صور العقارات المعززة بالذكاء الاصطناعي بدأت تظهر في الإعلانات بجميع أنحاء أوروبا، فيما يسعى قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي الجديد إلى تعزيز الشفافية.
أثناء تصفحك الإنترنت بحثا عن مكان تعيش فيه، قد تصادف منزلا معروضا للبيع بألوان زاهية وسط أوراق الشجر الخريفية وأثاث ريفي بسيط. لكنك سرعان ما تلاحظ أن هناك أمورا غير منطقية: مقابس كهربائية مشوهة، أو أثاثا يبدو أكبر كثيرا من حجم الغرفة. في صورة ما يخرج مصباح أرضي من وسط طاولة ثم يختفي في الصورة التالية، أو تظهر قطعة الفن نفسها في كل غرفة.
صور العقارات من هذا النوع تكون في الغالب مصنوعة باستخدام "AI". الوسطاء يزداد اعتمادهم على المنصات الرقمية لتجميل المساحات المعروضة للبيع، وقد نددت عدة منتديات إلكترونية بهذه الصور العقارية المولّدة بالذكاء الاصطناعي بوصفها مضللة وغير موثوقة. على أحد منتديات الإسكان في أيرلندا على موقع "Reddit"، نشر مستخدم صورا متجاورة لمنزل مؤثث بالنباتات والزينة (المصدر باللغة الإنجليزية) إلى جانب صورة المنزل الفعلي الخالي؛ في النسخة المصنوعة بالذكاء الاصطناعي كانت الأريكة تسد درج البيت، وجدار غرفة الجلوس يبدو أكبر. وكتب المستخدم في 22 أيلول/سبتمبر: "يتم الآن استخدام الذكاء الاصطناعي من قبل وكلاء العقارات لبيع المنازل. هل هذا قانوني أصلا؟".
وكلاء العقارات يستخدمون منذ زمن الإخراج البصري للمنازل لمساعدة الزبائن على تخيّل إمكانات المكان؛ فإضافة أريكة أو باقة أزهار ملونة كفيلة بجعل شقة فارغة تبدو أكثر جاذبية وقابلة للسكن. لكن تجهيز المكان فعليا يتطلب وقتا طويلا وكلفة كبيرة، في حين يمكن للذكاء الاصطناعي تسريع العملية وتقليل النفقات بشكل كبير، وأحيانا بلا تكلفة تقريبا. بعض الخبراء يرون أن الإخراج الافتراضي بالذكاء الاصطناعي لا يختلف كثيرا عن الإخراج التقليدي، بل هو مجرد استخدام لتقنية جديدة؛ كما يقول ستيفن لي من المعهد المهني لوكلاء العقارات: "الوكلاء يستخدمون بالفعل تجهيز المنازل لجعل المكان يبدو أجمل عندما تزوره، لذا فإن القيام بالأمر نفسه على الكمبيوتر أسهل وأرخص بطبيعة الحال".
مع ذلك، فإن تغيير مظهر المنزل أو الشقة بواسطة الذكاء الاصطناعي قد يخدع بعض المشترين فيظنون أن الغرفة أكبر كثيرا مما هي عليه، أو أن المطبخ مزود بأجهزة أكثر حداثة. ويثير ذلك قلقا خاصا لدى من ينتقلون إلى مدينة جديدة ولا يستطيعون معاينة العقار شخصيا. أحيانا يصعب جدا التمييز بين الصورة الحقيقية وتلك المعدلة؛ وكبار السن معرضون بشكل خاص (المصدر باللغة الإنجليزية) لخداع الذكاء الاصطناعي، وبعضهم لا يعرف حتى معنى "deepfake". كلاوديو تيكسيرا، رئيس سياسات الرقمنة في منظمة المستهلك الأوروبي، يقول إن الخداع بالذكاء الاصطناعي في الأسواق الإلكترونية، مثل سوق الإسكان، لا يحظى بالنقاش الكافي: "ليس لدى الجميع القدرة على إدراك أن ما يرونه ليس حقيقيا من النظرة الأولى، لذلك يجب أن يحمل هذا المحتوى تحذيرا واضحا بأنه مولّد بواسطة الذكاء الاصطناعي".
لوائح أوروبية جديدة قد تساعد
قواعد الشفافية الجديدة في الاتحاد الأوروبي الخاصة بالذكاء الاصطناعي قد تضع حدا للممارسة المعروفة باسم "housefishing (المصدر باللغة الإنجليزية)"، أي تقديم إعلانات عقارية محسّنة رقميا على نحو مضلل. فـالمادة 50 من قانون الذكاء الاصطناعي في الاتحاد الأوروبي (المصدر باللغة الإنجليزية)، التي بدأ تطبيقها في أوائل آب/أغسطس، تلزم بأن يتم وضع وسم واضح (المصدر باللغة الإنجليزية) على أي محتوى يتم توليده أو تعديله بالذكاء الاصطناعي. ويصنّف الاتحاد الأوروبي صورة شقة "تم تأثيثها باستخدام الذكاء الاصطناعي" على أنها صورة جرى تعديلها جزئيا، ويتعين أن تحمل هذه الصور أيقونة شفافية خاصة بالذكاء الاصطناعي. يقول ديفيد رابنغلوك، المحامي البارز في شركة "CMS" الذي يتابع تطبيقات القانون: "المادة 50 هي إلى حد كبير تعبير عن حماية الحقوق الأساسية؛ الرسالة بسيطة: إذا واجهت، كمستهلك أو مزايد، صورة قد تكون مولّدة أو مبدّلة بالذكاء الاصطناعي، فيجب أن تُبلّغ بذلك".
