تولى رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا قيادة مفاوضات موازنة الاتحاد طويلة الأجل المقبلة، وسط تساؤلات كبرى حول كيفية حله معضلة الضرائب الأوروبية المشتركة الجديدة.
بحث عن ضرائب أوروبية جديدة لتمويل الميزانية
يسابق رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا الوقت للعثور على ضرائب جديدة على مستوى الاتحاد الأوروبي لتمويل الميزانية طويلة الأمد المقبلة، بعد القمة غير الحاسمة الأسبوع الماضي التي تركت القادة منقسمين حول حجم ما هم مستعدون لدفعه. ومع إحجام الحكومات الوطنية عن زيادة مساهماتها، يستكشف كوستا سبل جمع أموال مباشرة لبروكسل، بدءا من ضرائب على الشركات الكبرى والخدمات الرقمية وصولا إلى الرسوم على التبغ وانبعاثات الكربون والقمار عبر الإنترنت، في وقت تدخل فيه المفاوضات مرحلة حاسمة ولا يبدو أن أي خيار مستبعد. وقال كوستا في مؤتمر صحفي عقب قمة المجلس الأوروبي الأسبوع الماضي: "للوصول إلى اتفاق، علينا إبقاء المساهمات الوطنية عند مستوى معقول، مع الحفاظ على طموحنا والوسائل اللازمة لتنفيذ أولوياتنا المشتركة. ولتحقيق ذلك، من الأساسي تعزيز العمل على الموارد الذاتية الجديدة". وكان قادة الاتحاد الأوروبي قد عجزوا عن تسوية خلافاتهم بشأن الميزانية الأسبوع الماضي، ما ترك مهمة توجيه المرحلة التالية من المفاوضات على عاتق كوستا.
معركة "الموارد الذاتية" بين العواصم والبرلمان الأوروبي
خلال جولته على العواصم الأوروبية، عاد كوستا مرارا إلى النقطة نفسها: الضرائب المشتركة على مستوى الاتحاد الأوروبي ضرورية للتوفيق بين الميزانيات الوطنية المثقلة بالأعباء وأولويات التكتل الآخذة في الاتساع. ففي بروكسل تُعرف مصادر الإيرادات الجديدة باسم الموارد الذاتية، وهي في قلب النقاش حول الميزانية. وقد عرضت إيرلندا ما تسميه تسوية للميزانية، موضحة على لسان وزير الدولة للشؤون الأوروبية توماس بيرن أن هناك ثلاثة اختبارات للموارد الذاتية الجديدة: أن تحظى بإجماع الدول، وأن توفر تمويلا كبيرا، وأن تكون جاهزة بحلول الأول من يناير 2028. ومع ذلك، تعرض المقترح الإيرلندي لانتقادات من جميع الأطراف، بما فيها البرلمان الأوروبي الذي يرى أن ضرائب جديدة على الخدمات الرقمية والقمار عبر الإنترنت والأصول المشفرة يمكن أن تدر ما يصل إلى 25 مليار يورو سنويا. وقالت النائبة الأوروبية دانوشي نيرودوفا (تشيكيا/حزب الشعب الأوروبي): "من الواضح أن الرئاسة رفضت اتخاذ أي قرار في جانب الإيرادات، واكتفت باقتراح تعديلات طفيفة. ونحن نشعر بخيبة أمل كبيرة لأن أيا من مقترحات البرلمان لم يؤخذ في الاعتبار، رغم تلقيه ردود فعل إيجابية من دول أعضاء عدة".
ضرائب الشركات والرقمنة في قلب الجدل
أبقت التسوية الإيرلندية على مورد الشركات لأوروبا "CORE"، وهو أحد أكثر المقترحات إثارة للخلاف بين الدول الأعضاء، إذ تعتبر حكومات كثيرة أن فرض ضرائب إضافية على الشركات يتعارض مع أجندة تنافسية الاتحاد الأوروبي. وقد دافعت المفوضية الأوروبية عن المقترح مؤكدة أن "CORE" سيطال فقط الشركات الكبرى ذات رقم معاملات صافٍ سنوي يفوق 100 مليون يورو، وأن المساهمة المطلوبة ستكون في العادة أقل من قيمة المكافآت التي يحصل عليها كبار مسؤولي هذه الشركات. وتدرس المفوضية حاليا ما إذا كان بالإمكان الجمع بين "CORE" ورسوم رقمية جديدة، وهي مبادرة مثيرة للجدل بدورها وتخاطر بإثارة غضب واشنطن، نظرا إلى أن معظم كبريات شركات التكنولوجيا في العالم أميركية. وبموجب الفكرة التي يجري بلورتها، لن يستهدف الضريبة قطاعا بعينه، بل سيُحدد الحد الأدنى للمداخيل عند مستوى مرتفع بما يكفي لضمان أن يقع العبء أساسا على عاتق الشركات الأجنبية الكبرى، سواء كانت أميركية أو آسيوية، في وقت يزداد فيه البحث عن هذا النوع من التسويات مع اصطدام مصادر محتملة أخرى للإيرادات بمعارضة متنامية.
