حمّل عمدة نيويورك زهران ممداني واشنطن مسؤولية تنفيذ مذكرات الجنائية الدولية، مؤكداً أن انتقاد إسرائيل لا يعني معاداة السامية وداعياً إلى سياسة أميركية تراعي معاناة الفلسطينيين.
جدّد عمدة نيويورك زهران ممداني انتقاداته الحادّة لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، واصفاً إياه بأنه "مهندس إبادة جماعية مروّعة"، وداعياً الولايات المتحدة إلى الانضمام إلى المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي وتنفيذ جميع مذكرات التوقيف الصادرة عنها، بما فيها المذكرة بحق نتنياهو.
وجاءت مواقفه خلال مقابلة مطوّلة في البودكاست الأميركي "ذيس باست ويك إند"، الذي يقدّمه الكوميدي ومقدّم البودكاست المعروف ثيو فون.
وبينما بدأ الحوار بتكاليف المعيشة والاشتراكية وإدارة نيويورك، انتقل قرب نهايته إلى نقاش موسّع حول إسرائيل وغزة وزيارة نتنياهو الأخيرة إلى المدينة.
اعتقال نتنياهو
في معرض النقاش حول زيارة نتنياهو، سأل فون عمّا إذا كان توقيفه ممكناً خلال وجوده في نيويورك، وما إذا كان قد اتضح أن العمدة لا يملك الصلاحية القانونية لاعتقاله أو منعه من دخول المدينة.
وأوضح ممداني أن مراجعة الإطار القانوني أظهرت أن الصلاحية المعنية تعود إلى الحكومة الفيدرالية، مشيراً إلى أنه "إذا انضمت الحكومة الفيدرالية إلى المحكمة الجنائية الدولية، فسيكون بإمكانها تنفيذ مذكرة توقيف".
وعندما ذكّره محاوره بأن الولايات المتحدة ليست عضواً في المحكمة، أجاب: "لسنا كذلك. لكنني أعتقد أنه ينبغي لنا الانضمام إليها، وأن علينا تنفيذ مذكرات التوقيف التي تصدرها".
وعاد فون إلى المسألة بسؤال مباشر: "لكن لو كان الأمر بيدك، لكنا سنعتقل هذا الرجل، برأيك؟"، ليؤكد ممداني موقفه: "لو كان الأمر بيدي، لانضمت حكومة الولايات المتحدة إلى المحكمة الجنائية الدولية واحترمت كل مذكرة توقيف أصدرتها".
الإفلات من المحاسبة يضع سيادة القانون على المحك
وربط ممداني دعوته بمبدأ المساءلة وسيادة القانون، معتبراً أن رؤية أشخاص يخالفون القوانين من دون محاسبة تدفع الناس إلى التشكيك في جدوى القواعد نفسها.
وعبّر عن ذلك بالقول: "كلما رأى الناس شخصاً يخالف قانوناً أو قاعدة من دون أن يُحاسَب على ذلك، بدأوا يتساءلون أكثر عمّا إذا كانت لتلك القواعد أي قيمة أصلاً"، مستحضراً القانون الدولي والمؤسسات التي نشأت بعد الحرب العالمية الثانية: "نتحدث دائماً عن القانون الدولي، وعن الأمور التي بدأ إنشاؤها بعد الحرب العالمية الثانية، وعن الأمم المتحدة وفكرة التعددية. كما أن غياب التنفيذ يقوّض قيمتها".
ومن هذا المنطلق، شدّد على أن "حكومة الولايات المتحدة ينبغي أن تنضم إلى المحكمة الجنائية الدولية، وأن تنفّذ كل مذكرة توقيف صدرت"، لافتاً إلى أن المذكرة بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي صدرت على خلفية مزاعم بارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب.
نتنياهو في الأمم المتحدة
وتناول الحوار تصريحات نتنياهو عن ممداني خلال خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، والتي علم بها عمدة نيويورك بعد عودته من اجتماع مع رئيس وزراء هولندا في مركز لمجتمع الميم في مانهاتن. واستعاد تلك اللحظة قائلاً: "عندما عدت من الاجتماع، قالوا لي: بالمناسبة، إليك ما قاله في الأمم المتحدة. كان الأمر غريباً".
