أعلن الرئيس أبيلاردو دي لا إسبيريا الذي تولى منصبه قبل ثلاثة أيام فقط، حالة الطوارئ، وتعهد بقيادة عملية إنقاذ منسقة.
تتواصل في كولومبيا، الثلاثاء، عمليات البحث والإنقاذ في أعقاب الزلزال العنيف الذي ضرب البلاد صباح الاثنين، فيما يواصل عمال الإنقاذ والمتطوعون إزالة الأنقاض وسط سباق مع الزمن للعثور على ناجين. وأسفرت الكارثة حتى الآن عن مقتل 169 شخصا وإصابة أكثر من 600 آخرين، فضلا عن انهيار عشرات المباني وتضرر منشآت حيوية.
وأعلنت منظمة "أسوكابيتاليس" (Asocapitales)، وهي هيئة أنشأتها المدن الكبرى في كولومبيا لتنسيق جهودها في عدد من القضايا، انهيار 86 مبنى نتيجة الكارثة وتوقف العمليات في سبعة مطارات بسبب الأضرار التي لحقت بها.
وكانت الحصيلة السابقة قد أفادت بمقتل 111 شخصا جراء الزلزال، الذي بلغت قوته 7,4 درجات على مقياس ريختر، وضرب في وقت مبكر من صباح الاثنين مقاطعة تشوكو الفقيرة الواقعة على ساحل المحيط الهادئ.
وأدى الزلزال إلى حالة من الهلع في عدد من المدن الغربية الكبرى، حيث هرع آلاف السكان إلى الشوارع.
وفي مدينة كالي، جنوب غرب البلاد، إحدى أكثر المناطق تضررا، انخرط فرق الإنقاذ ومتطوعون في عمليات البحث بين الأنقاض، مستخدمين أيديهم وأدوات بدائية أملا في العثور على أشخاص ما زالوا على قيد الحياة.
وكان نيلسون مورينو من بين المتطوعين الذين توجهوا إلى موقع انهيار برجين سكنيين من خمسة طوابق، لإنقاذ صديق له علق تحت الركام. وتمكن المنقذون من العثور على والد صديقه وطفل رضيع على قيد الحياة، رغم إصابتهما.
وبينما كان محاطا بمئات المتطوعين، قال مورينو لوكالة "فرنس برس": "نحتاج الآن إلى مصابيح يدوية ونظارات واقية"، موضحا أن الغبار الكثيف يجعل مواصلة عمليات الإنقاذ طوال الليل أكثر صعوبة.
وفي المكان نفسه، شكّل عمال الإنقاذ والمتطوعون سلاسل بشرية لنقل الحطام وإخلاء المبنى، مستعينين بالمعاول والأدوات المتاحة.
من جهته، قال أندريس فيليبي ميخيا، وهو مسعف متطوع في كالي، إن فرق الإنقاذ "تنفذ كل العمليات اللازمة لإخراج الناس أحياء"، مضيفا أن أعدادا كبيرة من المواطنين قدموا إلى المكان محملين بالمعدات والطعام لمساندة رجال الإطفاء والضحايا.
وأعلن الرئيس أبيلاردو دي لا إسبيريا، الذي لم يمض على توليه منصبه سوى ثلاثة أيام، حالة الطوارئ، متعهدا بالإشراف على عملية إنقاذ منسقة للتعامل مع تداعيات الزلزال.
كما أفاد الرئيس دي لا إسبيريا بأن التقارير الأولية تشير إلى فقدان 188 شخصا في مدينة كالي وحدها، معلنا أن ممثلي الحكومة المركزية سيتولون إدارة مراكز القيادة الموحدة في المناطق المتضررة، مع نقل صلاحيات التنسيق في هذا المجال من حكومات المقاطعات إلى السلطات المركزية.
وقال: "لا أريد جهات تتحرك بشكل منفرد"، مشيرًا إلى أنه يعتزم التوجه خلال الأيام المقبلة إلى منطقة محور القهوة للوقوف على تداعيات الزلزال.
وشدد على أن المعلومات الرسمية بشأن الكارثة ستصدر حصريًا عن الرئاسة، قائلًا: "المعلومات تصدر من رئاسة الجمهورية، وليس من أي جهة أخرى تابعة للدولة الكولومبية".
"يأس" بين السكان
تعود شدة الكارثة أيضا إلى سلسلة الهزات الارتدادية التي أعقبت الزلزال الرئيسي، إذ سجلت هيئة الجيولوجيا الكولومبية 47 هزة ارتدادية حتى ساعات عصر الاثنين.
ويقع مركز الزلزال بالقرب من منطقة سان خوسيه ديل بالمار في مقاطعة تشوكو، التي سجلت حتى الآن 13 حالة وفاة.
ووصف ويلمر كويستا، وهو طالب قانون توجه إلى المنطقة للمساعدة في عمليات الإنقاذ، المشاهد بأنها تعكس حجم الهلع الذي أصاب السكان، قائلا إنه شاهد أشخاصا يخرجون من منازلهم عراة، وآخرين يقفزون من أسطح منازل تقع في الطابق الثاني، فيما كانت "حالة من اليأس تعم الناس".
