تقرير عن الوضع خلال ساعة واحدة بدل يوم واحد: في مكافحة فيروس إيبولا بأفريقيا تُظهر كبرى تقنيات "الذكاء الاصطناعي" قدرتها على دعم الرعاية الصحية، حتى في ألمانيا، لكن خبراء يحذرون من غياب الشفافية ومخاطر لم تُحسم بعد.
منذ أيار/مايو تعمل فرق ميدانية في جمهورية الكونغو الديمقراطية على مكافحة فيروس إيبولا من سلالة بونديبوغيو. يطرق ما يُعرف بـ"Health Workers" أي عاملو الصحة أبواب المنازل يوميا ويعرضون تقديم المشورة. يسجلون حالات الشفاء والوفيات، ويحيلون الأشخاص الذين تظهر عليهم أعراض مشتبه بها إلى المرافق الطبية.
تمت رقمنة المعارف التي راكمها هؤلاء العاملون الصحيون، والمدونة في دفاتر ملاحظاتهم التي تعكس حالة مجتمع بأكمله، وذلك بحسب تقرير لشركة الذكاء الاصطناعي "Anthropic".
من أُصيب بالمرض؟ مع من خالط المصاب وأين تنقل قبل أن يعرف بإصابته؟ في تحليل الإجابات والبلاغات استُخدم نموذج "Claude" الذي طورته شركة "Anthropic". وشارك في الدراسة، إلى جانب جهات أخرى، التحالف من أجل ابتكارات التأهب للأوبئة "CEPI" والمكتب الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية لأفريقيا والمعهد الوطني للبحوث الطبية الحيوية "INRB".
الذكاء الاصطناعي يساعد في تقييم انتشار الأوبئة بسرعة أكبر
"يُعد تقرير عن الوضع في غضون ساعة واحدة بدلا من يوم عمل كامل"، توضح الدكتورة ماري روزلين دارنيكا بيليزير، مديرة التأهب والاستجابة لحالات الطوارئ في المكتب الإقليمي لأفريقيا لدى منظمة الصحة العالمية (WHO). وتؤكد نائبة المنظمة على منصة World Health Summits أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يساعد في تقدير انتشار الأوبئة بسرعة أكبر وتوجيه المساعدات الطبية بشكل أدق.
أفضى تحليل البيانات إلى تحديد مناطق يُحتمل أن تشهد تفشي المرض واتُّخذت استعدادات مسبقة، مثل نقل مخزونات من المستلزمات الطبية إلى نقاط محورية أو مناطق عالية الخطورة.
وقد يكون ذلك حاسما في حالات الطوارئ، إذ كلما بادرت السلطات الصحية إلى الرد على احتمال تفشٍ مبكر، تمكنت من الاستعداد بشكل أفضل وتنظيم سلاسل الإمداد. ويُفترض أن يساعد الذكاء الاصطناعي في تسريع معالجة المعلومات الواردة من مصادر مختلفة ودعم قرارات المسؤولين.
ويُظهر هذا المثال الإيجابي على استخدام الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية المستوى الذي يمكن عنده توظيف هذه التقنية بمخاطر محدودة نسبيا. غير أن الخبراء يرون إمكانات أوسع بكثير لاستخدام الذكاء الاصطناعي في المستقبل.
فالتكنولوجيا قد تحسّن دقة التشخيصات، وتخفف الأعباء الإدارية عن الكوادر الطبية، وتساعد على توجيه الموارد الشحيحة إلى حيث تكون الحاجة أكبر. وفي الوقت نفسه تطرح أسئلة جوهرية: إلى أي حد يمكن الوثوق بالنتائج؟ وهل يستطيع الأطباء والأطقم الطبية فهم الكيفية التي يتوصل بها نظام ذكاء اصطناعي إلى قرار ما؟ وهل يستفيد المرضى فعلا من ذلك؟
الذكاء الاصطناعي كدعم للكوادر الصحية المثقلة بالأعباء
يتزايد الطلب على الرعاية الصحية في أنحاء العالم، بينما تعاني أنظمة كثيرة من نقص في الكوادر والوقت والمواد. ويرى الدكتور توماس زاباتا، مدير أكاديمية منظمة الصحة العالمية في ليون، أن هذا النقص يشكل نقطة انطلاق أساسية لاستخدام الذكاء الاصطناعي.
