فيما يستعد البلد لأوّل كسوف كلي على شبه الجزيرة منذ عام 1912، ستُحرم شريحة كبيرة من السكان من التجربة الكاملة بسبب مكان إقامتهم أو حالة الطقس أو نوبات العمل أو مجرد الحذر على البصر.
إسبانيا باتت ترفع أنظارها إلى السماء، أو على الأقل تستعد لذلك. لكن ليس كل أنحاء البلاد سيشهد المشهد نفسه. يُعد كسوف الشمس الكلي في 12 أغسطس، بحسب اتفاق خبراء الأرصاد الجوية وعلماء الفلك، ظاهرة ستقسّم حرفيا البلاد إلى جزأين: من سيرون الشمس تختفي تماما، ومن سيبقون على عتبة تلك التجربة.
خارج مسار الكسوف: مدريد وبرشلونة وجزء كبير من الجنوب
مسار الكلية، ذلك الشريط الضيق الذي يحجب فيه القمر الشمس بنسبة 100%، يعبر شبه الجزيرة من الغرب إلى الشرق ويصل إلى عواصم إقليمية مثل لا كورونيا، وأوفييدو، وليون، وبيلباو، وسرقسطة، وفالنسيا وبالما. خارج هذا المسار، سيشاهد باقي أنحاء البلاد كسوفا جزئيا، تكون شدته أكبر أو أقل تبعا لمدى البعد عن الخط المركزي.
تُعد مدريد وبرشلونة الغائبين الكبيرين عن هذا الحدث. فالمسار يمر بين المدينتين مباشرة، لذلك سيشهد سكانهما مساءً تكون فيه الشمس شبه محجوبة، حتى نسبة 99% في بعض النقاط، من دون الوصول إلى تلك الثواني من الظلام التام التي تجعل الظاهرة مختلفة عن أي مشهد آخر.
تقع هوسكا وزامورا على حافة مسار الكلية نفسه، ما يعني أن عدم انتظام تضاريس سطح القمر قد يجعل اللحظة الحاسمة غير مرئية بالعين المجردة. أما النصف الجنوبي من شبه الجزيرة، فيكتفي مباشرةً بكسوف جزئي.
العدو الذي لا يمكن السيطرة عليه: السحب
التواجد في المسار الصحيح ليس ضمانا لشيء إذا لم يكن الجو ملائما. فالمناطق المطلة على خليج بسكاي، وسواحل غاليسيا وأستورياس وكانتابريا، تحمل سجلا جويا غير مشجع في مثل هذا الوقت من السنة، مع احتمالات لصفاء السماء لا تتجاوز في بعض التحليلات نسبة 50%.
أحدث التوقعات الجوية تشير إلى فرص أفضل في غرب وداخل غاليسيا وقشتالة وليون وجزر البليار، وإن كانت النماذج لا تزال قابلة للتغير حتى اللحظة الأخيرة. بالنسبة لمن سافر مئات الكيلومترات سعيا إلى الكلية، قد تكون سحابة واحدة في موضع غير مناسب فوق الأفق الغربي كافية لإفساد ما منحته الجغرافيا في ثوانٍ معدودة.
من سيواصلون العمل بينما تغمق السماء
لا يوجد في إسبانيا أي ترخيص خاص يتيح ترك مكان العمل أثناء الكسوف، كما أن التشريعات العمالية لا تعتبره سببا قاهرا. لذلك فإن السائقين والعاملين في قطاعي الضيافة والإنشاءات ممن يكونون في نوبة عمل هذا المساء سيواصلون، من حيث المبدأ، يومهم المعتاد بينما يتوقف كل ما حولهم تقريبا ليرفع الناس أنظارهم إلى السماء.
في أحسن الأحوال يمكن محاولة إدراج لحظة الكلية، التي لا تتجاوز دقيقة واحدة وبضع ثوان في أفضل المواقع، ضمن استراحة 15 دقيقة التي ينص عليها قانون العمال بالنسبة لدوام يتجاوز ست ساعات، لكن ذلك يتطلب اتفاقا مسبقا مع صاحب العمل.
الإدارة العامة للمرور (DGT) أطلقت بالفعل خطة خاصة تحسبا للازدحام في المناطق الأكثر استقبالا للزوار، ما يعني أن جزءا كبيرا من طواقم الطرق سيكون أمام يوم أكثر ازدحاما من المعتاد هذا المساء.
من باب السلامة، يُفضّل عدم النظر إليه مباشرة
هناك من يستطيع مشاهدة الكسوف لكنه يختار ألا يفعل، أو لا ينبغي له ذلك. فمختصو طب العيون يحذرون منذ أسابيع من أن النظر إلى الشمس من دون نظارات معتمدة وفق المعيار ISO 12312-2، ولو لثوانٍ معدودة، أو باستخدام نظارات شمسية عادية أو صور الأشعة أو مرشحات منزلية الصنع، قد يتسبب في اعتلال الشبكية الشمسي: وهو حرق في شبكية العين لا يسبب ألما، ولا يُلاحظ في اللحظة نفسها وقد يستغرق بين أربع و48 ساعة ليظهر في صورة بقعة داكنة في مركز مجال الرؤية.
