المعذرة، هذه المادة غير متوفرة في منطقتكم

تشارلز.. من أمير طليق اللسان إلى ملك قد يضطر لالتزام الصمت

Access to the comments محادثة
بقلم:  Reuters
تشارلز.. من أمير طليق اللسان إلى ملك قد يضطر لالتزام الصمت
تشارلز.. من أمير طليق اللسان إلى ملك قد يضطر لالتزام الصمت   -   حقوق النشر  Thomson Reuters 2022

من مايكل هولدن

لندن (رويترز) – خلال فترة انتظاره الطويلة لاعتلاء العرش، عُرف عن الملك تشارلز تعبيره العلني عن آرائه في كل القضايا.. من تغير المناخ إلى الهندسة المعمارية. والآن وقد أصبح ملكا، ربما يحاول الاحتفاظ بأوراقه أقرب إلى صدره.

ورغم سخرية البعض منه بسبب آرائه، واتهامه بالتدخل في شؤون سياسية واجتماعية قد لا تعنيه، كان تشارلز (73 عاما) يعتقد دوما أن عليه التعبير عما يدور في خلده فيما يتعلق بقضايا يرى أنها تهم البريطانيين أيضا.

إلا أنه قال ذات يوم إنه يدرك أن دور ولي العهد يختلف كلية عن دور الملك.

وفي فيلم وثائقي تلفزيوني بمناسبة عيد ميلاده السبعين عام 2018، سعى تشارلز لتهدئة المخاوف من أنه سيستغل منصبه للترويج للقضايا التي يؤيدها.

وقال “فكرة أنني سأمضي على نفس الطريق بالضبط إذا حدث وجلست على العرش محض هراء لأن الموقفين مختلفان تماما”.

وردا على سؤال عما إذا كانت حملاته العامة ستستمر عندما يصبح ملكا، أجاب “لا، هذا لن يحدث. لست بهذا الغباء”.

إلا أن هذا التغيير قد لا يكون بهذه السهولة.

فعلى مدار سنوات وجد تشارلز نفسه منقسما بين النمط الأكثر تحفظا للملكية الذي التزمت به والدته والذي نشأ في كنفه، وبين نمط أكثر حداثة وقُربا يجسده ابنه وولي العهد الآن الأمير وليام.

وأحدث هذا تناقضا بين سعيه وراء قضايا ليبرالية اجتماعيا من ناحية وبين كونه محافظا في الجوهر من ناحية أخرى، وهو انقسام يحذر بعض المراقبين من أنه قد يكون صعبا على تشارلز والشعب.

وقالت الصحفية كاثرين ماير في سيرة صدرت عام 2015 إن أفراد البلاط الملكي قلقون من أن ينتهج تشارلز أسلوبا ملكيا ثوريا وإن شغفه بقضايا بعينها، خاصة البيئية، أثار انزعاجا في قصر بكنجهام ولدى الملكة الراحلة نفسها.

وكتبت ماير “يخشى بعض رجال البلاط والملكة نفسها ألا يستسيغ التاج ولا رعاياه صدمة التجديد”.

وأضافت أنهم “يشعرون أنه يضع عواطفه الجياشة حماسته قبل مهامه الملكية. إنهم بعيدون جدا عن الاقتناع برؤية تشارلز المتطورة: إمكانية الجمع بين القيام بحملات والملكية”.

وبموجب الدستور البريطاني غير المكتوب، من المفترض أن تظل العائلة المالكة فوق السياسة. واحتفظت إليزابيث بآرائها لنفسها خلال فترة حكمها التي امتدت لأكثر من سبعة عقود.

وقال توني بلير الذي رأس الوزراء في الفترة من 1997 إلى 2007 “ليس لدي أي فكرة عن سياستها الفعلية، وقد كنت رئيسا للوزراء لعشر سنوات”.

* سابق لعصره؟

على مدار خمسة عقود، قام تشارلز بحملات تروّج لموضوعات قريبة إلى قلبه، وهو ما قوبل بإشادة واستنكار.

ويقول أنصار الملك الجديد إنه سابق لعصره يفكر في رعاياه ويسعى لاستغلال دوره في تسليط الضوء على قضايا مهمة.

بينما يقول المعارضون إن مكانته تجعل الناس منقادين لآرائه التي لا يتفقون مع بعضها.