"علينا أن نفكر في المفارقة التي نواجهها اليوم: لدينا في العالم عدد من العاملين الصحيين أكبر من أي وقت مضى، ولدينا في متناول اليد تكنولوجيات غير مسبوقة"، يقول زاباتا في جلسة نقاشية خلال World Health Summit. ومع ذلك، يضيف، ما زال النقص في الكوادر الصحية هائلا، "فالطلب على خدمات الرعاية الصحية يواصل النمو بلا توقف".
وهو يرى في الذكاء الاصطناعي فرصة لتقليص هذه الفجوة، شرط ألا يُنظر إليه كغاية في حد ذاته، بل كأداة تُدمج في النظم الصحية القائمة.
"الذكاء الاصطناعي عامل تمكين ووسيلة لتحقيق غاية. نحن مفتونون اليوم بالتكنولوجيا وبالذكاء الاصطناعي، لكنني أعتقد أننا بحاجة إلى وضعهما في المكان الصحيح ضمن سياق النظام الصحي"، يحذر زاباتا. وبالنسبة إليه، يتكامل الذكاء الاصطناعي في مجالين: فمن جهة يمكن أن يغيّر طريقة تنظيم خدمات الرعاية الصحية، ومن جهة أخرى يجب أن تتكيف برامج تدريب وتأهيل العاملين الصحيين مع الإمكانات الجديدة.
وفي النهاية يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساهم في خفض عبء العمل، وتحسين المهام الإدارية، وتعزيز دقة اتخاذ القرارات السريرية وكذلك عمليات التشخيص. لكن الأهم بالنسبة إليه هو أن تتيح هذه التكنولوجيا وقتا أكبر لما لا يمكن ولا ينبغي أتمتته بسهولة: رعاية المرضى.
وقد أظهرت أزمة إيبولا في جمهورية الكونغو الديمقراطية على وجه الخصوص أن الثقة في الأنظمة الصحية المحلية مفقودة.
هكذا يتوافر للأطباء وقت أطول من أجل المرضى
في الأماكن التي يعمل فيها العاملون الصحيون تحت ضغط زمني شديد، يمكن للإجراءات المؤتمتة أن تُحدث فارقا حقيقيا. وتعرف الدكتورة سيسيليا مباكا، كبيرة المستشارين التقنيين للصحة والطوارئ في منظمة الإغاثة "CARE"، هذه التحديات من خلال أكثر من 15 عاما من العمل في الصفوف الأمامية.
وتطرح مباكا ثلاثة أسئلة حاسمة: هل يمكن للذكاء الاصطناعي دعم القرارات الطبية؟ هل يستطيع تولي المهام المتكررة؟ وهل يساعد على جعل الرعاية أكثر ملاءمة للاحتياجات الفردية للمرضى؟
"إذا أدّى الذكاء الاصطناعي هذه المهام بكفاءة عالية، فسيتبقى وقت أطول للجوانب الإنسانية من الرعاية، بحيث نتمكن من طرح الأسئلة والاستماع إلى المرضى وفحصهم وتحويلهم إلى مستوى الرعاية التالي"، توضح أيضا الدكتورة سيسيليا مباكا، كبيرة المستشارين التقنيين للصحة والطوارئ في منظمة "CARE".
وتقول إنها عملت بنفسها لأكثر من 15 عاما في الخطوط الأمامية، مع دعم محدود وموارد قليلة وحجم عمل مرتفع.
وفي حالات الأوبئة تحديدا لا يقتصر الأمر على البيانات الطبية، إذ يلعب ثقة السكان دورا مهما. فلا بد أن يثق الناس بأنهم سيكونون محميين ويتلقون رعاية ملائمة داخل المرافق الصحية. وفي المجتمعات المتضررة قد تكون هذه الثقة حاسمة في ما إذا كان المرضى سيسعون إلى طلب المساعدة الطبية في الوقت المناسب أم لا.
ويُقدَّر أن نحو 50 في المئة من الوفيات في القرى في جمهورية الكونغو الديمقراطية تحدث خارج المرافق الطبية، بحسب ما يقول عالم الأوبئة ماكسيميليان غيرتلر. فالنظام الصحي المحلي يرزح تحت ضغط شديد ولم يكن مستعدا لتفشي الإيبولا. وتُستهلك آلاف البزات الواقية يوميا لحماية الطواقم التمريضية من التلوث، بينما رفعت ألمانيا حجم مساعداتها مؤخرا إلى 21 مليون يورو.
