تُعد ألمانيا أكبر اقتصاد في أوروبا، بينما تُوصَف بولندا بأنها أنجح اقتصاد فيها. الاقتصادي مارتسين بيونتكوفيسكي يصف علاقتهما بأنها "تطابق مثالي"، ويشرح في مقابلة مع "يورونيوز" ما يمكن أن تتعلمه ألمانيا من نجاح بولندا الاقتصادي.
بولندا تتصدر النمو في أوروبا بينما تتعثر ألمانيا
في وقت لا تزال فيه ألمانيا تكافح مع حالة من الركود الاقتصادي، تُتوقَّع لبولندا أن تبقى واحدة من أسرع اقتصادات أوروبا نموا في السنوات المقبلة. يقول مارسين بياتكوفسكي، أستاذ الاقتصاد في جامعة "كوزمينسكي" وكبير الاقتصاديين السابق في بنك "PKO BP" أكبر بنك في بولندا، في مقابلة مع "يورونيوز": "ألمانيا تحتاج إلى قدر أكبر من الخوف، وفي الوقت نفسه إلى مزيد من التفاؤل". وقد ذاع صيته بفضل كتابه الأكثر مبيعا "Europe's Growth Champion: Insights from the Economic Rise of Poland" (بطل نمو أوروبا: رؤى من الصعود الاقتصادي لبولندا)، الذي يتناول كيف تحولت بولندا بعد سقوط الشيوعية إلى واحدة من أنجح قصص اللحاق الاقتصادي في العالم. ويضيف: "ألمانيا هي أكبر اقتصاد في أوروبا، بينما بولندا هي أكثر اقتصادات أوروبا ديناميكية، وربط الاثنين معا قد يكون الطريق الصحيح". يورونيوز: تبدو بولندا وكأنها تفوقت منذ 1990 على معظم الاقتصادات الأوروبية تقريبا. ما الأدلة التي تثبت ذلك؟ بياتكوفسكي: كانت بولندا منذ 1990 أسرع الاقتصادات الكبيرة نموا في أوروبا، ولا تزال في وضع جيد؛ فوفقا لتوقعات المفوضية الأوروبية ستواصل بولندا النمو هذا العام والعام المقبل بمعدل يفوق ثلاثة في المئة في المتوسط، أي أسرع من أي اقتصاد أوروبي كبير آخر وبما يزيد على ثلاثة أضعاف سرعة ألمانيا. ولم تقتصر إنجازات بولندا على أوروبا، بل شملت العالم أيضا؛ ففي الأعوام الـ 33 الماضية وما يزيد، نمت بولندا بوتيرة أسرع من كوريا الجنوبية وسنغافورة وتايوان وكل الاقتصادات العالمية الناجحة الأخرى، حتى باتت نجما اقتصاديا عالميا حقيقيا. وخلال هذه الفترة زادت بولندا دخل الفرد لديها بمقدار 3,6 مرة، وانتقلت من بلد يكاد يكون فقيرا مثل جامايكا في 1990 إلى بلد أغنى من اليابان أو إسبانيا. والأهم أن هذا النمو السريع تحقق من دون ثمن اجتماعي باهظ؛ فمستوى عدم المساواة في الدخل في بولندا اليوم أدنى منه في السويد، ما يعني أنها لم تكن فقط بطلة للنمو في أوروبا والعالم، بل نجحت أيضا في تقاسم ثمار الازدهار على نطاق المجتمع كله، في تجربة تكاد تكون غير مسبوقة عالميا.
