يتصاعد التنافس بين إسرائيل وتركيا من سوريا وشرق المتوسط إلى البحر الأحمر، وسط تضارب المصالح واتساع ساحات الاحتكاك بما ينذر بمزيد من التوتر.
تتسع رقعة التنافس بين إسرائيل وتركيا، لتجمع ساحات تبدو متباعدة جغرافيًا في مشهد واحد من المصالح المتعارضة والطموحات المتشابكة. فمن الأجواء السورية وموارد شرق المتوسط إلى النفوذ في القدس والضفة الغربية، وصولًا إلى الممرات البحرية في البحر الأحمر والقرن الأفريقي، تتراكم نقاط الاحتكاك بين قوتين تسعيان إلى تعزيز حضورهما في منطقة تعيد رسم موازينها.
وفي مقال تحليلي نشرته صحيفة "جيروزاليم بوست"، يرى الكاتب جوناثان سباير أن هذا التنافس يتحول تدريجيًا إلى مسار تصادمي يتجاوز الخلافات السياسية، ليشمل أدوات الضغط القانوني والترتيبات العسكرية ومشاريع الطاقة والتحالفات مع قوى محلية متنافسة.
ويضع سباير هذا المشهد في سياق التحولات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الثلاث الماضية، وفي مقدمتها تراجع قوة التحالف الذي تقوده إيران، وتنامي شعور الأطراف الإقليمية بأن النظام القائم على الهيمنة الأميركية بات إلى حد كبير من الماضي، ما يفتح المجال أمام القوى المحلية لتوسيع نفوذها.
المحاكم تدخل على خط المواجهة
ينطلق المقال من توجيه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، هذا الأسبوع، إدارة القانون الدولي في وزارة العدل إلى إعداد قضية قانونية ضد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أمام المحكمة الجنائية الدولية.
وبحسب تقارير إعلامية إسرائيلية أوردها الكاتب، يُفترض أن تركز القضية على معاملة تركيا لأقليتها الكردية، إلى جانب دعمها المستمر لحركة حماس وإيوائها.
ويرجّح سباير ألا تترتب على هذه الخطوة تداعيات كبيرة، مشيرًا إلى أن إسرائيل وتركيا لم تصادقا على نظام روما الأساسي، وأن أيًا منهما لا تعترف بسلطة المحكمة. ويعتبر أن التحرك الإسرائيلي يبدو ردًا على مسعى تركي لاستصدار نشرة حمراء من الإنتربول تستهدف اعتقال نتنياهو.
لكن أهمية المبادرة، وفق التحليل، تكمن في أنها المرة الأولى التي تسعى فيها إسرائيل إلى تحويل ملف معاملة الأكراد في تركيا إلى أداة ضغط مضاد على أنقرة. فالتصريحات التي صدرت سابقًا عن وزراء إسرائيليين بشأن هذا الملف لم تتبعها خطوات عملية.
ومن هذه الزاوية، يرى الكاتب أن إسرائيل قبلت التحدي في ساحة "الحرب القانونية"، وأظهرت للمرة الأولى رغبة في تجاوز الاكتفاء بالدفاع إلى المبادرة بالضغط. ويشير إلى أن عددًا من الأكراد المولودين في تركيا والمنخرطين في الشأن السياسي، ممن تحدث إليهم، رحّبوا بالخطوة بحماسة.
تنافس قديم تفتح له المنطقة أبوابًا جديدة
يعتبر سباير أن التحركات القانونية ليست سوى جزء من مواجهة أوسع تشمل سوريا وشرق المتوسط والقدس والضفة الغربية والبحر الأحمر والقرن الأفريقي.
وفي قراءته، تتعارض مصالح الطرفين وطموحاتهما في جميع هذه الساحات، ضمن ديناميكية "صفرية المحصلة"، يرى فيها أن توسع النفوذ التركي يأتي على حساب إسرائيل، بالنظر إلى الأسس الدينية والأيديولوجية التي يستند إليها الموقف التركي.
