يُحذّر تقرير جديد من أنّ صناعة السيارات في أوروبا هي الأكثر عرضة للخطر بسبب اعتمادها على عدد محدود من الدول في الشرائح والمواد الحيوية، وأنّ التحول إلى السيارات الكهربائية يضعها في منافسة مع الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات على الإمدادات ذاتها.
تعتمد شركات صناعة السيارات الأوروبية على مجموعة محدودة من الدول والمورّدين ومراكز المعالجة للحصول على الرقائق والمغانط والمعادن التي تحتاجها مركباتها، ويُعد هذا الاعتماد أكبر مخاطر سلسلة الإمداد التي تواجه صناعة السيارات في الاتحاد الأوروبي (المصدر باللغة الإنجليزية)، بحسب دراسة جديدة. التحليل الذي أعدّه فرعا شركة الاستشارات "إي واي" في تشيكيا وألمانيا بطلب من رابطة مصنّعي السيارات الأوروبية (ACEA)، ونُشر الثلاثاء، قيّم عشرة مواد ومكوّنات حرجة استنادا إلى ستة عوامل يمكن أن تقيد الإمدادات، وسجّل عامل تركّز الإمدادات أعلى درجة بلغت 4.6 على مقياس من خمس نقاط. وبرزت خمسة مدخلات بوصفها الأكثر عرضة للخطر: أشباه الموصلات، السيليكون، التنجستن، مغانط النيوديميوم – الحديد – البورون المستخدمة في المحركات الكهربائية، وضفائر الأسلاك، وهي حزم الكابلات التي تربط الأنظمة الكهربائية في السيارة. وقد لمس القطاع هذا الخطر من قبل؛ فقد أدت القيود الصينية على صادرات المعادن النادرة إلى إغلاق عدة خطوط إنتاج أوروبية العام الماضي، وفق جمعية المورّدين CLEPA، بينما دفع تدهور الإمدادات لدى شركة تصنيع الرقائق "نكسبيريا" رابطة ACEA إلى التحذير، في أكتوبر الماضي، من احتمال حدوث "تعطّل كبير في صناعة السيارات الأوروبية".
وبالنسبة إلى ستة من بين عشرة مدخلات، فإن المرحلة الأكثر خطورة هي تكرير المعادن ومعالجتها وليس استخراجها. وتُهيمن الصين على تكرير المعادن النادرة وإنتاج المغانط، وكذلك على معالجة الغاليوم والجرمانيوم، في حين تُعد تايوان وكوريا الجنوبية من أبرز مراكز صناعة الرقائق. وقال زدنييك دوشيك، شريك الاستشارات في قطاع السيارات لدى "إي واي" في تشيكيا: "لا تقتصر التحديات الرئيسة لأوروبا على الوصول إلى المواد الخام فحسب. الأكثر خطورة هي النقص في القدرات المعالجية، وفي المورّدين المؤهّلين والخبرات المتخصّصة"، مضيفا: "هذه القدرات لا يمكن بناؤها في غضون عام أو عامين".
التنافس مع الذكاء الاصطناعي
ويُفاقم التحوّل نحو الكهرباء المشكلة؛ فالسيارات الكهربائية تحتاج إلى عدد أقل من الأجزاء التقليدية لكنها تتطلب مزيدا من أشباه الموصلات وإلكترونيات القدرة والمواد الحرجة، ما يضع شركات السيارات في منافسة مع الذكاء الاصطناعي (المصدر باللغة الإنجليزية) ومراكز البيانات والدفاع والطاقة النظيفة على الإمدادات نفسها. وتقدّر الدراسة أن التحوّل إلى المركبات الكهربائية (المصدر باللغة الإنجليزية) يزيد المنافسة مع القطاعات الأخرى على المواد والمكوّنات الحرجة نفسها بنحو 15%. وغالبا ما تكون شركات السيارات زبونا صغيرا في هذه الأسواق، إذ لا تمثل سوى 17% من الطلب النهائي على أشباه الموصلات، و3% فقط على الغاليوم، وهو معدن يُستخدم في إلكترونيات القدرة والرادار. وتدفع المنافسة المتزايدة وتركيز سلاسل الإمداد الأسعار إلى الصعود؛ فقد ارتفع سعر الغاليوم منذ 2016 بأكثر من 11 ضعفا، من نحو 197 دولارا إلى قرابة 2.269 دولارا للكيلوغرام، وسط طلب متنام يغذيه جزئيا تطوير الذكاء الاصطناعي.
وقالت مارتينا نيمتشوفا، مديرة الاستشارات في الأعمال لدى "إي واي" في تشيكيا: "تتنافس شركات السيارات بشكل متزايد على هذه الإمدادات مع صناعات أخرى، مثل مصنّعي الشرائح المخصّصة للذكاء الاصطناعي". وتضيف الدراسة أن طموحات القيادة الذاتية تزيد الضغط، إذ تعزز الوظائف المستقلة الاعتماد على الشرائح وأجهزة الاستشعار والغاليوم والجرمانيوم؛ فعلى سبيل المثال، دخلت "فولكسفاغن" في شراكة مع "أوبر" لنشر أسطول من الحافلات الصغيرة الكهربائية بالكامل ذاتية القيادة "ID. Buzz AD"، على أن تبدأ الرحلات عبر منصة "أوبر" في لوس أنجلِس أواخر 2026 قبل التوسّع إلى آلاف المركبات. وفي الأثناء، تستهدف "ستيلانتيس" بدء إنتاج سيارات أجرة ذاتية القيادة لأوبر في 2028 باستخدام تقنيات القيادة الذاتية من "نفيديا".
لا حل سريعا
وتعرض الدراسة أربعة سيناريوهات قد تؤدي فيها الاضطرابات حول العالم إلى حرمان مصنّعي السيارات الأوروبيين من إمدادات حيوية: تعطّل إمدادات الإلكترونيات من تايوان، وتصاعد النزعة القومية في الموارد داخل آسيا، وتوتر ممرات التجارة في الأميركيتين، وعدم الاستقرار على طرق تصدير المعادن في أفريقيا. وتُعد اللوجستيات العامل المشترك، وحتى انقطاع قصير يمكن أن يوقف خطوط الإنتاج التي تعمل وفق نظام التسليم في الوقت المناسب، كما أظهرت أزمة نقص الشرائح في 2021-2022. أوضح دوشيك أن "توسيع القدرة الإنتاجية للمدخلات الأكثر أهمية غالبا ما يستغرق أكثر من خمس سنوات"، مضيفا أن الأفضلية تذهب "ليس لمن يملك أفضل استراتيجية على الورق، بل لمن يتحرك مبكرا ويستطيع توسيع القدرات بسرعة أكبر". وتخلص الدراسة إلى أن تحقيق الاكتفاء الذاتي الكامل غير واقعي، وبدلا من ذلك تحث أوروبا على تسريع إجراءات الترخيص والتأهيل، وتوجيه الاستثمارات نحو أضيق نقاط الاختناق، وتنويع المورّدين ومسارات اللوجستيات، ومراقبة سلاسل الإمداد عن كثب، ومنح المستثمرين الخاصين وضوحا طويل الأمد بشأن الطلب. وقالت سيغريد دي فريس، المديرة العامة لـ ACEA: "الأمر لا يقتصر على إدارة المخاطر فحسب، بل يتعلق بحماية قوة أوروبا الصناعية"، ومع أن بناء طاقات جديدة يُقاس بالسنوات، تشدد الدراسة على أن الوقت المناسب للتحرك هو قبل نقص الإمدادات التالي، لا أثناء وقوعه.