Loader
ابحثوا عنا
اعلان

أزمة السكن في إسبانيا: ما الذي يحدث بعد احتجاجات ماريكارمن

تظاهر مجموعة من الأشخاص بعد طرد ماريكارمن من منزلها للمطالبة بقوانين أكثر صرامة تحمي المستأجرين في مدريد في 26 سبتمبر 2026.
يتظاهر مجموعة من الأشخاص بعد طرد ماريكارمن من منزلها للمطالبة بقوانين أكثر صرامة تحمي المستأجرين في مدريد، في 26 سبتمبر 2026. -  حقوق النشر  Manu Fernandez/AP
حقوق النشر Manu Fernandez/AP
بقلم: Christina Thykjaer
نشرت في
شارك محادثة تابع يورونيوز على جوجل
شارك Close Button

طرد ماريكارمن من منزلها أخرج آلاف الأشخاص إلى الشوارع وأعاد تسليط الضوء على أزمة السكن في إسبانيا، حيث ترتفع أسعار الشراء بنسب تتجاوز عشرة بالمئة وتواصل الإيجارات الصعود بينما يعجز العرض عن مواكبة الطلب في المناطق الأكثر ضغطا.

تحولت صور ماريا ديل كارمن أباسكال، المعروفة باسم ماريكارمن، أثناء إخلائها من مسكنها في مدريد إلى أحدث رمز لأزمة الوصول إلى السكن في إسبانيا.

اعلان
اعلان

وتبلغ المرأة من العمر 87 عاما، وكانت تعيش مستأجرة في الشقة منذ نحو 70 عاما. ووفقا لنقابة المستأجرين في مدريد، فقد طُرحت بعد تغيير مالك العقار زيادة في الإيجار من نحو 500 يورو إلى 2.650 يورو شهريا، قبل أن تُخفض لاحقا إلى 1.650 يورو.

بعد عدة محاولات لوقف قرار الإخلاء، تم إخلاء ماريكارمن ثم نُقلت بعد ذلك إلى المستشفى. وقد أثارت القضية تحركات واحتجاجات تجاوزت بسرعة حدود مدريد.

لكن حجم رد الفعل يصعب فهمه إذا نظرنا فقط إلى هذا الإخلاء. قضية ماريكارمن تأتي في وقت أصبح فيه الوصول إلى السكن واحدا من أهم الضغوط الاقتصادية على العديد من الأسر في إسبانيا.

تنتظر ماريكارمن في منزلها وصول الشرطة قبل أن تُخلى من مسكنها في مدريد، إسبانيا، في 23 سبتمبر 2026.
تنتظر ماريكارمن في منزلها وصول الشرطة قبل أن تُخلى من مسكنها في مدريد، إسبانيا، في 23 سبتمبر 2026. Fernando Sánchez/Europa Press vía AP

كم ارتفعت أسعار السكن في إسبانيا؟

أسعار شراء المساكن ترتفع حاليا بمعدلات من رقمين. فقد سجل مؤشر أسعار السكن التابع للمعهد الوطني للإحصاء (INE) زيادة سنوية قدرها 12,2% خلال الربع الثاني من عام 2026.

وارتفعت أسعار المساكن المستعملة، التي تمثل الجزء الأكبر من السوق الإسبانية، بنسبة 12,9%، بينما زادت أسعار المساكن الجديدة 7,4%. وبالمقارنة مع الربع السابق فقط، ارتفعت الأسعار 3,4% أخرى.

ولا يقتصر تأثير المشكلة على من يريدون شراء منزل فحسب. فقد بلغ متوسط السعر المعلن للإيجار 15,1 يورو للمتر المربع في أغسطس 2026، بحسب موقع "Idealista"، أي بزيادة قدرها 5,8% مقارنة بالعام السابق. وهذه الزيادات تُضاف إلى الارتفاعات المسجلة خلال الأعوام الماضية.

والنتيجة هي أن تكلفة السكن تستحوذ على نسبة مرتفعة من دخول كثير من الأسر، وخصوصا بين من يعيشون في مساكن مستأجرة.