أما بشأن ما إذا كان قد شعر بأن نتنياهو استهدفه شخصياً، فاعتبر ممداني أن الغاية من تلك التصريحات هي تحويل الأنظار عن المساءلة وجرّ النقاش إلى سجال شخصي: "كل هذا محاولة لصرف الانتباه عن المساءلة. اذكر أكبر عدد ممكن من الأشخاص وحاول تحويل الأمر إلى تبادل للردود. الأمر لا يتعلق بي وبه. بل يتعلق بحقيقة أنه مهندس إبادة جماعية"، متابعاً بلهجة حادّة: "لو كنت مهندس إبادة جماعية، لربما تحدثت عن أي شيء آخر غير ذلك".
انتقاد إسرائيل ومكافحة معاداة السامية
وفي مواجهة سؤال عن كيفية منع الغضب من إسرائيل وسياساتها من التحوّل إلى عداء تجاه اليهود في الولايات المتحدة، أعرب ممداني عن اعتزازه بأن نيويورك تضم أكبر عدد من السكان اليهود بين مدن البلاد، مؤكداً أن "لا شخص يهودياً في مدينة نيويورك يتحمّل مسؤولية أفعال دولة إسرائيل".
ووجّه المسؤولية إلى أصحاب القرار ورئيس الوزراء ودولة إسرائيل، "وكذلك نحو تواطئنا نحن بوصفنا دافعي ضرائب أميركيين، نظراً إلى مليارات الدولارات التي أرسلناها وما زلنا نرسلها على شكل قنابل".
وفي هذا السياق، أشار إلى أن نيويورك نشرت في يوم المقابلة خطة بلدية لمكافحة معاداة السامية، هدفها منع الحوادث إلى جانب إدانتها، مع تشديده على أن "انتقاد دولة إسرائيل، وقراراتها السياسية، والإبادة الجماعية، لا يُعدّ في حدّ ذاته معاداة للسامية".
شهادات من غزة تصل إلى مقر عمدة نيويورك
وانتقل ممداني إلى أوضاع المدنيين في غزة، معتبراً أنهم ما زالوا يتعرضون للأذى على الرغم من الحديث عن وقف لإطلاق النار، ومستشهداً بادعاء يفيد بأن الجيش الإسرائيلي قتل فتى فلسطينياً يبلغ 11 عاماً خلال الأسبوع السابق للمقابلة، في منطقة تُعتبر آمنة.
وروى أنه استضاف في الأسبوع نفسه عائلات فلسطينية من غزة في مقر إقامته الرسمي "غرايسي مانشن"، حيث التقى شقيقتين ووالدتهما، التي أخبرته بأن الغارة التي أُصيبت فيها إحدى الشقيقتين قتلت اثنين من أشقائهما.
ومن بين ما بقي عالقاً في ذاكرته طلب جدّة مسنّة مساعدتها على إحضار ابنها، إذ روى: "اقتربت مني جدّة مسنّة في نهاية اللقاء وسألت ببساطة: هل يمكنك إحضار ابني إلى هنا؟ اضطررت إلى أن أخبرها بأنني سأحاول، لكنني، بصفتي عمدة، لا أستطيع أن أعدها بذلك".
سياسة ما بعد ترامب.. "الإنسانية" بدلاً من القنابل
وفي حديثه عن مستقبل السياسة الأميركية بعد إدارة ترامب، دعا ممداني إلى الالتزام بنهج مختلف، طارحاً سؤالاً عن البديل الذي يمكن تقديمه: "كيف ستقدّمون شيئاً آخر غير قنابل تزن ألف رطل؟". وربط هذا التحوّل بضرورة أن تقوم السياسة المقبلة على "الإنسانية، ليس فقط تجاه الأشخاص الذين نمثّلهم في الداخل، بل أيضاً تجاه الأشخاص الذين نقصفهم في الخارج".