تُعد أندورا لا فيلا أعلى عاصمة في القارة، وتضم مباني تاريخية ومنحوتات لافتة، إلى جانب أكبر منتجع للمياه الساخنة في جنوب أوروبا.
عندما أخبرت مصفف شعري أنني عدت للتو من رحلة إلى أندورا، كان ردّه الفوري: "لا أستطيع حتى أن أحدد موقعها على الخريطة".
وبالنظر إلى أن هذا البلد نادرا ما يتصدر العناوين الإخبارية، فلا عجب في ذلك.
تقع أندورا في شرقي جبال البرانس بين فرنسا وإسبانيا، ويبلغ عدد سكانها نحو 85.000 نسمة، فيما يتدفق عليها نحو ثمانية ملايين سائح كل عام. وللمقارنة، تستقبل فرنسا، البلد الأكثر استقطابا للزوّار في العالم، 102 مليون سائح سنويا، بينما تقترب إسبانيا أيضا من استقبال 100 مليون زائر في عام 2026.
وتمتد البلاد على مساحة تقارب 468 كيلومترا مربعا، ما يجعلها من الناحية التقنية الأكبر بين الدول الأوروبية الصغيرة الست المعروفة بالـ"ميكروستيت" (وهي الفاتيكان وموناكو ومالطا وليختنشتاين وسان مارينو)، لكنها مع ذلك ليست ضمن المسارات السياحية التقليدية، إلا إذا كنت من عشاق التزلج.
قبل رحلتي في يوليو من هذا العام، لم أكن أربط أندورا سوى بمنتجعات التزلج فيها، ومع انعدام خبرتي تماما في رياضات الشتاء، لم تكن هذه الإمارة الصغيرة يوما في صدارة قائمة الوجهات التي أرغب في زيارتها.
مع ذلك، ومع توجه عدد متزايد منا إلى وجهات أقل شهرة في وقت تكافح فيه النقاط السياحية الساخنة ظاهرة فرط السياحة، رأيت أن الوقت قد حان ـ حرفيا أيضا، إذ تعد أندورا لا فيلا أعلى عاصمة في أوروبا ـ لأستكشف ما تقدمه البلاد بعيدا عن منحدرات التزلج.
أنشطة يمكن القيام بها في أندورا لا فيلا
التقط صورة مع تمثال "La Noblesse du Temps" لسلفادور دالي
في الوجهات السياحية حول العالم، هناك دائما لقطات "مطلوبة" لا تكتمل الزيارة من دونها؛ ففي سانتوريني مثلا هي القباب الزرقاء في "أويا"، وفي دبي برج خليفة كما يبدو من قرب النوافير.
في أندورا، تتمحور اللقطة الشهيرة حول تمثال "La Noblesse du Temps" لسلفادور دالي مع جسر "بونته دي باريس" في الخلفية، تتوسطه عبارة كبيرة "Andorra la Vella" تحسم أي لبس بشأن مكان وجودك.
والأهم أنك لن تضطر إلى التزاحم مع الحشود لالتقاط صورة جيدة للمنحوتة، التي نُصبت في موقعها الحالي عام 2010 بعد أن أهداها إنريك ساباتير، صديق الفنان المقرّب، إلى حكومة أندورا عام 1999.
تزن هذه التحفة البرونزية حوالي 1.400 كيلوغرام، وتصور قرص ساعة يذوب فوق جذع شجرة، بينما يعلو الساعة تاج "يمثل هيمنة الزمن على البشرية"، وفقا لما يورده مكتب أندورا لا فيلا السياحي (المصدر باللغة الإنجليزية).
التنزه على مسار "Rec del Solà"
للاستمتاع بإطلالة مذهلة أخرى على أندورا لا فيلا، يمكنك السير على مسار "Rec del Solà".
يمتد هذا المسار القصير بمحاذاة قناة للري في التلال القريبة من العاصمة، ويتيح مشاهد بانورامية للمدينة من الأعلى، ويمكنك العثور على تفاصيل دقيقة للمسار على موقع Visit Andorra (المصدر باللغة الإنجليزية).
يشير الموقع إلى أن استكماله قد يستغرق حتى ثلاث ساعات، لكنني أنهيته في أقل من ساعة واحدة. ومن نهاية المسار يمكنك الوصول إلى الحي القديم الجميل في غضون 15 دقيقة فقط.
التعرف إلى تاريخ البلاد في "Casa de la Vall"
وبالحديث عن "باري أنتيك"، أي الحي القديم، فإن كان عليك زيارة متحف أو صالة عرض واحدة فقط خلال رحلتك، فلتكن "Casa de la Vall".
يعود هذا المنزل التاريخي إلى عام 1580، وقد كان مقر المجلس العام لأندورا حتى عام 2011.