وبحسب بيانات المعهد الوطني للإحصاء، فإن 28,1% من الأشخاص الذين كانوا يستأجرون مسكنا بالسعر الجاري في السوق عام 2024 خصصوا أكثر من 40% من دخلهم المتاح لتكاليف السكن. بينما بلغ المتوسط في الاتحاد الأوروبي 19,2%.

لذلك فإن مشكلة القدرة على الوصول إلى السكن لا تتمثل ببساطة في أن المساكن أصبحت أغلى ثمنا. فبالنسبة لجزء مهم من المستأجرين، يتطلب الحفاظ على مسكن نسبة عالية جدا من دخلهم.

يتظاهر أشخاص بعد إخلاء ماريكارمن للمطالبة بقوانين أكثر صرامة لحماية المستأجرين في مدريد، إسبانيا، في 26 سبتمبر 2026.
يتظاهر أشخاص بعد إخلاء ماريكارمن للمطالبة بقوانين أكثر صرامة لحماية المستأجرين في مدريد، إسبانيا، في 26 سبتمبر 2026. Foto AP/Manu Fernández

لماذا ارتفعت الأسعار والإيجارات إلى هذا الحد؟

يشدد الخبراء على أن لا تفسير واحد فقط لما يجري، لكن هناك اختلالا أساسيا وراء الوضع الحالي: في الأماكن التي يريد أو يحتاج فيها عدد كبير من الناس إلى السكن، لا يُنشأ ما يكفي من المساكن لاستيعاب الطلب.

فإسبانيا ما زالت تشهد زيادة في عدد السكان وتكوين أسر جديدة، في حين تبقى وتيرة بناء المساكن أدنى بكثير من المستويات المسجلة قبل الأزمة المالية.

وقد أشار بنك إسبانيا مرارا إلى نقص المعروض على أنه أحد أهم عوامل الضغط على السوق، وخصوصا في المناطق الأكثر ديناميكية اقتصاديا، حيث يتزايد عدد السكان وفرص العمل بوتيرة أكبر.

وهذا يفرض تمييزا مهما. فإسبانيا لا تعاني حرفيا من نقص المساكن في كامل الأراضي. إذ توجد بلديات يتوقف فيها نمو السكان وفيها عقارات شاغرة. غير أن المشكلة تكمن في مكان وجود هذه المساكن.

يتركز الضغط بشكل خاص في مدريد وبرشلونة والجزر وجزء كبير من الساحل المتوسطي وغيرها من المراكز الحضرية والسياحية الكبرى. فالشقة الخالية في بلدية ذات نشاط اقتصادي ضعيف لا تحل مشكلة نقص الشقق في مدريد أو مالقة أو برشلونة أو بالما.

لماذا لا تبني إسبانيا ببساطة مزيدا من المساكن؟

جزء من الإجابة يرتبط بتداعيات الأزمة العقارية السابقة. فقبل عام 2008 شهدت إسبانيا طفرة كبيرة في البناء تغذيها القروض الرخيصة. وأدى انفجار الفقاعة العقارية إلى اختفاء العديد من شركات التطوير، وظهور مشكلات في النظام المصرفي وانهيار نشاط البناء.

ثم تعافت أعمال البناء السكني لاحقا، لكنها لم تعد أبدا إلى تلك المستويات السابقة. ويساعد ذلك أيضا على فهم سبب اختلاف السوق الحالية بشكل كبير عن السوق التي سبقت الأزمة المالية. إذ يشير بنك إسبانيا إلى أن إنتاج المساكن الجديدة لا يزال أكثر اعتدالا بكثير مما كان عليه في دورات التوسع السابقة، وأن نقص المعروض يتركز على نحو خاص في مناطق محددة.

إضافة إلى ذلك، فإن بناء المساكن يستغرق وقتا. فتهيئة الأراضي والحصول على التراخيص العمرانية وتأمين التمويل وبناء المبنى قد يستغرق أعواما. لذلك يستجيب المعروض العقاري ببطء عندما يرتفع عدد سكان مدينة ما بسرعة، وتنعكس هذه البطء مباشرة على الأسعار.

فإذا كان عشرات الآلاف من الأشخاص يحتاجون إلى مساكن إضافية في منطقة معينة، بينما يكاد المخزون السكني القائم لا يتغير، تشتد المنافسة على العقارات الموجودة.

