تستعدّ إيران لحملة قصف أميركية جديدة قد تكون أشد من سابقتها، مع تأكيد قدرتها على الرد، بحسب ما نقلت وكالة "بلومبرغ" عن مسؤول في طهران.
تتصاعد الضغوط العسكرية والاقتصادية على إيران مع استمرار الحرب وتعثر المساعي الدبلوماسية، لتضع قيادتها أمام خيارات صعبة بين تقديم تنازلات تفتح الطريق أمام تسوية، أو المضي نحو تصعيد جديد يزيد الأعباء على اقتصادها. وفي المقابل، تواجه واشنطن كلفة ارتفاع أسعار الطاقة مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي، ما يجعل حسابات الطرفين مرتبطة بقدرتهما على تحمّل استنزاف طويل.
ونقلت وكالة "بلومبرغ" عن مسؤول في طهران أن إيران تستعد لحملة قصف أميركية جديدة قد تكون أعنف من سابقتها، مؤكداً أنها لا تزال قادرة على الرد. ووصف المسؤول، الذي طلب عدم الكشف عن هويته ليتحدث بصراحة، الوضع الاقتصادي بأنه مؤلم للغاية، لكنه شدّد على أن البلاد تتكيّف مع الظروف الراهنة.
هرمز.. تقديرات متباينة بشأن السيطرة الإيرانية
يشكّل مضيق هرمز إحدى أبرز أوراق الضغط التي استخدمتها طهران خلال الحرب، إذ تتيح لها قدرتها على تعطيل الملاحة التأثير في إمدادات الطاقة وأسعارها، وبالتالي زيادة الضغوط السياسية والاقتصادية على الإدارة الأميركية.
لكن "بلومبرغ" أشارت إلى مؤشرات على تراجع قدرة إيران على تقييد صادرات النفط الخليجية، مع تعافي حركة الشحن. وبحسب بيانات تتبّع الناقلات التي جمعتها الوكالة، ارتفعت صادرات الخام السعودي إلى نحو 6.1 ملايين برميل يومياً في أيلول، مقابل 3.4 ملايين في آب. كما قدّر بنك "جيه بي مورغان" وصول شحنات الخام من الشرق الأوسط إلى 17.5 مليون برميل يومياً، بما يعادل 98% من مستويات ما قبل الحرب.
ورغم هذه الأرقام، لا تتفق التقديرات بشأن حجم النفوذ الإيراني في المضيق. فقد نقلت الوكالة عن مسؤول دفاعي رفيع في المنطقة أن طهران لا تزال تحتفظ بدرجة كبيرة من السيطرة عليه، فيما رأى مسؤول رفيع في قطاع الطاقة أن قبضتها آخذة في الضعف، مع استمرار الضربات المتكررة التي تستهدف ناقلات النفط.
وقالت أنيسة بصيري تبريزي، الزميلة المشاركة في مركز "تشاتام هاوس"، لـ"بلومبرغ"، إن الطرفين يرغبان عموماً في اتفاق، لكن مواقفهما تتباعد. واعتبرت أن ارتفاع صادرات النفط الخليجية عزّز شعور واشنطن بقوة موقعها في المضيق مقارنة بالأسابيع الماضية.
حصار النفط يضيّق مصادر الإيرادات
على الجانب الإيراني، يفاقم الحصار الأميركي على الموانئ أزمة الإيرادات. ووفق تقديرات أولية أوردتها "بلومبرغ"، لم تحمّل إيران أي نفط خام على ناقلات خلال أيلول، في سابقة منذ اندلاع الحرب.
ولا تزال طهران تزوّد بعض المصافي الصينية بالنفط من مخزوناتها العائمة، غير أن استمرار الاعتماد عليها يعني أنها ستنفد في نهاية المطاف، ما يهدّد بإغلاق منفذ متبقٍ لتأمين عائدات نفطية.
وللتخفيف من أثر الحصار، نقلت إيران مزيداً من تجارتها إلى المعابر البرية وبحر قزوين، الذي يوفّر لها اتصالاً بحرياً مع روسيا. إلا أن محدودية القدرة الاستيعابية لهذه الطرق تحول دون تعويض كامل الخسائر الناتجة عن القيود المفروضة على تجارتها عبر الخليج.
وبحسب وسائل إعلام رسمية نقلت عنها الوكالة، شهدت المعابر مع تركيا وباكستان زيادة في حركة الشاحنات وتأخيراً في عبورها خلال أيلول.