واعترف هو نفسه بأن طرح أفكار غير شائعة مثل تغير المناخ قبل عقود من قيام زعماء العالم بوضع الأمر في مركز الصدارة، دفع البعض لاتهامه بالحماقة.

وعن مخاوفه البيئية، قال تشارلز في حوار مع (بي.بي.سي) “انشغلت بالتوازن والتجانس“، واصفا الانتقادات بأنها “لم تكن ممتعة كثيرا”.

وأضاف “لأنني ذكرت أن هناك طرقا أفضل للقيام بالأشياء بألطف وسيلة ممكنة، بوسيلة أكثر توازنا وتكاملا، واجهت اتهامات بالتدخل والتطفل”.

ومن أعظم إنجازاته الشخصية إنشاء (برنسز تراست) أو “صندوق الأمير” الخيري لمساعدة الشبان البريطانيين على اكتساب المهارات والتدريب للعثور على فرص عمل أو إطلاق مشاريع.

وأنشِئ الصندوق في وقت شهد أعمال شغب في أنحاء البلاد وأزمة بطالة متصاعدة، وساعد منذ إطلاقه أكثر من مليون نسمة. ويقول تشارلز إن تجاهل مثل هذه القضايا كان يمكن أن يضعه في مصاف المتهمين بالإهمال الجنائي.

وأضاف “إذا كان من التطفل القلق على المدن في الداخل كما فعلت قبل 40 عاما، فإنه تطفل أفخر به”.

كما أبدى رأيه في تصاميم معمارية، مما أثار استعداء البعض داخل القطاع بعدما أعلن صراحة نفوره من الكثير من المباني والتصاميم الحديثة.

وسبق أن وصف توسعة لمعرض لندن الوطني عام 1984 بأنه “بثرة بشعة على وجه صديق عزيز أنيق”.

ووضع تشارلز أفكاره الخاصة موضع التنفيذ في باوندبري، وهو امتداد حضري لمدينة دورتشستر التي تعود إلى القرون الوسطى في جنوب غرب إنجلترا على مساحة 400 فدان من الأراضي المملوكة لدوقيته كورنوال، بناء على مبادئ تخطيط المدن التقليدية التي دعا إليها.

ويقول معارضون إن المشروع الذي بدأه عام 1987 ومن المقرر أن يكتمل في 2025 يمثل انتكاسة، فيما يقول الداعمون وسكان كثيرون إنه مبتكر وناجح.

* “دجل”

ولم يفلت تأييده للطب البديل وأساليب العلاج البديلة من الاستهزاء أيضا.

وقال إدزارد إرنست الأستاذ الجامعي السابق في مجال الطب التكميلي في جامعة إكستر في 2009 “الأمير تشارلز يسهم في اعتلال صحة البلاد بزعمه أننا يمكننا جميعا أن نتمادى في فعل ما نريد ثم نتناول وصفته فنعود بخير”.

وتابع “تحت لافتة الرعاية الصحية المتكاملة والشاملة يروج بذلك لإمكانية ’الإصلاح السريع’ وهذا دجل صريح”.

لكن ظل شغفه بالقضايا البيئية والمنتجات الزراعية العضوية، دون إضافة أي مبيدات أو مواد كيميائية في الأسمدة، هو شغله الشاغل، وأسس للعلامة التجارية (داتشي أوريجينالز) للترويج للأغذية العضوية الطبيعية.

ومع اهتمامه الشخصي بالزراعة، كان تشارلز أحد رعاة رابطة التربة الخيرية. وفي 2010 كتب كتابا مع مستشارين بعنوان “التناغم: طريقة جديدة للنظر لعالمنا”.

كما قاد جهودا فيما يتعلق بالاستدامة وحذر في السنوات القليلة الماضية من أن المشكلات التي يتسبب فيها التغير المناخي تؤجج الحروب والإرهاب وموجات الهجرة الجماعية. واعترف هو شخصيا أن آراءه أثارت الجدل.

وقال “المشكلات قائمة في كل تلك الأمور، كنت أتحدى المنطق المتعارف عليه والتحفظ الحالي وأسلوب التفكير التقليدي”.

وتابع قائلا “ربما كان ينبغي ألا أتفاجأ من عدم استيعاب الكثيرين لما كنت أفعله. ظن الكثيرون فيما يبدو أو قيل لهم إني أتنقل فحسب من قضية لأخرى.. من المعمار في تلك الدقيقة للزراعة في الدقيقة التالية”.

