا، إنما تريد أن تكون لديها سياسات خاصة إلى حد ما داخل الاتحاد الأوروبي. حيث ترى أن سياسات الاتحاد الأوروبي ينبغي ألا تعتمد فقط على تقديم المنح والمساعدات. وهذا برأيي يعتبر توجها خطأ ذلك أن الاتحاد الاوروبي يمر بأزمة اقتصادية كبيرة جدا نتيجة جائحة كورونا وليست نتيجة سياسات خاطئة لتلك الدول التي عانت من تداعيات كوفيد-19 كما هو الحال هنا في إسبانيا وإيطاليا. فالدول "المقتصدة" تعتقد أن إسبانيا وإيطاليا مثلا لديها سياسات خاطئة و هي لا تريد أن تتحمل أخطاء ما اقترفته وترفض أن تمنح من ميزانيتها الخاصة لتلك الدول التي تضرر اقتصادها جراء أزمة الفيروس التاجي.

يورونيوز: هل ما تطلبه الدول المقتصدة وبخاصة هولندا مستحيل قانونيا ويصعب قبوله سياسيا؟

ناصر زهير:

ما تطلبه الدول "لمقتصدة" ليس مستحيلا تفعيله قانونيا بقدر ما يصعب قبوله سياسا ذلك أن الدول الأوروبية تعلمت جيدا من درس اليونان و الأزمة التي مرت بها لسنين عديدة. ومن هذا المنطلق لا يمكن أن تقبل دول أوروبا أن يكون هناك تدخل في سياساتها سواء الداخلية أو ما يتعلق عموما بالشق الاقتصادي وما يرتبط به من سياسات الإنفاق الداخلي. فهي ترى أن هذا السيناريو لا يمكن تطبيقه بأي حال من الأحوال. و بالتالي فإن هذا العامل يجعل من الصعوبة بمكان قبول المقترح الذي تقدمت به هولندا. واقتصاديا لا يمكن للدول ان تتحمل كل أعباء الديون.

يورونيوز: يفترض أن تستفيد من الخطة أولا إيطاليا واسبانيا أكثر دولتين في الاتحاد تضررتا من انتشار فيروس كورونا وتقول الدول المقتصدة إن الدولتين أكثر تساهلاً في مجال الميزانية؟

ناصر زهير:

لا يمكن أن تكون إيطاليا وإسبانيا أكثر تساهلاً في مجال الميزانية، فهناك دول كثيرة توصف بأنها تتساهل في صرف ميزانيتها الداخلية ولديها خطط اقتصادية داخلية لكن لا يمكن التدخل في ميزانية تلك الدول خاصة. وكما ذكرنا سلفاً أن الجائحة كانت لها تداعيات على كل دول الاتحاد الأوروبي أو دعني لأقول على معظم دول العالم واقتصاداتها وبالتالي لم تكن هذه الأزمة نتيجة التساهل في السياسات أو في الميزانيات الداخلية لإيطاليا أوإسبانيا وإنما بسبب جائحة كورونا فتلك الدول التي تطلب اليوم مساعدات من أوروبا لا لوم عليها.

يورونيوز: هل هذا المقترح الذي قدمه رئيس المجلس الأوروبي شارل ميشال سيعمل على تليين موقف الدول الأربع المتشددة في موقفها - هولندا والنمسا والسويد والدنمارك - عبر تقديم تنازلات لها خصوصا بشأن توزيع المساعدات والقروض وكذلك الشروط المرفقة بدفع هذه الأموال؟

ناصر زهير:

الاقتراح يمكنه أن يسهم في تليين مواقف الدول الأربع و لكن ينبغي أن يكون ثمة ضغط حقيقي من جانب فرنسا وألمانيا اللتين تقودان بشكل أو بآخر توجهات الاتحاد الأوروبي اليوم. وأيضا أن يكون هناك مقترح يدور في الكواليس وهو يتعلق بموافقة من أغلبية الدول وليست بالإجماع كما كانت عليه الحال سابقا. وبالتالي حتى يتم تليين موقف الدول الأربع ينبغي أن تكون ثمة مقايضات في الملفات أوتسويات مع الدول المقتصدة لتمرير هذه الخطة.

يورونيوز: ما رأيكم في الآلية المقدمة التي تسمح لأي بلد لديه تحفظات على خطة إصلاح أي بلد آخر مقابل هذه المساعدات، أن يفتح "خلال ثلاثة أيام" نقاشا بمشاركة الدول ال27 إما في المجلس الأوروبي أو في مجلس وزراء المالية . كيف يمكن أن تعالج شروط الدفع على المستوى السياسي؟

ناصر زهير:

بنظري لا أعتقد أن هذه الخطة أو الآلية المقدمة التي تسمح لأي بلد لديه تحفظات على خطة إصلاح أي بلد آخر أن يفتح "خلال ثلاثة أيام" نقاشا بمشاركة الدول الـ27 حيث من المحتمل أن ندخل بدوامة من النقاشات التي لا تنتهي لأن الدول الأوروبية ليست على توافق داخلي في ما بينها فضلا عن أن لديها الكثيرمن التحفظات بشأن بعض الخطط إلى جانب الخلافات الداخلية و لكن دول الاتحاد الأوروبي ستحتاج إلى إقرار هذه الآلية إرضاء لبعض الدول و لكنها ليست فاعلة من الناحية السياسية بل قد تسبب مزيدا من الخلافات.

يورونيوز: هل عدم التوصل إلى اتفاق سيضع استراتيجية التضامن ما بين دول التكتّل على المحك؟

ناصر زهير:

بكل تأكيد عدم التوصل إلى اتفاق سيقوّض التضامن ما بين دول الاتحاد الأوروبي كما سيضغط على الاقتصاد الأوروبي بشكل سلبي ذلك أن الضبابية السياسية والاقتصادية ستكون تداعياتها كبيرة. هناك فرق بين عدم الاتفاق و بين التأجيل فإن تم التأجيل فستكون هناك أضرار لكن بشكل أقل تأثيراً. بمعنى سيبقى ثمة أمل لإنقاذ خطة التعافي الاقتصادية ولكن قرارعدم الاتفاق ستكون الأضرار كبيرة جدا أولا على قدرة الاتحاد الأوروبي في مواجهة الأزمات الاقتصادية والسياسية فضلاً عن التجاعيات الناجمة عن سياسات الدول الداخلية. بمعنى أن بعض الدول ستتجه صوب تلقي مساعدات خارج منظومة الاتحاد الأوروبي. وهنا نتحدث عن الصين تحديدا التي تتحيّن الفرص لإبرام صفقات كبرى مع دول الجنوب الأوروبي التي يعرف اقتصادها اليوم تعثرا وبالتالي ليس هذا هو الوقت المناسب للخروج من دون اتفاق.. فعدم الاتفاق سيعني أن الاتحاد الأوروبي غير فاعل اقتصاديا ولهذا الشأن آثار سياسية مدمرة.

viber