ما الدور الذي يلعبه نمو السكان؟

تقترب إسبانيا من 50 مليون نسمة بعد عدة أعوام من نمو ديمغرافي قوي مدفوع أساسا بالهجرة. وهذا النمو يحمل آثارا اقتصادية إيجابية، إذ يزيد عدد العاملين وحجم الاستهلاك وعدد الأشخاص في سوق العمل.

لكن هذه الدينامية تزيد أيضا الحاجة إلى السكن. ولتفهم سوق العقارات، يُعد عدد الأسر مهما بقدر أهمية عدد السكان. فزوجان ينفصلان ويحتاجان إلى مسكنين، أو شباب يغادرون بيت الأسرة، أو عمال ينتقلون إلى مدينة أخرى، كلهم يخلقون أسرًا جديدة حتى لو لم يتغير العدد الإجمالي للسكان إلا قليلا.

وعندما يرتفع عدد الأسر بسرعة أكبر من نمو المخزون السكني المتاح، تتصاعد المنافسة على السكن. ويظهر هذا الواقع بوضوح في المراكز الكبرى للوظائف مثل مدريد، حيث يتنافس المقيمون الجدد والعاملون والطلبة والأسر والشباب الراغبون في الاستقلال على معروض محدود من المساكن.

ماذا عن المشترين الأجانب والشقق السياحية؟

لهذين العاملين تأثيرهما، لكنه يختلف كثيرا من مكان إلى آخر. فالشقق السياحية يمكن أن تقلص المعروض المتاح للإيجار السكني في الأحياء التي تشهد طلبا كبيرا من الزوار، لا سيما في المدن الكبرى والجزر وبعض الوجهات الساحلية.

كما تلعب الطلبات الدولية دورا ملحوظا في سوق البيع والشراء. فبحسب "Colegio de Registradores"، مثّل المشترون الأجانب 15,98% من صفقات بيع وشراء المساكن في إسبانيا خلال الربع الثاني من 2026، وهي أعلى نسبة مسجلة حتى الآن. وكانت حصتهم مرتفعة بشكل خاص في جزر البليار، حيث شكلوا 32,27% من العمليات، وفي منطقة فالنسيا بنسبة 31,03%.

لكن الحديث عن "المشترين الأجانب" يشمل أوضاعا متباينة للغاية. فالجنسيات الأوسع حضورا في السوق الإسبانية تظل أساسا أوروبية ومغاربية. فقد أظهرت بيانات "Registradores" لعام 2025 أن البريطانيين والألمان والهولنديين والمغاربة والرومانيين والفرنسيين والإيطاليين كانوا من أبرز الجنسيات بين المشترين الأجانب.

كما أن وصول مزيد من السكان من أمريكا اللاتينية يعد جزءا من السياق الديمغرافي في الأعوام الأخيرة، مع مجتمعات مثل الجالية الفنزويلية التي تترسخ أكثر فأكثر في إسبانيا. ففي عام 2025، حصل 36.271 شخصا من أصل فنزويلي على الجنسية الإسبانية، لتكون ثالث أكثر جنسية أصلية بين حالات اكتساب الجنسية الجديدة بعد المغرب وكولومبيا، وفقا للمعهد الوطني للإحصاء (INE).

قلة المساكن الاجتماعية المتاحة

هناك أيضا سمة أخرى بارزة في السوق الإسبانية: فمخزون الإيجار الاجتماعي صغير مقارنة بدول أوروبية أخرى. إذ تمثل المساكن العامة أو الاجتماعية المخصصة للإيجار أقل من 2% من المخزون السكني في إسبانيا، مقابل نحو 8% في الاتحاد الأوروبي ككل، بحسب الأرقام المتداولة في النقاش الذي أثارته الاحتجاجات الحالية.

ويعني ذلك أن نسبة أكبر من الأسر ذات الدخل المنخفض أو المتوسط تعتمد مباشرة على السوق الخاصة. ففي البلدان التي تمتلك مخزونا أوسع من المساكن الاجتماعية، يمكن لجزء أكبر من السكان الوصول إلى إيجارات لا تعتمد أسعارها حصريا على ظروف السوق.