هنا يمكنك التعرف إلى نشأة نظام الإمارة ذات الأميرين الشريكين، حيث يتقاسم أسقف أورغيل ورئيس فرنسا منصب رأس الدولة، إضافة إلى تاريخ علم البلاد وشعارها. كما ستتمكن من رؤية "خزانة المفاتيح السبعة" الشهيرة، التي تحمل أقفالاً تمثل كل واحدة من أبرشيات أندورا.
وبجوار المبنى يمكن مشاهدة مقر البرلمان الجديد، كما يمكنك زيارة كنيسة "إسغليزيّا دي سانت إستيفي"، إحدى أعرق كنائس البلاد.
مشاهدة عمل "7 Poets"
في الساحة الواقعة أسفل مبنى البرلمان الجديد، يمكنك مشاهدة واحد من أكثر الأعمال الفنية رمزية في أندورا: عمل "7 Poets" لجاومي بلنسا.
نُصب هذا العمل عام 2014، ويتألف من سبع شخصيات مصنوعة من الألياف الزجاجية موضوعة على منصات مرتفعة، وتضاء ليلا.
ويقول الفنان في وصفه للعمل: "الشعراء جزء لا يتجزأ من المجتمع. إنهم محكومون بالفشل، لأنهم يعلمون أنهم لن يبيعوا حتى ثلاثة كتب، لكنهم مصدر للخصوبة، مثل رذاذ مطر خفيف يتغلغل في الأرض. في رأيي، هذه العملية الطويلة، المشابهة لعمل الفلاح، شديدة الشجاعة".
التسوق بلا قيود في "Shopping Mile"
بفضل أحد أدنى معدلات ضريبة القيمة المضافة في أوروبا، تشتهر أندورا بأنها مقصد مثالي لعشاق التسوق.
كثيرون يعبرون الحدود لإجراء تسوقهم الأسبوعي من المواد الغذائية، لكن شارع "Shopping Mile" يحتضن أيضا العديد من علامات الأزياء العالمية المعروفة، إذا كان هذا ما يستهويك.
اكتشاف إرث البلاد في عالم الينابيع الحارة عبر مشروع "Caldes"
أما حرف "S" الثالث المرتبط بأندورا بعد التزلج والتسوق فهو عالم الحمّامات الحرارية والمنتجعات الصحية.
فقد استُخدمت الينابيع الحارة الطبيعية في منطقة إسكالديس في الأصل لخدمة صناعة النسيج في البلاد، قبل أن تُفتتح أول الفنادق الحرارية هنا في منتصف القرن التاسع عشر.
اليوم يمكنك استكشاف هذا التاريخ عبر جولة سيرا على الأقدام بمحاذاة عمل خافيير بالماثيدا "Water and Form"، وهو تركيب فني يضم مجموعة من الأنابيب والنوافير وأحواض الغسيل على ضفة النهر بين جسر إنغورداني وجسر توسكا.
وإن كنت أقل اهتماما بالتاريخ وأكثر حرصا على تجربة الينابيع بنفسك، فاحجز زيارة إلى "Caldea"، أكبر منتجع حراري في جنوب أوروبا.
مشاهدة عرض النوافير أمام جسر "Puente de Paris"
مع حلول المساء، تستضيف ممشاة "Passeig de les Fonts de la Rotonda" أمام جسر "Puente de Paris" عرضا بالماء والضوء عبر نوافير راقصة.
تختلف مواعيد العرض باختلاف الفصول (يمكن العثور على مزيد من المعلومات على موقع أندورا لا فيلا (المصدر باللغة الإنجليزية))، وكذلك نوعية الموسيقى المصاحبة، لكن أيّاً كانت الأغاني المختارة، يبقى العرض طريقة لطيفة لاختتام يوم من الاستكشاف.
أين يمكن الأكل والشراب في أندورا
تُعرف أندورا أيضا بمطاعمها الريفية التقليدية المسماة "bordes"، وهي بيوت مزرعة تحولت إلى مطاعم وتقع عادة خارج مركز المدينة.
وإن كنت تبحث عن جرعة سريعة من الكربوهيدرات لا تكلّفك ثروة، فمرّ على مطعم "Laganum" الذي يقدّم أطباق معكرونة طازجة تُحضّر في الحال.
في المرة المقبلة سأزور أندورا من أجل...
على الرغم من روعة أندورا في فصل الصيف، أتخيل أن طبقة خفيفة من الثلج المتساقط تجعل المشهد أكثر جمالا.
فقط لا تتوقعوا أن تروني على منحدرات التزلج، إلا إذا كان الأمر يتعلق بمشروبات ما بعد التزلج.
كيفية الوصول إلى أندورا
أقرب المطارات الدولية الكبرى إلى أندورا هي مطار تولوز بلانيـاك ومطار جوسيب تاراديّاس برشلونة إل برات.
في طريقي إلى أندورا استقليت حافلة من مدينة لييدا استغرقت حوالي ساعتين ونصف. أما في رحلة العودة فتوجهت إلى برشلونة، واستغرقت الرحلة نحو ثلاث ساعات. وقد حجزت كلتا الرحلتين عبر شركة "Andbus".