وقال خوليان بينيا، وهو طبيب أسنان من كيبدو، عاصمة مقاطعة تشوكو، إنه ركض إلى الشارع دون أن يحمل معه أي شيء، ليجد "مئات الأشخاص" في الخارج، مشيرا إلى أن بعض المتضررين لجأوا إلى الصلاة أملا في النجاة.
وفي مدينة بيريرا، استُحضرت ذكريات زلزال عام 1999 الذي أودى بحياة نحو 1200 شخص. وقد أُبلغ عن عشرات الوفيات جراء الزلزال الجديد.
وقال خوان ديفيد غايتان، وهو عامل لحسابه الخاص، إن المدينة تعاني انقطاعا في الكهرباء، مضيفا: "بصراحة، يبدو الأمر وكأننا في مدينة للأموات الأحياء، إنه أمر محزن للغاية".
أما أندريس هيرنانديز، وهو فنان وشم، فقال إنه لا يزال عاجزا عن استيعاب ما حدث، واصفا المشهد بأنه بدا وكأنه "مشهد من فيلم سينمائي"، بعدما رأى الأعمدة والكابلات وكل شيء يتأرجح، مضيفا أنه يشعر بالقلق على عائلته وأصدقائه.
وفي مانيزاليس المجاورة، التي تبعد نحو 50 كيلومترا، انهار أحد أبراج الكاتدرائية جراء الهزة.
أما في العاصمة بوغوتا، فقد غادر السكان مبانيهم لفترة وجيزة صباح الاثنين، وكان بعضهم لا يزال يرتدي ملابس النوم، قبل أن يعودوا إليها، في وقت لم ترد فيه تقارير عن أضرار جسيمة في العاصمة.
تضامن دولي واسع
امتدت هزات الزلزال الذي ضرب كولومبيا إلى دول مجاورة، بينها الإكوادور وبنما وفنزويلا، فيما تواصل فرق الإنقاذ عمليات البحث عن ناجين وانتشال الضحايا من المناطق المتضررة.
وتقع كولومبيا والدول المجاورة المتأثرة بالهزة ضمن نطاق "حزام النار" في المحيط الهادئ، وهي منطقة تشهد نشاطًا زلزاليًا وبركانيًا مكثفًا بسبب حركة الصفائح التكتونية، ولا سيما صفيحتي نازكا والكاريبي اللتين تنغرز إحداهما أسفل صفيحة أميركا الجنوبية.
وأثارت الكارثة موجة تضامن دولية واسعة، إذ أعربت دول عدة في أمريكا اللاتينية، إلى جانب إسرائيل وإسبانيا وفرنسا، عن دعمها لكولومبيا وسكان المناطق المنكوبة، في وقت تتواصل فيه جهود الإغاثة وتقييم حجم الأضرار.
وأعلن الاتحاد الأوروبي تفعيل خدمة الأقمار الاصطناعية "كوبرنيكوس" للمساعدة في رصد المناطق المتضررة ودعم عمليات الإنقاذ وتقييم الأضرار الناجمة عن الزلزال.
كما عرضت الولايات المتحدة، التي تربطها علاقات تحالف بالحكومة الكولومبية الجديدة، تقديم مساعدات بقيمة 15.5 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة الطارئة والتعامل مع تداعيات الكارثة.
وفي المكسيك، أعربت الرئيسة كلوديا شينباوم عن تضامنها مع كولومبيا، مؤكدة استعداد بلادها لتقديم المساعدة اللازمة. وأفادت وسائل إعلام مكسيكية بأن الحكومة وضعت إمكاناتها المتاحة تحت تصرف السلطات الكولومبية للمساهمة في جهود الإغاثة.
من جهتها، عبّرت زعيمة المعارضة الفنزويلية ماريا كورينا ماتشادو عن تضامنها مع المتضررين، مشددة على أهمية التضامن الدولي في مواجهة الكوارث الطبيعية واسعة النطاق، ومستحضرة تجربة فنزويلا مع الزلازل والكوارث.
وتأتي هذه المواقف في أعقاب زلزالين قويين ضربا الساحل الفنزويلي أواخر حزيران/يونيو، بلغت قوتهما 7.2 و7.5 درجات، وفق المعطيات الواردة في المصدر، وتسببا في أضرار وخسائر بشرية كبيرة.
وفي إسبانيا، أعرب رئيس الوزراء بيدرو سانشيث عن تضامنه مع الشعب الكولومبي، مؤكدًا استعداد بلاده لتقديم المساعدة اللازمة. ولم ترد حتى الآن تقارير عن وجود مواطنين إسبان بين الضحايا، بينما لا تزال حصيلة الزلزال أولية وقد ترتفع مع استمرار عمليات البحث.
ووصلت موجة التضامن إلى الوسط الفني والرياضي أيضًا، إذ عبّرت المغنية الكولومبية شاكيرا عبر منصة "إكس" عن دعمها لبلادها، متمنية لها "كل قوتها وحبها".
وفي كرة القدم، انعكست تداعيات الزلزال على المنافسات المحلية والقارية، بعدما تقرر تأجيل عدد من المباريات المقررة هذا الأسبوع، من بينها مواجهتان في كولومبيا ضمن بطولتي "كوبا ليبرتادوريس" و"كوبا سود أميركانا".