خلافات حول عائدات الكربون والتبغ
من بين هذه المقترحات، أن يُحوَّل 30% من عائدات نظام تجارة الانبعاثات "ETS"، الذي يفرض رسوما على أكبر الملوثين مقابل انبعاثاتهم من الكربون، إلى ميزانية الاتحاد الأوروبي. وتعد بولندا من أشد المعارضين لإرسال عائدات "ETS" إلى بروكسل، إذ بات الملف شديد الحساسية سياسيا في الداخل إلى حد قد يجعل من الصعب على وارسو قبوله وهي تتجه إلى انتخابات العام المقبل. كما أبقت التسوية الإيرلندية على مورد رسوم التبغ الخاص "TEDOR"، الذي ينص على أن تدفع الدول الأعضاء للاتحاد الأوروبي معدل نداء بنسبة 15% على الرسوم الانتقائية المفروضة على منتجات التبغ، في حين تخشى حكومات أن يغذي ذلك السوق السوداء وأن يؤدي إلى تراجع الجودة. وتعارض لوكسمبورغ هذا المقترح بقوة؛ فعلى الرغم من صغر حجمها، يُعد الدوقية الكبرى دولة مساهمة صافية نادرا ما تعترض على مقترحات المفوضية بشأن الميزانية، ما يمنحها رأسمالا سياسيا مهما يمكن أن تستخدمه في مواجهة "TEDOR".
أفكار بديلة: النفايات الإلكترونية، القمار، العملات المشفرة و"6G"
في المقابل، حظيت مقترحات أخرى بتأييد أوسع؛ فالمورد المرتبط بآلية تعديل الكربون على الحدود "CBAM" يُعد الأقل إثارة للجدل، إذ تفرض هذه الآلية سعرا للكربون على بعض الواردات، مثل الفولاذ والأسمنت، لضمان تكبد المنتجين الأجانب تكاليف مماثلة لتلك التي يتحملها منافسوهم داخل الاتحاد الأوروبي. كما أن ضريبة تستند إلى كمية النفايات الإلكترونية التي ينتجها كل بلد من بلدان الاتحاد الأوروبي لا تثير اعتراضات تذكر، إذ تظل المسائل المفتوحة فيها تقنية بالدرجة الأولى. في المقابل، يواجه مقترح البرلمان فرض ضريبة على القمار عبر الإنترنت معارضة شديدة من مالطا، التي تستضيف معظم مواقع المراهنات في الاتحاد الأوروبي، فيما يُنظر إلى ضريبة مقترحة أخرى على أرباح رأس المال من الأصول المشفرة على أنها شديدة الصعوبة من حيث التطبيق، مع عوائد غير مضمونة بسبب تقلبات السوق. واقترحت اليونان أيضا تنسيق مزادات الطيف الخاص بتكنولوجيا "6G" بين الدول لتمويل ميزانية الاتحاد الأوروبي، غير أن الدول الأعضاء قاومت منذ سنوات أي توحيد لقواعد توزيع الطيف، الذي يمثل تقليديا موردا ماليا مهما للخزائن الوطنية. وقال مسؤول في الاتحاد الأوروبي مطلع مباشرة على الملف لـ"يورونيوز" مشترطا عدم الكشف عن هويته: "حان الوقت لتقييم الوضع وتحديد أفضل طريق للمضي قدما. نحن لا نستبعد الأخذ بأي من المقترحات المطروحة"، مضيفا: "سنحتاج إلى تعديل الموارد الذاتية بما يسمح بتوزيع تأثيرها بصورة أكثر عدلا على الدول الأعضاء".