محركات "المعجزة" البولندية: المساواة والتعليم وريادة الأعمال
يورونيوز: ما الذي يفسر هذا النجاح؟ في كتابك "Europe's Growth Champion: Insights from the Economic Rise of Poland" تتحدث عن "العناصر الخمسة E" بوصفها محركات للنجاح. ماذا تقصد بذلك؟ بياتكوفسكي: أحب أن أُجمِل العوامل التي تقف وراء نجاح بولندا في خمسة عناصر يسهل تذكّرها، هي: المساواة، والتعليم، وريادة الأعمال، والنُّخب، والاتحاد الأوروبي. المساواة هي الإرث الإيجابي النادر للشيوعية، إذ تركت بولندا عام 1989 لأول مرة في تاريخها مع مجتمع أكثر شمولية، بالمعنى الذي يتيح للناس، بغض النظر عن أسمائهم أو نوعهم الاجتماعي أو مكان ميلادهم أو ثروة آبائهم، أن يحققوا النجاح في حياتهم. أما في مجال التعليم، فقد شهدت بولندا واحدة من أكبر الطفرات التعليمية في المنطقة؛ فبين 1990 ومنتصف العقد الأول من الألفية الجديدة ارتفعت نسبة الشباب الذين يلتحقون بالجامعة من عشرة في المئة إلى 50 في المئة، مقارنة بـ 38 في المئة فقط في ألمانيا اليوم. العنصر الثالث هو ريادة الأعمال؛ فقد كانت بولندا محظوظة بامتلاكها سوقا داخلية كبيرة بما يكفي لدعم وبناء مجموعة واسعة من الشركات الوطنية القوية التي بدأت الآن التوسع في الخارج. وإضافة إلى ذلك طوّرت بولندا واحدا من أكثر الاقتصادات تنوّعا في أوروبا والعالم، بحيث لا يهيمن منتج واحد أو قطاع واحد؛ فهي تصدّر كل شيء تقريبا، من الفراولة وغسالات الصحون إلى الطائرات المسيّرة والأقمار الصناعية واليخوت الفاخرة. هذا المستوى العالي من التنويع مكّنها من مواجهة الصدمات الخارجية أفضل من أي بلد آخر، ومن أن تصبح الاقتصاد الأوروبي الوحيد الذي لم يشهد ركودا منذ 1990، باستثناء تراجع طفيف أثناء جائحة كوفيد. أما على صعيد النُّخب، فقد اتسمت السياسات الاقتصادية في بولندا بقدر أكبر بكثير من البراغماتية مقارنة مع دول أوروبية أخرى، وخصوصا ألمانيا؛ إذ تجنّبت البلاد آفة "الأصولية المالية"، وفهم صانعو القرار أن الاستثمار في النمو أهم بكثير من رقم مجرّد لنسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي. وأخيرا يأتي دور الاتحاد الأوروبي؛ فلو لم تستفد بولندا من الأسواق المفتوحة والمؤسسات وقواعد اللعبة واستقرار السياسات التي وفّرها الاتحاد، لكان مستوى دخلها اليوم، وفق أحدث التقديرات، أقل بنحو 40 في المئة مما هو عليه. وقد ساعدت أموال الاتحاد بالطبع، لكنها لم تسهم إلا بما لا يزيد على خمس النمو الكلي؛ أما الأهم فكان الوصول إلى السوق الأوروبية ومؤسساتها وما وفرته من قدر من اليقين جعل بولندا وجهة آمنة لأكثر من 350 مليار يورو من الاستثمارات الأجنبية.