المزوّدون الذين ينتجون محتوى بالذكاء الاصطناعي، مثل الشركات المطوّرة للأنظمة كـ"OpenAI" أو "Anthropic"، ملزمون بوسم الصور بشكل يمكن للآلات قراءته، بينما يتعين على "المستخدم المنفِّذ"، أي من يوظف نظام ذكاء اصطناعي لإنشاء صورة أو تحسينها، أن يضيف أيضا وسمًا مرئيا عليها. لكن إذا لم يقم هذا المستخدم بوضع الوسم، يصبح من الصعب على الشخص العادي التحقق مما إذا كان الذكاء الاصطناعي قد استُخدم عند المزود الأصلي. وللتحقق، يجب إدخال الشفرة القابلة للقراءة آليا في موقع آخر يقوم بعملية التدقيق، كما توضح أكفيله شيكشنيوتيه من فريق السياسات الرقمية في منظمة المستهلك الأوروبي، مضيفة أن هذه الخطوة الإضافية ليست واضحة للمستهلكين: "أعتقد أننا لا نزال بعيدين عن المرحلة التي يشعر فيها المستهلكون أن لديهم جهات يمكنهم اللجوء إليها إذا شعروا بأنهم تعرضوا للتضليل أو أن المحتوى الذي يشاهدونه غير دقيق".
متى يجب وسم محتوى الذكاء الاصطناعي؟
استخدام الذكاء الاصطناعي لإضافة تفاصيل طفيفة، مثل تغيير الإضاءة أو لون جدار، يختلف تماما عن توسيع غرفة أو إنشاء صورة جديدة بالكامل. لكن قانون الذكاء الاصطناعي لا يفرّق، بحسب رابنغلوك، بين التعديل الجزئي والتوليد الكامل. وقد لا يعرف الناس ما إذا كانت الصورة قد خضعت لتغييرات بسيطة أم جرى تغييرها كليا، وهو ما يطرح سؤالا حول ما الذي يجب وسمه فعلا؛ إذ تبقى التفاصيل غير محسومة. تقول شيكشنيوتيه: "الأمر غير واضح، لأن تغييرات دقيقة جدا، مثل تغيير جدار في الخلفية، يمكن اعتبارها تعديلا بسيطا تم باستخدام الذكاء الاصطناعي، وربما لن تُوضع عليها أي علامة"، مضيفة: "أعتقد أن هذا هو مصدر بعض سوء الفهم لدى المستهلكين، لأننا نتوقع اليوم أن يحمل كل ما نراه من محتوى وسما يوضح إن كان مولّدا بالذكاء الاصطناعي، وهذا ليس ما يحدث فعليا".
إنفاذ القواعد في الواقع ما زال غامضا
العقوبات على عدم وسم المحتوى صارمة؛ فالمخالفون قد يواجهون غرامات تصل إلى 15 مليون يورو أو ما يصل إلى ثلاثة في المئة من رقم معاملاتهم العالمي. يقول رابنغلوك: "نحن كمحامين ننصح بأخذ هذا الأمر على محمل الجد"، مشيرا إلى أن "آلية الإنفاذ صارمة جدا وتُطبّق أيضا بواسطة السلطات الوطنية". وبما أن القانون دخل حيز التنفيذ الشهر الماضي فقط، ما زالت هناك أسئلة كثيرة حول كيفية عمله عمليا، ويظل تطبيقه صعبا على أرض الواقع. فبحسب رابنغلوك، يمكن التقاط صور للشاشات وإرسالها إلى السلطات الوطنية للإبلاغ عنها، لكن سوق العقارات يتحرك بسرعة كبيرة، والإعلانات قد تبقى منشورة لبضعة أيام فقط، ما يجعل متابعة الحالات الفردية أكثر تعقيدا. يتساءل تيكسيرا: "كيف نضمن فعليا مساءلة هذا القطاع حتى لا تترسخ مثل هذه الممارسات؟ حاليا، الآليات القائمة لا تكفي لضمان ذلك".
القطاع نفسه يحاول أيضا فرض الشفافية في استخدام الذكاء الاصطناعي؛ فالمعهد المهني لوكلاء العقارات في بلجيكا يقوم حاليا بتحديث مدونة السلوك المهني لتتماشى مع قواعد المادة 50. ويؤكد لي أن وكيل العقارات يظل مسؤولا عما ينشره: يمكنه استخدام الذكاء الاصطناعي، ولكن فقط إذا صرّح بذلك بوضوح، قائلا: "يتعين عليهم احترام مدونة الأخلاقيات لممارسة نشاطهم، وإذا لم يفعلوا، فمن المرجح أن يواجهوا مشاكل جدية". وتختلف العقوبات من حالة لأخرى، لكنها قد تشمل تعليق رخصة الوكيل أو سحبها بالكامل. خارج سوق الإسكان، تنتشر حالات الخداع بالذكاء الاصطناعي في قطاعات عديدة أخرى؛ ويأمل تيكسيرا أن تصبح آليات الإنفاذ أقوى، وألا يُحمَّل المستهلكون وحدهم مسؤولية الوقوع في الاحتيال، مضيفا: "يجب أن يعمل نظام كامل، ليس فقط لضمان حصول المستهلكين على معلومات أفضل لاتخاذ قراراتهم، بل أيضا لضمان أنه إذا فشل كل شيء، تُحاسَب الجهات المخالفة التي تغيّر المحتوى عمدا لجعله أكثر جاذبية رغم علمها بأنه غير حقيقي".