ويعيد الكاتب جذور هذا المسار إلى السنوات الأولى لوصول حزب العدالة والتنمية إلى الحكم، مشيرًا إلى أن زميله الراحل، محلل شؤون الشرق الأوسط باري روبين، حذّر من مواجهة مقبلة بين إسرائيل وتركيا منذ عام 2004، بعد وقت قصير من وصول الحزب بقيادة أردوغان إلى السلطة.
وبحسب المقال، استند روبين إلى متابعة تصريحات أردوغان وأحمد داود أوغلو وغيرهما من قادة الحزب، وقراءة كتاباتهم واستنتاج السلوك المحتمل انطلاقًا منها؛ وهي مقاربة يرى سباير أن المراقبين الغربيين للشرق الأوسط لا يعتمدونها بالقدر الكافي.
وكان الاعتقاد السائد آنذاك، وفق الكاتب، أن تجربة الحكم ستدفع أردوغان وحزبه نحو الاعتدال، أو أن مصالح تركيا الاستراتيجية "الموضوعية" ستفرض قيودًا على سياساتهما. لكنه يعتبر أن التطورات اللاحقة أظهرت عدم تحقق أي من هذين الاحتمالين.
ويصف الاستراتيجية التي يعمل أردوغان وحزبه على دفعها، باستخدام السلطات المتاحة لهما، بأنها تجمع بين قومية "عثمانية جديدة" ورؤية مستمدة من الإسلام السياسي السنّي.
سوريا.. السماء الأكثر قابلية للاشتعال
يضع المقال سوريا في صدارة ساحات التوتر، باعتبارها الأكثر تقلبًا وقابلية للاشتعال، مشيرًا إلى أن تركيا كانت عنصرًا أساسيًا وراء انتصار النظام الذي يصفه الكاتب بأنه "إسلامي سنّي"، والموجود حاليًا في السلطة في دمشق.
وتعمل أنقرة بنشاط على بناء القوات المسلحة للنظام الجديد، فيما تنظر إسرائيل بريبة شديدة إلى نياته بعيدة المدى، وفق التحليل.
ويتركز القلق الإسرائيلي خصوصًا على احتمال أن تؤثر المساعدة التركية في إعادة بناء الدفاعات الجوية السورية على حرية عمل الطيران الإسرائيلي في الأجواء السورية، التي تعتبرها إسرائيل ضرورية للتحرك ضد إيران.
وفي هذا السياق، يستشهد سباير بالغارة الإسرائيلية على قاعدة أبو الظهور الجوية في 18 آب، معتبرًا أنها أظهرت إصرار إسرائيل على فرض خطوطها الحمراء.
وفي المقابل، يورد المقال أن وزير الخارجية التركي ورئيس الاستخبارات السابق هاكان فيدان وصف إسرائيل، خلال زيارة إلى دمشق في وقت سابق من هذا الشهر، بأنها "أكبر تهديد محتمل لاستقرار سوريا"، وأعلن أن أردوغان سيزور العاصمة السورية "في المستقبل القريب".
ويخلص الكاتب إلى أن السيادة السورية لا تزال جزئية، مع وجود احتلال فعلي إسرائيلي وتركي لأجزاء من البلاد، في ظل طموحات متعارضة تمامًا لدى الطرفين بشأن مستقبلها.
شرق المتوسط.. الغاز والكهرباء على خطوط الخلاف
ينتقل التنافس إلى شرق البحر المتوسط، حيث يرى المقال أن مشاريع الطاقة وترسيم الحدود البحرية تضع الطموحات الإسرائيلية والتركية في مواجهة مباشرة.
فبموجب اتفاق لترسيم الحدود البحرية مع ليبيا عام 2019، أعلنت تركيا منطقة اقتصادية خالصة تمتد من جنوب غرب أراضيها إلى شمال شرق ليبيا.
وبحسب الكاتب، يتجاهل الاتفاق حقوق الجزر اليونانية، بما فيها كريت ورودس، في الولاية البحرية والجرف القاري، ويتعارض مباشرة مع خطط إسرائيل واليونان لاستغلال موارد الغاز في المنطقة، وكذلك مع مشروع مدّ كابل كهربائي يربط شبكات إسرائيل وقبرص واليونان.