أما في إسبانيا، فعندما ترتفع الإيجارات الخاصة بسرعة، لا يوجد سوى مخزون عام صغير نسبيا يمكن أن يستوعب الأسر التي لم تعد قادرة على تحمل تلك الإيجارات.

الشباب يكشفون وجها آخر للمشكلة

أحد أوضح المؤشرات على صعوبة الوصول إلى السكن يظهر، بشكل مفارق، خارج سوق العقارات نفسها: إذ إن عددا كبيرا من الشباب لا ينجح أساسا في دخول هذه السوق. ففي عام 2025، كان 44,3% من الإسبان بين 26 و34 عاما لا يزالون يعيشون مع والديهم، وهي من أعلى النسب في أوروبا.

ومن بين هؤلاء، ذكر قرابة نصفهم (47,3%) أن السبب الرئيسي هو أنهم لا يستطيعون تحمل تكلفة شراء أو استئجار مسكن. وبين الأشخاص من مختلف الأعمار الذين بحثوا عن مسكن آخر لكنهم لم ينتقلوا في النهاية، أشار ما يقرب من سبعة من كل عشرة إلى الأسعار المفرطة باعتبارها العقبة الرئيسية.

ويساعد ذلك في توضيح سبب تأثير النقاش حول السكن في أجيال مختلفة جدا. فالشباب يواجهون صعوبات في الاستقلال بالسكن، والمستأجرون يتحملون إيجارات مرتفعة، والأسر تتنافس على مساكن أكبر حجما، وبعض المستأجرين المتقدمين في السن قد يجدون أنفسهم في أوضاع هشة عندما تتغير ملكية مساكنهم أو شروط عقودهم.

لماذا أثار ملف ماريكارمن كل هذا الحراك؟

قصة ماريكارمن تلخص الكثير من هذه التوترات في حالة واحدة. فهي ليست شابة تحاول دخول سوق العقارات لأول مرة، بل امرأة في سن 87 عاما عاشت نحو سبعة عقود في المنزل نفسه.

وقد سلط إخلاؤها الضوء على بعد آخر من أزمة السكن: فغياب الأمان السكني لا يمس فقط من يبحثون عن شقة أو يسعون إلى الاستقلال، بل يطال أيضا أشخاصًا عاشوا عقودا في مساكن مستأجرة عندما تتغير الملكية أو شروط عقودهم.

كما أن الملابسات المحددة لهذه القضية أثارت جدلا سياسيا. إذ اختلفت الحكومة المركزية ومنطقة مدريد والبلدية والمالكون والمنظمات المدافعة عن المستأجرين حول حجم المسؤوليات وحول الإجراءات التي كان يمكن اتخاذها لتفادي الإخلاء.

وقد رأت منظمة العفو الدولية أن إخلاء ماريكارمن من دون توفير بديل سكني مناسب لها انتهك حقوقها، بينما ألقت الإدارات المختلفة بالمسؤولية على بعضها البعض بشأن ما حدث.

لكن الاحتجاجات تجاوزت الحالة الفردية لماريكارمن. فقد جاء إخلاؤها في وقت ازدادت فيه تكلفة شراء المساكن بشكل متواصل، ولا تزال الإيجارات في ارتفاع، بينما تجد نسبة كبيرة من الأسر صعوبة في تحمل هذه التكاليف.

وبذلك حوّلت الاحتجاجات حالة فردية إلى رمز لمشكلة جماعية. فظروف ماريكارمن استثنائية، إذ إن قلة من الناس يمضون سبعة عقود في مسكن إيجار واحد، لكن السياق الذي جرى فيه إخلاؤها ليس استثنائيا.

انتقل إلى اختصارات الوصول
شارك محادثة تابع يورونيوز على جوجل

مواضيع إضافية

أمريكا والصين تحددان سلعًا بقيمة 30 مليار دولار لخفض الرسوم الجمركية: ماذا يعني ذلك لأوروبا؟

أزمة أسعار الوقود في إيطاليا: شركة "سوكار" تفرض سقفا لأسعار شبكة "آي بي"

أسعار الغذاء والحد الأدنى للأجور: في أي بلد أوروبي تصمد رواتب العمال أمام الغلاء؟