وأضاف “ما كنت أحاول في الحقيقة أن أوضحه هو أن كل تلك الموضوعات مرتبطة تماما وأن علينا أن ننظر للصورة بأكملها لفهم المشكلات التي نحن بصددها”.

* ملفات وخلافات

لم تكن آراؤه فقط هي التي أثارت القلق، لكن أيضا محاولاته لطرح قضايا ومناقشتها مع الحكومات. وفي 2013، تم الكشف عن أن تشارلز عقد 36 اجتماعا مع وزراء على مدى السنوات الثلاث المنقضية.

وبعد ذلك بعامين، قضت أعلى محكمة بريطانية بإمكانية نشر أكثر من 40 خطابا من تشارلز أو مستشاريه لوزراء أو من وزراء إليهم، فيما أُطلق عليه “مذكرات العنكبوت الأسود” بسبب خط الأمير.

وتنوعت موضوعات الخطابات بين الإسكان الريفي المتيسر ونوعية الطعام في المستشفيات والحفاظ على البنايات التاريخية وحتى موارد القوات البريطانية في العراق ومصير سمكة الباتاجونيا.

وفي يونيو حزيران الماضي، أثار تشارلز موجة انتقادات من وزراء بعد أن قيل إنه انتقد سياسة حكومية تتمثل في إرسال طالبي لجوء إلى رواندا.

وقال وزير طلب عدم ذكر اسمه لصحيفة تايمز “الأمير تشارلز هو زخرف حياتنا العامة، لكن ذلك سيزول سحره إذا حاول أن يتصرف بذات الطريقة عندما يصبح ملكا… سيثير ذلك مشكلات دستورية عويصة”.

وفي 2014، تسبب تشارلز في خلاف دبلوماسي بعدما نُشرت تعليقات خاصة قيل إنه شبّه فيها مرارا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بأدولف هتلر بعد أن ضمت روسيا شبه جزيرة القرم من أوكرانيا.

وقال توم بوير الذي كتب سيرة حياة تشارلز تزامنا مع عيد ميلاده السبعين “لديه رؤية للعالم ويريد أن يفرض رؤياه على ذلك العالم، لا يريد إطلاقا أن يساير التوقعات وهذا يجعله متمردا”.

وأضاف “أعتقد أنه إذا أصبح ملكا متمردا، ستكون الملكية في خطر”.

وفي دوره الملكي الجديد، سيعقد تشارلز اجتماعا أسبوعيا خاصا مع من يشغل منصب رئيس الوزراء لمناقشة الشؤون الحكومية.

وتشير تقارير إعلامية مستقاة من الدوائر الملكية المقربة إلى أن المستشارين في البلاط الملكي يحبسون أنفاسهم لحين معرفة ما إذا كانت تدخلاته في الأمور السياسية ستشهد مزيدا من الشطط.

قال أستاذ التاريخ الدستوري فيرنون بوجدانور في محاضرة في عام 2017 “سيتغير دوره عندما يصبح ملكا، وقتها سيصبح ملزما بالأعراف الخاصة بالمشورة. خطاباته وأفعاله ستكون وقتها نابعة من وزرائه. أعتقد أن من الغريب الظن أنه لا يدرك ذلك”.

تقول جماعة (ريبابليك) أو “الجمهورية” التي تنادي بإلغاء الملكية إن لديها رسالة بسيطة للملك الجديد:

“إذا أراد تشارلز أن يشارك في الحياة السياسية فليترشح في الانتخابات”.

وقال وليام ناي سكرتير تشارلز الخاص السابق إن الملك الجديد سيحذو حذوه والدته وجده الملك جورج السادس في حين سينهل من خبراته الخاصة.

لكن تشارلز نفسه أشار إلى أن بعض الموضوعات لن يقبل فيها التزام الصمت.

وقال في مقابلة مع مجلة بمناسبة عيد ميلاده السبعين “يتهمونك بأنك تثير الجدل لمجرد أنك تحاول لفت الانتباه لأمور ليست بالضرورة جزءا من وجهة النظر التقليدية”.

وتابع قائلا “مشكلتي هي أني أجد أمورا كثيرة جدا تحتاج لمن ينجزها أو يكافح من أجلها”.