انتقد البيت الأبيض، الأربعاء، قرار الاحتياطي الفدرالي الأميركي برفع معدلات الفائدة، واصفاً إياه بأنه "مؤسف".
رفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، في أول قرار نقدي برئاسة كيفن وارش، أسعار الفائدة بمقدار 0.25 نقطة مئوية، متحدياً بذلك الضغوط التي مارسها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب طوال أشهر لخفضها، في خطوة انتقدها البيت الأبيض ووصفها بأنها "مؤسفة"، في ظل استمرار التضخم عند مستويات مرتفعة.
وصوّت أعضاء اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة، الأربعاء، بالإجماع بواقع 12 صوتاً، على رفع نطاق الفائدة من 3.5–3.75 في المئة إلى 3.75–4 في المئة، منهين بذلك فترة تثبيت استمرت منذ كانون الأول/ديسمبر، بعدما أصبح الإبقاء عليها أكثر صعوبة مع ارتفاع تكاليف الطاقة وتصاعد الضغوط التضخمية.
"قرار مؤسف"
وانتقد البيت الأبيض قرار رفع أسعار الفائدة، رغم مطالب ترامب المتكررة بخفضها.
وقال المتحدث باسم البيت الأبيض كوش ديساي، لشبكة "فوكس نيوز": "من وجهة نظر الإدارة، لم يستند القرار المؤسف إلى حدّ ما، الذي اتخذه الاحتياطي الفيدرالي اليوم برفع أسعار الفائدة، إلى مبررات اقتصادية مقنعة بصورة خاصة".
"قرارنا استند إلى تقييم الوضع"
وشدّد وارش، خلال مؤتمر صحافي أعقب الاجتماع، على أن قرار رفع أسعار الفائدة لم يتأثر بتحركات الأسواق المالية، قائلاً: "اتخذنا هذا القرار اليوم بناءً على تقييمنا للوضع. سأراقب أسعار السوق وأرى ما الذي تقوله، لكن القرار الذي اتُّخذ اليوم كان قرارنا".
وجاء رد فعل الأسواق محدوداً، بعدما كانت قد أخذت الزيادة في الحسبان إلى حدّ كبير، إذ وضعت أداة "فيد ووتش" التابعة لمجموعة "سي إم إي" احتمال رفع الفائدة عند أكثر من 90 في المئة قبل صدور القرار.
ولم تُسجّل مؤشرات وول ستريت الرئيسية تحركات كبيرة، كما بقيت عوائد سندات الخزانة الأميركية لأجل عشر سنوات شبه مستقرة، بعدما ارتفعت خلال الأيام الماضية بفعل تصاعد المخاوف حيال التضخم على المدى الطويل.
بيان مقتضب ورسالة حازمة
جاء بيان الاحتياطي الفيدرالي مقتضباً بصورة لافتة، إذ اقتصر على ثلاث فقرات قصيرة، من دون توجيهات مستقبلية أو عبارات تحوّطية اعتادت الأسواق ورودها في بيانات البنك.
وقال الاحتياطي الفيدرالي إن "التضخم لا يزال مرتفعاً"، معتبراً أن إجراء السياسة النقدية المتخذ سيدعم "عودة أسرع" إلى هدف اللجنة البالغ 2 في المئة.
وحمل البيان لهجة حازمة، إذ أكد أن "اللجنة ستحقق استقرار الأسعار"، بدلاً من الاكتفاء بالتعبير عن السعي إلى ذلك أو الالتزام به.
كما قدّم تقييماً إيجابياً لأداء الاقتصاد، مشيراً إلى أن النشاط "يتوسع بوتيرة قوية"، وأن الإنفاق المحلي "أظهر مرونة"، ونمو الإنتاجية "قوي"، والاستثمار الرأسمالي "متين"، فيما واكبت مكاسب الوظائف نمو القوة العاملة.
وفي المقابل، أقرّ البنك بأن حالة عدم اليقين لا تزال مرتفعة جزئياً بسبب "التطورات الجيوسياسية"، في إشارة إلى الحرب على إيران وتداعياتها على أسعار الطاقة.
التضخم يدفع نحو التشدد
جاء القرار بعدما أظهرت المؤشرات أن الضغوط التضخمية لم تتراجع بالسرعة المطلوبة. فقد بلغ مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي، وهو المقياس المفضل لدى الاحتياطي الفيدرالي، 3.7 في المئة في حزيران/يونيو وتموز/يوليو، فيما سجّل التضخم الأساسي 3.3 في المئة، مقارنةً بـ3 في المئة قبل ارتفاع أسعار الوقود على خلفية الحرب على إيران.
واستقر مؤشر أسعار المستهلك عند 3.4 في المئة في آب/أغسطس، من دون تغيير عن الشهر السابق، إلا أن الزيادة الشهرية البالغة 0.4 في المئة كانت الأكبر منذ أيار/مايو، في مؤشر إلى انتقال تداعيات صدمة الطاقة إلى قطاعات الاقتصاد.
وبذلك، يكون التضخم قد ظل أعلى من هدف الاحتياطي الفيدرالي البالغ 2 في المئة لأكثر من خمس سنوات، متأثراً أيضاً بالرسوم الجمركية التي فرضها ترامب والطفرة المستمرة في قطاع الذكاء الاصطناعي.
وقالت كبيرة الاقتصاديين في شركة "كيه بي إم جي"، ديان سوانك، إن التضخم "انتشر في مختلف أنحاء الاقتصاد وبدأ يترسخ في سلوك المستهلكين والشركات، وهو تحديداً ما يتعين على الاحتياطي الفيدرالي منعه".