منفعة متبادلة: كيف أصبحت بولندا ركيزة لازدهار ألمانيا
يورونيوز: كثير من الألمان لا يزالون يرون في بولندا اقتصادا في طور اللحاق. ما مدى أهمية بولندا فعليا لازدهار ألمانيا؟ بياتكوفسكي: على مدى الأعوام الـ 36 الماضية زادت الصادرات الألمانية إلى بولندا 33 مرة، من نحو ثلاثة مليارات يورو في 1990 إلى أكثر من 100 مليار يورو متوقَّعة هذا العام، لتصبح بولندا سوق تصدير أكبر لألمانيا من الصين. وبفضل حجم هذه الصادرات تُموَّل عدة مئات الآلاف من الوظائف في ألمانيا من ازدهار بولندا. إضافة إلى ذلك، لولا القدرة على إقامة خطوط إنتاج في بولندا وأوروبا الوسطى ذات الكلفة المنخفضة، لتراجعت القدرة التنافسية للصناعة الألمانية وحصتها في أسواق التصدير العالمية بوتيرة أسرع بكثير؛ كما تحصل ألمانيا من استثماراتها في بولندا وحدها على نحو خمسة مليارات يورو من الأرباح الموزعة سنويا، أي ما يقارب ربع مساهمتها الصافية السنوية في موازنة الاتحاد الأوروبي. يورونيوز: ما الدروس التي يمكن أن تستخلصها ألمانيا من بولندا؟ بياتكوفسكي: بطبيعة الحال ما زال الاقتصاد الألماني أكثر تطورا ونضجا، وتختلف تحدياته عن بولندا التي لا تزال في طور اللحاق، لكن يمكن لبولندا أن تقدم على الأقل ثلاثة دروس رئيسية. أولا، أسواق السلع والعمل في بولندا أكثر انفتاحا ومرونة بكثير من نظيرتها في ألمانيا؛ فالاقتصاد البولندي أكثر تحررا، وهذا ما دعم مستوى عاليا من روح المبادرة، وضغوطا تنافسية قوية، وإعادة توجيه سريعة للموارد عبر الاقتصاد، بما في ذلك اليد العاملة، وهو الاتجاه الذي توحي به التجربة البولندية لمسار الإصلاحات في ألمانيا. كما أن روح المبادرة في بولندا أقوى بكثير؛ فعدد الشركات التي تدخل السوق وتغادره سنويا أعلى بكثير مما هو في ألمانيا، وهو ما تدعمه حيوية الاقتصاد البولندي نفسها. ثانيا، بين البالغين الشباب تتمتع بولندا الآن بنسبة أعلى من خريجي الجامعات مقارنة بألمانيا، وتحقق نتائج لا تقل جودة، بل أحيانا أفضل، في العديد من الاختبارات الدولية لتلاميذ المرحلة الثانوية؛ وهذا يساعد بولندا على استيعاب التكنولوجيا بسرعة، كما يتضح من اقتصادها غير النقدي المتقدم تكنولوجيا، ويرفع إنتاجية العمل بوتيرة عالية، في وقت يفوق فيه عدد الشباب البولنديين المتعلمين تعليما عاليا نظراءهم الألمان، في إشارة إلى ما يمكن لألمانيا أن تستثمره أكثر في أجيالها المقبلة. ثالثا، بلغ الاستثمار العام في بولندا، بما في ذلك البنية التحتية، خلال العقود الأخيرة ضعفي مستواه في ألمانيا نسبة إلى الناتج المحلي الإجمالي؛ ما أتاح لبولندا بناء نحو 6.000 كيلومتر من الطرق السريعة والمسرَّعة، والاستثمار في الجامعات والبحث العلمي، وبناء اقتصاد رقمي جديد. وبفضل أموال الاتحاد الأوروبي، وببساطة لأن هذه الاستثمارات حديثة نسبيا، أصبحت البنية التحتية في بولندا من نواحٍ كثيرة أفضل من نظيرتها في ألمانيا. أما في ألمانيا فقد تأخر الاستثمار العام؛ إذ بلغ في العقود الماضية حوالى 2,5 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، أي ما يقارب نصف ما استثمرته بولندا، وهو نتيجة لـ "الأصولية المالية" التي جعلت ألمانيا تقصّر إلى حد كبير في الاستثمار في مستقبلها. وقد خلصت دراسة حديثة لصندوق النقد الدولي (IMF) إلى أن تقييد الاستثمار العام بسبب السياسات المالية المتشددة قوض القدرة التنافسية لألمانيا.