تضخم يقترب من 90% وضغوط على الداخل
يتزامن تراجع العائدات النفطية مع تدهور القدرة الشرائية داخل إيران، حيث يقترب التضخم من 90%، فيما فقد الريال نحو ربع قيمته مقابل الدولار خلال الشهرين الماضيين، وفق التقرير، ما رفع كلفة الواردات وزاد أعباء المعيشة.
وتحاول السلطات تخفيف الضغط على المالية العامة من دون إثارة موجة احتجاجات جديدة. ففي أيلول، خفّضت بعض أشكال دعم البنزين، في خطوة تستحضر إجراءات أشعلت احتجاجات دامية عام 2019. كما قررت بلدية طهران هذا الأسبوع تثبيت أسعار 12 مادة غذائية أساسية لمدة ستة أشهر عبر أسواقها البلدية.
وأشار تقرير "بلومبرغ" إلى أن حساسية هذه الإجراءات ترتبط أيضاً باندلاع الحرب بعد أسابيع من قمع احتجاجات واسعة على ارتفاع الأسعار وانهيار العملة، قال التقرير إنها أسفرت عن مقتل آلاف المتظاهرين.
عقوبات تطال قطاعات إضافية
بالتوازي مع الحصار، توسّع الولايات المتحدة نطاق الضغط الاقتصادي. وفرض واشنطن في الأول من تشرين الأول عقوبات على أكبر شركات صناعة السيارات الإيرانية وعدد من شركات السكك الحديدية.
كما بدأت العقوبات السابقة على قطاع الطيران تنعكس على حركة الرحلات. فقد توقفت الرحلات الإيرانية إلى الإمارات في أواخر أيلول، مع استجابة الحكومات ومشغّلي المطارات لخطر العقوبات الثانوية، فيما شهدت الرحلات إلى العراق وتركيا وسلطنة عُمان اضطرابات أيضاً.
تعزيزات أميركية واحتمالات تصعيد
على المستوى العسكري، ترسل واشنطن حاملة الطائرات "يو إس إس ثيودور روزفلت" وقوات إضافية إلى الشرق الأوسط، ضمن تعزيزات تشمل عشرة آلاف بحّار وعنصر من مشاة البحرية، بحسب "بلومبرغ".
وقد يرفع وصول الحاملة عدد مجموعات حاملات الطائرات الأميركية في المنطقة إلى ثلاث، وهو حشد لم تشهده منذ المرحلة الأولى من الحرب على العراق عام 2003. لكن التقرير أوضح أن بقاء الحاملتين الأخريين بعد وصول "روزفلت" خلال الأسابيع المقبلة لم يُحسم.
وتأتي هذه التحركات بعدما قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب إن توجيه ضربات أشد إلى إيران ممكن بعد انتخابات التجديد النصفي المقررة في 3 تشرين الثاني.
وفي المقابل، أعلن الحرس الثوري الإيراني يوم الجمعة استعداده لتوجيه رد "فوري ومؤلم ويبعث على الندم" على أي اعتداء أميركي أو إسرائيلي، وفق ما نقلته الوكالة عن هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية الرسمية.
بين التنازلات والمراهنة على الوقت
ترى طهران أن فرص التوصل إلى اتفاق سلام قبل الانتخابات الأميركية ضئيلة، وأن احتمالات التصعيد بعدها مرتفعة، بحسب ما نقلته "بلومبرغ" عن مسؤولين إيرانيين في وقت سابق من الأسبوع.
واعتبر بدر السيف، الأستاذ المساعد في جامعة الكويت والزميل المشارك في "تشاتام هاوس"، أن الضغوط المتزايدة قد تدفع إيران إلى مسارين متعاكسين: تقديم تنازلات أو شن ضربة استباقية. واستشهد باقتراحها هدنة لمدة سبعة أيام، وبمعلومات أوردتها الوكالة عن اقتراح وزير الخارجية عباس عراقجي السماح مجدداً بوصول المفتشين النوويين، بوصفهما مؤشرين إلى ثقل الأعباء.
لكن واشنطن تواجه بدورها ضغوطاً مع اقتراب الانتخابات، في ظل أسعار نفط تبلغ نحو 100 دولار للبرميل وارتفاع كلفة الوقود على المستهلكين الأميركيين، ما يمنح ترامب حافزاً لكسر الجمود.
وبحسب جوناثان بانيكوف، المسؤول السابق في مجلس الاستخبارات الوطني الأميركي، يراهن المتشددون المهيمنون على القرار في إيران على تحمّل مزيد من المعاناة الداخلية إلى أن يتراجع الانخراط الأميركي في المنطقة. وتبقى قدرة واشنطن على مواصلة هذا الضغط موضع تساؤل، في ضوء الأعباء التي يفرضها الانتشار الطويل على قواتها البحرية.