تخضع سبتة ومليلية للسيادة الإسبانية منذ القرنين الخامس عشر والسادس عشر، ولم تكونا مغربيتين قط. ورغم مطالب المغرب، ترفض الأمم المتحدة اعتبارهما إقليميْن غير متمتّعين بعد بالاستقلال.
"سبتة ومليلية ليستا مجرد مدينتين إسبانيتين، بل هما إسبانيتان حتى النخاع ولا يمكن المساس بهما"، بهذه الكلمات تحدثت مارغاريتا روبليس، وزيرة الدفاع الإسبانية، بعد أيام من تدفق مهاجرين غير نظاميين من المغرب اقتحموا الحدود الإسبانية في شهر تموز/يوليو الماضي.
تعود سيادة سبتة ومليلية باستمرار إلى صدارة النقاش العام، مدفوعة بمطالب الرباط وبالتصاعد المتكرر للتوترات المرتبطة بالهجرة على الحدود الشمالية للمغرب. وبعد أزمة الهجرة التي اندلعت في سبتة، استغل عدد من السياسيين المغاربة الفرصة للمطالبة بأن تتحول المدينتان الإسبانيتان ذاتَي الحكم الذاتي إلى جزء من المغرب.
وغالبا ما تُستَخدم رواية أن المدينتين تشكلان "بقايا استعمارية" كحجة سياسية، غير أن التاريخ والقانون الدولي ومنظمة الأمم المتحدة نفسها يدحضون هذه الفرضية.
منذ متى تُعد سبتة ومليلية مدينتين إسبانيتين؟
لفهم الوضع الخاص لهاتين المدينتين، لا بد من العودة إلى القرنين 15 و16، وهي فترة لم يكن فيها مفهوم "الاستعمار" موجودا بالمعنى الحديث الذي نفهمه اليوم.
أُلحِقت مليلية بالتاج القشتالي في 17 أيلول/سبتمبر 1497 عبر حملة عسكرية قادها بيدرو دي إستوبينيان وسمح بها الملكان الكاثوليكيان القويان إيزابيل وفرناندو. وجاء الاستيلاء عليها بهدف دفاعي صرف، هو تأمين مضيق جبل طارق وحماية السواحل الإيبيرية من قراصنة البربر.
سبتة احتلتها البرتغال في 1415 في البداية، ثم انتقلت إلى السيادة الإسبانية في 1580 بعد الاتحاد الدينستي مع فيليبي الثاني إثر وراثته العرش البرتغالي. وعندما استقلت البرتغال في 1640، اختارت سبتة بحرية البقاء مرتبطة بالملكية الإسبانية، وهي خطوة أُقِرّت قانونيا في معاهدة لشبونة عام 1668.
وظلّت المدينتان على مدى ما بين 358 و529 عاما متواصلين تحت السيادة الإسبانية، ولم تكونا يوما جزءا من المملكة المغربية.
هل كان المغرب موجودا كدولة عندما أُلحقَت سبتة ومليلية بإسبانيا؟
لم يكن موجودا بالشكل الذي نعرفه اليوم كدولة موحدة حديثة. فالسلالة العلوية التي تحكم البلاد حاليا بزعامة محمد السادس بدأت حكمها في عام 1666.
ويعني ذلك أن مليلية، على سبيل المثال، كانت جزءا من التاج القشتالي منذ أكثر من 160 عاما قبل قيام السلالة التي تُعد أساس المغرب الحديث.
الفارق بين توسعات القرن التاسع عشر وبين نظام الحماية
وللوصول إلى تحليل دقيق، لا بد من التوقف عند نقطة يشير إليها عدد من المؤرخين: نحو 90 في المئة من المساحة الحضرية الحالية في المدينتين جاءت نتيجة توسعات إقليمية أُنجزت خلال القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين. وقد تزامن ذلك مع مرحلة التوسع الأوروبي في أفريقيا ومع إنشاء نظام الحماية الإسباني على المغرب بين 1912 و1956.
وتوسّع حجم المدينتين من خلال اتفاقيات لترسيم الحدود، لكن سيادتهما كانت قائمة منذ نحو 300 عام ولم يُنظر إليهما أبدا على أنهما مستعمرتان مؤقتتان، بل جزء من الإقليم الوطني.
ومع ذلك، هناك فارق قانوني جوهري:
- إن سند السيادة على الإقليم الأصلي يعود إلى قرون سبقت استقلال المغرب.
- سبتة ومليلية لم تكونا أبدا جزءا من نظام الحماية. ففي الوقت الذي خضع فيه الإقليم المغربي لإدارة مؤقتة، حافظت المدينتان بلا انقطاع على وضعهما كأراضٍ وطنية خاضعة بالكامل للسيادة الإسبانية.
موقف الأمم المتحدة والمجتمع الدولي الحاسم
ويأتي التأكيد القانوني النهائي للموقف الإسباني من الإطار المتعدد الأطراف:
ففي عام 1975، طلبت الحكومة المغربية رسميا من الأمم المتحدة إدراج سبتة ومليلية على قائمة "الأقاليم غير المحكومة ذاتيا المنتظِرة إنهاء الاستعمار" (وهي القائمة التي يدرج عليها الصحراء الغربية، التي يحتلها المغرب وتنوي إسبانيا منح جنسيتها لسكانها). وقد رفضت الأمم المتحدة هذا الطلب.
وحتى اليوم، لا تعتبر الأمم المتحدة المدينتين مستعمرات ولا تدرجهما في أي قائمة للأقاليم التي ينبغي إنهاء استعمارها. كما أن حلفاء استراتيجيين مثل الولايات المتحدة، رغم تقاربها الحالي مع النظام المغربي، يعترفون رسميا بالمدينتين كجزء من الإقليم الخاضع لسيادة إسبانيا.
ومع دخول نظام الحكم الذاتي حيز التنفيذ في المدينتين عام 1995، ترسخ وضعهما كمدينتين ذاتيّتي الحكم، مندمجتين بالكامل في الاتحاد الأوروبي ولهما تمثيل في مجلس النواب ومجلس الشيوخ في إسبانيا.
أما الادعاءات حول "الطابع الاستعماري" المزعوم لسبتة ومليلية، فقد تعكس استراتيجيات جيوسياسية ظرفية من جانب الرباط، لكنها لا تصمد أمام الحقائق التاريخية ولا أمام الإطار القانوني الذي يرسمه القانون الدولي.