المعذرة، هذه المادة غير متوفرة في منطقتكم

مزارعون يحذرون من نقص المحاصيل في السودان مع تفاقم الجوع

Access to the comments محادثة
بقلم:  Reuters
مزارعون يحذرون من نقص المحاصيل في السودان مع تفاقم الجوع
مزارعون يحذرون من نقص المحاصيل في السودان مع تفاقم الجوع   -   حقوق النشر  Thomson Reuters 2022

من نفيسة الطاهر

مشروع الجزيرة (السودان) (رويترز) – كان من المفترض أن يكون المزارعون في السهول الطينية الخصبة في مشروع الجزيرة بالسودان قد بدأوا منذ أسبوع في حراثة التربة قبل أن ينثروا صفوفا من بذور الذرة الرفيعة والفول السوداني والسمسم وغيرها من المحاصيل التي توفر لهم السيولة النقدية.

وبدلا من ذلك تُركت مساحات شاسعة من المشروع الزراعي الذي يضم 8800 كيلومتر مربع دون زراعة في بلد يعاني من تفاقم الجوع بشدة.

ويقول مزارعون تحدثت معهم رويترز إن الحكومة، التي حُرمت من تمويل دولي بمليارات الدولارات بعد الانقلاب العسكري في أكتوبر تشرين الأول، لم تتمكن من شراء القمح منهم بالشروط المتفق عليها في وقت سابق هذا العام.

وهذا يعني، حسبما قالوا، أنهم لا يملكون المال للإنفاق على زراعة المحصول الجديد.

وزاد غزو روسيا لأوكرانيا من تعقيد الصورة، فرفع أسعار مدخلات الزراعة مثل الوقود والأسمدة إلى مستويات قياسية.

ويقول الزراع إن هذا يعرض محاصيل الموسم الحالي والمواسم القادمة للخطر في دولة غير مستقرة تدهورت فيها الأوضاع الإنسانية وليس من الواضح كيف ستتمكن الحكومة من استيراد السلع الغذائية المكلفة من الخارج.

ولم تعلق وزارة المالية تعليقا مباشرا على أحاديث المزارعين حول مشتريات القمح لكنها قالت لرويترز إنها تبذل جهودا لتوفير المال اللازم.

وذكرت الوزارة في بيان يوم الثلاثاء أنها التزمت بشراء ما يصل إلى 300 ألف طن من القمح و200 ألف طن من الذرة الرفيعة بقيمة إجمالية تزيد على 300 مليون دولار وتسعي للحصول على تمويل من البنك المركزي.

وتحدثت رويترز مع أكثر من 20 مزارعا في مشروع الجزيرة وهو مشروع ضخم للري إلى جنوب مباشرة من العاصمة الخرطوم. ووصفوا جميعا الوضع بأنه بائس وأغلبهم أعرب عن خوفه من الإفلاس أو حتى السجن لعدم سداد ديونه.

قال نزار عبد الله إنه أخذ قروضا على أساس أن الحكومة ستشتري قمحه بسعر 43 ألف جنيه سوداني (حوالي 75.40 دولار) للجوال، بحسب ما تم الاتفاق عليه العام الماضي.

لكن عشرات من هذه الجوالات، التي يزن الواحد منها مئة كيلوجرام والتي كان يفترض أن تباع في شهر مارس آذار، مخزنة الآن تحت سقف يتسرب منه الماء.

وإذا تلف محصوله لن يكون لديه ما يبيعه لسداد ديونه. وقال وهو يشير إلى أماكن التسريب في غرفة التخزين “لو جت مطرة صبت فيه.. كدا أنا بادخل الحراسة”.

ويواجه الزراع مشكلات مماثلة في ولاية القضارف الشرقية حيث كانت تُزرع معظم محاصيل الذرة الرفيعة (السرغوم)، وهو محصول الحبوب التقليدي في البلاد.

قال مزارع يزرع مساحة كبيرة بالذرة الرفيعة طلب عدم الكشف عن هويته تفاديا للخوض في السياسية “بنشتري السماد والوقود بأسعار عالية ولما نيجي نبيع محصولنا ما بنلقى سوق. كده الدولة بتفقرنا”.

وقال أحمد عبد الماجد، وهو مزارع آخر في الجزيرة “الموسم ده مهدد بالانهيار تماما. الناس ما بتزرع، 50% أو 70% ما بتزرع. لذلك يبقى قوت المواطن في إشكالية”.