قام المجلس الاجتماعي "ONCE" بتوزيع ما يقرب من مليوني نظارة معتمدة في أنحاء البلاد تحديدا لتفادي الحوادث، وتوصي جمعيات طب العيون بألا يشاهد الأطفال، على وجه الخصوص، هذه الظاهرة من دون إشراف مباشر من شخص بالغ. ومن لا يملك وسيلة حماية معتمدة أمامه، عمليا، خياران آمنان فقط: إما ألا ينظر، أو أن يكتفي بالمشاهدة عبر "streaming".
ستوفر وكالة الفضاء الأوروبية "ESA" بثين مباشرين. الأول سيكون البث الرسمي من المرصد الفلكي في خافالامبر بتيرويل، ويتضمن مقابلات مباشرة وشرحا وصورا ومعلومات عن ظواهر الكسوف، إضافة إلى نقل لحظة الكلية عند الساعة 8:31 مساء. سيكون البث باللغة الإنجليزية ويمكن متابعته عبر "ESA Web TV" و"YouTube".
أما البث الثاني لـ"ESA" فسيعرض صورا ملتقطة بالتلسكوبات، من دون تعليقات أو شروح؛ فقط الكسوف بشكل مباشر، وسيكون متاحا أيضا على "YouTube".
من جهتها، ستوفر "NASA" أيضا بثها المباشر الخاص، الذي سيبدأ عند الساعة 7:15 مساء. وسيعرض البث مشاهد مختلفة للكسوف مع تقدمه على مساره، ويتضمن مقابلات مع خبراء. ويمكن متابعته من خلال موقع "NASA" وكذلك عبر "YouTube"، مع ربط مباشر بعدة نقاط تشهد الكلية، مثل آيسلندا عند الساعة 7:45 مساء أو إسبانيا عند الساعة 8:28 مساء.
ظاهرة يمكن الاستماع إليها أيضا
بالنسبة للأشخاص المكفوفين أو ضعاف البصر، كان الكسوف تقليديا عرضا يُستثنون منه بحكم التعريف. هذا الوضع يتغير هذا العام مع مشروع "الكسوف الشامل" الذي أطلقه المجلس الأعلى للبحث العلمي (CSIC)، ويوزع أجهزة "LightSound" في عدة نقاط رصد داخل البلاد.
يحوّل الجهاز في الزمن الحقيقي شدة الضوء الشمسي إلى صوت: نغمة تخفت وتنخفض حدتها تدريجيا مع تغطية القمر لقرص الشمس، حتى تكاد تختفي تماما خلال لحظة الكلية. قد لا يكون ذلك مثل رؤيتها، لكنه طريقة لمشاركة اللحظة نفسها التي سيرفع فيها ملايين الأشخاص أنظارهم إلى السماء هذا المساء.
من لا يريدون رؤيته
ليس كل من سيبقى من دون مشاهدة الكسوف هذا المساء يفعل ذلك لأنه لا يستطيع؛ فهناك من يفضّل ببساطة ألا يخرج لمشاهدته. ففي الأسابيع الأخيرة انتشرت على شبكات التواصل عدة شائعات تمزج بين الظاهرة ونظريات المؤامرة، بدءا من التحذيرات من مشكلات عصبية مزعومة بسبب مشاهدته، وصولا إلى الادعاء، من دون أي أساس علمي، بأن الأرض ستفقد جاذبيتها لمدة سبعة ثوانٍ، وهو ادعاء يُنسب إلى وثيقة مسرّبة غير موجودة من "NASA".
يعمل المدققون على تفنيد هذه الرسائل منذ أيام، لكنها لا تزال تتكرر، وبعضها يحذر حرفيا من "عدم الخروج" أثناء الكسوف. بالنسبة لجزء من السكان تكفي هذه الهمهمات للبقاء في المنزل وإنزال الستائر.
وهناك أيضا من لا يخشى الظاهرة نفسها بقدر ما يخشى ما يحيط بها. فالقرى الواقعة في مسار الكلية شهدت زيادة في عمليات البحث السياحي تجاوزت 800% مقارنة بعام عادي، ويؤكد عدد غير قليل من سكان تلك المناطق أنهم سيمضون المساء بعيدا عن الحشود، تاركين أفضل المواقع لمشاهدة الشمس للآلاف من الزوار الذين تسببوا في ازدحام الطرق واستنفاد القدرة الاستيعابية لوسائل الإقامة. بالنسبة إليهم لا يُعد الكسوف في الأساس عرضا فلكيا بقدر ما هو اضطراب كبير في وتيرة حياتهم اليومية.