يمكن للذكاء الاصطناعي أن يدعم تنظيم تقديم الرعاية، لكنه وحده لا يكفي لبناء ثقة الناس بالمرافق الصحية. فخبراء الذكاء الاصطناعي أنفسهم ينتقدون أن الطريق المؤدي إلى التشخيص ما زال، في كثير من الأحيان، غير شفاف.
مشكلة الشفافية: كيف يتوصل الذكاء الاصطناعي إلى تشخيصه؟
تستطيع أنظمة الذكاء الاصطناعي الحديثة تحليل كميات هائلة من البيانات والتعرف على أنماط قد تغيب عن البشر، لكن غالبا ما يبقى غير واضح كيف تصل بالضبط إلى نتائجها.
ويصف الدكتور توماس ثيسن، أستاذ التعليم الطبي والمعلوماتية في كلية "Geisel School of Medicine" بجامعة "Dartmouth" الأميركية، هذه المعضلة بقوله: "إنها بارعة للغاية في التعرف على الأنماط، لكنها سيئة جدا في شرح ماهية هذه الأنماط لنا". ويرى أن الدردشة الآلية والنماذج اللغوية الضخمة مثل "Claude" أو "ChatGPT" تعاني من مشكلة في الشرح، إذ يظل الذكاء الاصطناعي بمثابة صندوق أسود.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في قطاع الصحة. فعندما يقترح نظام ما تشخيصا أو خطة علاج، ينبغي للعاملين الصحيين أن يقيّموا ما إذا كانت مناسبة للحالة المطروحة. ولا تكفي النتيجة وحدها دائما، بل يجب أن يكون المسار الذي أفضى إليها قابلا للفهم أيضا.
"هذه هي إذن مشكلة قابلية التفسير: لا تستطيع هذه الأنظمة أن تشرح بلغة مفهومة للبشر كيف توصلت إلى هذه الاستنتاجات".
وهذه المشكلة المسماة "الصندوق الأسود" لا تمس الشفافية فحسب، بل تثير أيضا مسألة المسؤولية: من يتحمل تبعات توصية خاطئة يقدمها نظام ذكاء اصطناعي؟ ولهذا ترى الدكتورة مباكا أنه من الضروري ألا يكتفي الذكاء الاصطناعي بتقديم نتائج، بل أن يسهم فعلا في عملية اتخاذ القرار.
خبير: لا يجب أن يحل الذكاء الاصطناعي محل التعلم في التدريب الطبي
يمكن للذكاء الاصطناعي أن يقدم مساهمة في تدريب الكوادر الطبية أيضا، مثلا عبر إتاحة المعلومات بسرعة أكبر أو المساعدة في المهام المتكررة. لكن ثيسن، أستاذ التعليم الطبي والمعلوماتية، يرى مخاطر عندما يتعلق الأمر بالتعلم نفسه.
ويشير إلى دراسة قورنت فيها عملية البحث عن المعلومات عبر محركات البحث التقليدية باستخدام روبوتات دردشة قائمة على الذكاء الاصطناعي. وخلصت الدراسة إلى أن معرفة الطلاب الذين استخدموا روبوت الدردشة كانت أكثر سطحية وأقل ترسخا.
"إن ما يسمى بالصعوبات المرغوبة مهم للغاية في عملية التعلم، وإذا أوكل المرء كامل الجهد الذهني في التعلم إلى روبوت دردشة، وهو ما قد يكون فعالا للغاية، فإنه لا يتعلم في الواقع شيئا".
ويؤكد أنه على من يحتاج إلى ترسيخ معارفه على المدى الطويل ألا يترك كل عمله الذهني لنظام ذكاء اصطناعي. ففي الطب على وجه الخصوص قد يكون من الحاسم اتخاذ القرار الصحيح حتى في غياب الدعم التقني.
ولهذا يوصي ثيسن باستخدام الذكاء الاصطناعي أساسا في المجالات التي يخفف فيها عبء العمل، في حين يجب أن يبقى للتعلم الذاتي دور مركزي عندما يتعلق الأمر بفهم المعرفة والاحتفاظ بها على المدى الطويل.