مؤشرات سبقت القرار
كانت ملامح التحول في السياسة النقدية قد بدأت تظهر خلال اجتماع تموز/يوليو، عندما صوّت ثلاثة من رؤساء البنوك الإقليمية لمصلحة رفع أسعار الفائدة، في أكبر اعتراض جماعي في اتجاه واحد منذ عام 2016.
وأعلن عدد من المسؤولين لاحقاً استعدادهم للتحرك ما لم يتراجع التضخم، وهو ما لم يحدث. كما مهّد وارش للقرار خلال ندوة جاكسون هول في آب/أغسطس، حين قال إنه "سيجد صعوبة بالغة في وصف الظروف المالية العامة بأنها تقييدية".
وحذّر حينها من أنه إذا لم يتحرك التضخم الأساسي نحو المستوى المستهدف "بوضوح وبسرعة كافية"، فسيكون أمام الاحتياطي الفيدرالي "عمل يتعين عليه القيام به".
وارش يبتعد عن توجهات ترامب
يحمل القرار دلالات سياسية بارزة، إذ جاء مخالفاً لمطالب ترامب الذي أمضى أشهراً داعياً إلى خفض أسعار الفائدة، ومصراً على أن تتمتع الولايات المتحدة بأدنى معدلات فائدة في العالم.
وكان ترامب قد اختار وارش لرئاسة الاحتياطي الفيدرالي جزئياً على أساس توقعه أن يدفع باتجاه خفض الفائدة، بعدما قال وارش خلال سعيه إلى تولي المنصب إن أسعار الفائدة يمكن أن تنخفض.
لكن القرار الأول لوارش جاء في الاتجاه المعاكس، وبدعم كامل من أعضاء اللجنة، ما قد يسهم في ترميم صورة استقلالية البنك المركزي بعد الضغوط السياسية التي تعرض لها خلال الفترة الماضية.
"نبقى ضمن حدود اختصاصنا"
وأكد وارش أن استقلالية البنك المركزي تنبع من تركيزه على أهدافه وعدم تدخله في مجالات السياسة الحكومية، قائلاً: "يكمن جزء من استقلالية مجلس الاحتياطي الفيدرالي في التزامنا حدود اختصاصنا، وترك القائمين على السياسات التجارية والمالية يلتزمون بدورهم حدود اختصاصاتهم أيضاً".
وأضاف: "وهكذا يمكننا أن نقف هنا ونعبّر عن الأمور كما نراها".
وتأتي تصريحاته في ظل حملة غير مسبوقة شنّها ترامب للضغط على الاحتياطي الفيدرالي، شملت توجيه انتقادات متكررة إلى رئيسه السابق جيروم باول، الذي فتحت وزارة العدل الأميركية تحقيقاً جنائياً بشأن إفادة أدلى بها أمام الكونغرس، إلى جانب استمرار محاولات الإدارة إقالة عضوة مجلس الاحتياطي الفيدرالي ليزا كوك.
وكان المستشار الاقتصادي البارز لترامب، كيفن هاسيت، قد دعا عشية الاجتماع إلى عدم رفع الفائدة، لكنه أكد أن البيت الأبيض "سيتفهم القرار ويحترمه".
زيادة أخرى مرتقبة قبل نهاية العام
أظهر ملخص التوقعات الاقتصادية الجديد أن 12 من أصل 18 مسؤولاً في الاحتياطي الفيدرالي يتوقعون رفع الفائدة مرة إضافية بمقدار 25 نقطة أساس قبل نهاية العام، لتصل إلى 4.125 في المئة، فيما يتوقع أربعة مسؤولين تنفيذ زيادتين إضافيتين ووصولها إلى 4.375 في المئة.
وتمتد الإشارات المتشددة إلى ما بعد عام 2026، إذ يتوقع 14 مسؤولاً أن تنهي أسعار الفائدة عام 2027 فوق مستواها الحالي، بينما ارتفع متوسط التوقعات لعام 2028 إلى 3.9 في المئة، مقارنةً بـ3.4 في المئة سابقاً.
كذلك ارتفع تقدير سعر الفائدة على المدى الطويل إلى 3.2 في المئة، ما يشير إلى اعتقاد متزايد لدى المسؤولين بأن مستوى الفائدة المحايد أصبح أعلى.
ورفع البنك توقعاته لمؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي بمقدار 0.1 نقطة مئوية، إلى 3.7 في المئة بحلول نهاية العام، كما زاد توقعاته لنمو الناتج المحلي الإجمالي إلى 2.3 في المئة.
تثبيت المسار عند المستوى الجديد
تشير التفاصيل الفنية للقرار إلى أن الاحتياطي الفيدرالي يتجه إلى تثبيت سياسته عند المستوى الجديد، إذ يرتفع سعر الفائدة على أرصدة الاحتياطي إلى 3.90 في المئة اعتباراً من الخميس، وسعر الائتمان الأساسي إلى 4 في المئة، فيما ستُنفّذ عمليات إعادة الشراء الدائمة عند المستوى نفسه.
وطلبت سبعة بنوك احتياط إقليمية رفع سعر الخصم، في مؤشر إضافي إلى اتساع التأييد داخل منظومة الاحتياطي الفيدرالي لتشديد السياسة النقدية.
ويواجه البنك المركزي مهمة مزدوجة تتمثل في تحقيق أقصى مستوى من التوظيف وإعادة التضخم إلى هدفه البالغ 2 في المئة، مع الحفاظ على استقلاليته في مواجهة الضغوط السياسية، بعدما اختار في أول تحرك بقيادة وارش إعطاء الأولوية لاستقرار الأسعار.