* ترويج

مشكلات مزارعي السودان تعود لما قبل الانقلاب، فهي ترتبط بأزمة اقتصادية بدأت في عهد الزعيم السابق عمر البشير وبإصلاحات في نظام الدعم انتهجتها الحكومة الانتقالية وبضغوط عالمية على التكاليف بدأت قبل الحرب في أوكرانيا.

وفي العام الماضي لم يتمكن البنك الزراعي المملوك للدولة، والذي ظل يدعم الزراع طويلا ويشتري منهم القمح لتعزيز المخزون الاستراتيجي، من توفير الأسمدة والبذور نظرا لارتفاع الأسعار حسبما قال مزارعون.

ولم يرد البنك الزراعي أو البنك المركزي أو وزارة الزراعة على طلبات التعليق.

وارتفعت تكلفة الوقود على المزارعين بأكثر من 6500 بالمئة في عام 2021 بالمقارنة بالعام السابق وفقا لتقرير منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (فاو) المنشور في مارس آذار. وارتفعت أسعار الأسمدة، التي عادة ما تتوفر بموجب اتفاق شراء القمح، بنسبة بلغت 800 بالمئة مما دفع المزارعين للتقليل من استخدامها.

وأشار التقرير كذلك إلى عدم انتظام الأمطار وانتشار الآفات الزراعية والصراعات والمسائل المتعلقة بالري ضمن أسباب انخفاض إنتاج المحاصيل الثلاثة الرئيسية في السودان، وهي القمح والذرة الرفيعة والدخن، بأكثر من 35 بالمئة هذا العام.

وتقول الفاو إن السودان يواجه هذا العام عجزا نادرا في محصول السرغوم.

وقبل عام واحد فقط كانت الحكومة الانتقالية تروج للإمكانيات الزراعية الهائلة غير المستغلة بالسودان بين المستثمرين مع بدء الانفتاح الاقتصادي بعد الإطاحة بحكم البشير في احتجاجات حاشدة في 2019.

لكن هذا توقف فجأة بسبب الانقلاب العسكري الذي أنهى ترتيبا لاقتسام السلطة بين المدنيين والجيش. وتوقف النشاط الاقتصادي وسط الأزمة السياسية والاحتجاجات المناهضة للجيش.

* جوع

يتوقع برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة أن يتضاعف عدد الذين يواجهون أزمات أو مستويات حرجة من الجوع وهي المراحل السابقة على المجاعة هذا العام في السودان ليبلغ 18 مليونا من سكان البلد البالغ عددهم 46 مليون نسمة.

وقد تتفاقم المخاوف المتعلقة بالأمن الغذائي في السودان.

وحتى مع ارتفاع أسعار القمح العالمية تظهر بيانات البنك المركزي أن السودان استورد 818 ألف طن في الفترة من يناير كانون الثاني إلى مارس آذار، أي ثلاثة أمثال ما استورده في الفترة نفسها من 2021.

وقال ممثل الفاو بابا قانا أحمدو إن محصول القمح المحلي لا يمثل سوى نسبة ضئيلة من الاستهلاك ومع ذلك فإن الدعم الحكومي لزراع القمح يشكل دعامة ضرورية وإن لم تكن مستدامة للنشاط الزراعي.

وأضاف “بدونه سيخرج الوضع عن السيطرة”.

وكان من المفترض عادة أن يزرع عبد الله وغيره من المزارعين في مشروع الجزيرة الذرة الرفيعة وغيرها من المحاصيل التصديرية خلال فصل الصيف بالاستعانة بربحهم من مشتريات القمح الحكومية.

لكن عمر مرزوق محافظ مشروع الجزيرة قال إن التمويل غير متوفر سواء الحكومي أو الخاص.

وقالت القيادة العسكرية في السودان إنها تدرس المشكلة. وانتقد المزارعون إعلانا صدر في الفترة الأخيرة لشراء القمح قائلين إنه ينطوي على شروط تعجيزية.

وينتظر المزارعون الذين يعانون من نقص السيولة بيع كميات صغيرة بسعر السوق البالغ نحو 28 ألف جنيه سوداني (49.12 دولار) للجوال ليتمكنوا من تدبير شؤون معيشتهم، لكن المعدات الزراعية تقف خاملة في أماكنها.

ورجّح المزارع الذي تحدث من القضارف أن يخفّض هو وأقرانه ما يزرعونه من محاصيل تصديرية رئيسية مثل السمسم بما يصل إلى 80 بالمئة إذا لم يصلهم تمويل هذا الشهر.

قال حسين سليمان أستاذ الزراعة بجامعة القضارف “أتوقع أن تتفاقم المشاكل في المواسم الجاية إذا ما حصل تغيير جذري، ولا أتوقع تغيير جذري”.