تحديات الاقتصاد الألماني وتعميق الشراكة مع بولندا
يورونيوز: ما أبرز التحديات الاقتصادية التي تواجه ألمانيا اليوم؟ بياتكوفسكي: في ظل التحديات غير المسبوقة التي يواجهها الاقتصاد الألماني، وحالة الركود التي يعيشها منذ كوفيد على الأقل، تحتاج ألمانيا كي تعود إلى النمو إلى جرعة أقوى بكثير من التحفيز المالي والنقدي وإلى تسريع وتيرة الإصلاحات الهيكلية. حتى الآن كانت ألمانيا متحفظة بشدة على الصعيدين. وستكون هناك حاجة إلى مقاربة أكثر جرأة، بل ثورية، إذا أرادت ألمانيا أن تمنع مزيدا من تراجع التصنيع، في الغالب لصالح الصين، وأن تحدد قطاعات جديدة ومصادر جديدة للنمو. كما أن على ألمانيا وأوروبا بأسرها أن تكونا أقل تشددا عقائديا حيال التجارة الحرة؛ فلم نعد قادرين على تحمّل ترف أن نكون "دعاة ساذجين للتجارة الحرة". يورونيوز: كيف يمكن لألمانيا وبولندا أن تعززا إحداهما الأخرى؟ بياتكوفسكي: ألمانيا هي أكبر اقتصاد في أوروبا، وبولندا أكثرها ديناميكية، وربط الاثنين معا قد يكون الطريق الصحيح. إحدى الطرق هي تشجيع المشاريع المشتركة وصفقات الدمج والاستحواذ بين الشركات الألمانية والبولندية؛ فالشركات البولندية يمكن أن تقدم مستويات عالية من القدرة على المنافسة من ناحية الكلفة، وديناميكية وطاقة قادرتين على اقتحام الأسواق الأوروبية والعالمية، بينما توفر الشركات الألمانية الوصول إلى هذه الأسواق، وإلى علامات تجارية عالمية وتقنيات متقدمة. معا يمكنها أن تنافس بنجاح على الساحة العالمية. وهناك نحو 231.000 من الشركات الصغيرة والمتوسطة في ألمانيا، معظمها عائلية ولا تملك خلفاء؛ وقد تختفي هذه الشركات إذا لم تجد من يساعدها، ويمكن أن يكون العثور على شريك بولندي ديناميكي طريقة لإنقاذها. وطريقة أخرى للتعاون هي أن تتفق ألمانيا وبولندا على منظومة موحّدة من قوانين الشركات والضرائب والعمل للشركات الجديدة، ربما بدءا من شركات "الذكاء الاصطناعي" والشركات الناشئة المبتكرة، في نسخة أكثر تقدما من فكرة "النظام الثامن والعشرين" للشركات في الاتحاد الأوروبي؛ ما يعني أن الشركة المسجلة في فورزبورغ أو في فروتسواف لن تضطر للقلق بشأن الامتثال لقواعد قانونية ألمانية وبولندية مختلفة، لأنها ستكون واحدة، وهو ما يسمح بالتوسع السريع الذي تحتاجه الشركات الناشئة الأوروبية كي تنافس عالميا. وإذا نجحت هذه التجربة، فقد تُغري دولا أخرى في الاتحاد الأوروبي بالانضمام إليها.
نحو خطة "صُنع في ألمانيا 2035"
يورونيوز: كيف يجب أن تبدو الرؤية الاقتصادية لألمانيا في العقد المقبل؟ بياتكوفسكي: أعتقد أن على ألمانيا أن تبدأ في تحمّل قدر أكبر بكثير من المخاطر؛ فبدلا من ادخار الموارد المالية لـ "يوم ممطر" – وقد حلّ هذا اليوم بالفعل – ينبغي لها أن "تذهب إلى الحد الأقصى" وتُنفق مئات المليارات من اليورو ليس على الجيش فحسب، مهما كانت أهميته، بل أيضا على إعادة هيكلة جذرية للصناعة الألمانية تقوم على التقنيات الجديدة، بما فيها الذكاء الاصطناعي. وعلى غرار ما فعلته الصين في السابق، ينبغي لألمانيا أن تضع خطتها الخاصة "Made in Germany 2035" ثم تبذل كل ما بوسعها لتحقيقها، لما فيه مصلحة ألمانيا وبولندا وأوروبا بأسرها.