ويستشهد المقال ببيان لوزارة الدفاع التركية صدر في 24 أيلول، أكدت فيه أنها "تراقب عن كثب التطورات العسكرية في جزيرة قبرص"، وأن مدّ الكابلات على "جرفنا القاري يجب أن يُنسَّق بشأنه مسبقًا مع بلادنا"، مشددة على أن "الأنشطة غير المصرح بها غير مسموح بها".
القدس والضفة.. صراع على النفوذ وشبكات الدعم
في القدس والضفة الغربية، يعرض المقال المخاوف الإسرائيلية من استمرار عمل مكتب لحماس في إسطنبول، ويشير إلى أن لهذا المكتب، بحسب ما يورده الكاتب، سجلًا من النشاط العملياتي المباشر، بما يشمل هجمات عنيفة في الضفة الغربية.
كما يتناول أنشطة الوكالة التركية للتعاون والتنسيق "تيكا"، التي تثير بدورها قلق إسرائيل.
وبحسب ما ينقله المقال عن الاستخبارات الإسرائيلية، تموّل الوكالة وتدعم مؤسسات دينية واجتماعية مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بحماس وشبكات الإخوان المسلمين في الضفة الغربية.
ويضع الكاتب هذه الأنشطة، إلى جانب المساعي التركية للاضطلاع بدور في غزة ولبنان، ضمن ما تعتبره إسرائيل محاولة لبناء نفوذ وأدوات ضغط في مناطق تؤثر مباشرة عليها.
باب المندب.. التنافس يعبر إلى الضفة الأفريقية
في البحر الأحمر والقرن الأفريقي، يأخذ التنافس شكل الاصطفاف إلى جانب قوى محلية متنافسة، في ممر بحري يصفه المقال بأنه حيوي استراتيجيًا.
ويورد سباير أن إسرائيل اعترفت بأرض الصومال دولة مستقلة في كانون الأول 2025، لتصبح أول دولة عضو في الأمم المتحدة تقدم على هذه الخطوة.
وبحسب المقال، تخطط إسرائيل لبناء قاعدة عسكرية على أراضي أرض الصومال، بهدف مراقبة نشاط الحوثيين ومواجهته على الجانب الآخر من مضيق باب المندب.
في المقابل، تعارض تركيا بشدة استقلال أرض الصومال، وتحتفظ بقاعدة تدريب رئيسية في مقديشو، عاصمة الصومال.
كما وقّعت أنقرة اتفاقات للتنقيب عن النفط والغاز قبالة السواحل الصومالية، وهو ما يراه الكاتب نقطة توتر محتملة إضافية بين الطرفين.
موازين تتغير واحتكاك مرشح للتصاعد
يرى سباير أن جمع هذه الساحات مع الأهداف والطموحات المعلنة للحكومة التركية يجعل التنافس الإسرائيلي التركي إحدى أبرز الحقائق الجيوسياسية في الشرق الأوسط الآخذ في التشكل.
ويعتبر أن المحصلة النهائية للأحداث الدراماتيكية خلال السنوات الثلاث الماضية تتمثل في إضعاف التحالف الإقليمي الذي تقوده إيران، من دون تدميره، بالتوازي مع تنامي شعور القوى الإقليمية بأن أي ترتيب يشبه "السلام الأميركي" في المنطقة قد انتهى إلى حد كبير.
وفي البيئة الجديدة لموازين القوة، تسعى الأطراف المحلية القوية إلى توسيع نفوذها. ويتهم الكاتب تركيا باستخدام قوى الإسلام السياسي السنّي أداةً في استراتيجيتها، بطريقة يرى أنها تذكّر، في بعض جوانبها، بالممارسات الإيرانية.
ومن منظور سباير، تشكّل معارضة إسرائيل عنصرًا أصيلًا وجزءًا لا يتجزأ من هذه الاستراتيجية، ما يجعله يرجّح أن تشهد المرحلة المقبلة مزيدًا من الاحتكاك وتصاعدًا في التوتر بين الطرفين، داعيًا إلى متابعة ما ستؤول إليه هذه المواجهة.