عاجل
المعذرة، هذه المادة غير متوفرة في منطقتكم

سباق جيوسياسي نحو إيجاد لقاح لكوفيد-19 .. المصالح على حساب السلامة

محادثة
سباق البحث عن لقاح مضاد لفيروس كورونا المستجد
سباق البحث عن لقاح مضاد لفيروس كورونا المستجد   -   حقوق النشر  أ ب
حجم النص Aa Aa

منذ بداية تفشي وباء كوفيد-19 في كانون الأول/ ديسمبر الماضي، أصبح البحث عن لقاح فعال ضد هذا المرض القاتل قضية رئيسية للدول الكبرى، من الناحية الصحية والاقتصادية والدبلوماسية.

سباق حقيقي تخوضه الدول والمختبرات مع الزمن، بشكل لم تعرفه البشرية من قبل، لأن التوصل للقاح سيكون له رهانات جيوسياسية مستقبلاً وسط اختلال التوازن بين قوى الشرق والغرب.

إذا كان من الضروري أن نرسم على خريطة العالم مراكز البحث الرئيسية لقاح المضاد للفيروس التاجي، فستكون هناك دائرة في الولايات المتحدة وأخرى في أوروبا وثالثة في روسيا ورابعة في الصين وخامسة في الهند، في الوقت الذي تنعدم فيه الجسور بين هذه الأقطاب بفعل صراع المصالح.

لعبة اللقاح الجيوسياسية التي لم تمر مرور الكرام على من يؤمن بنظرية المؤامرة وحتى مناصري أحزاب اليمين المتطرف، حولت الوباء من ظاهرة صحية إلى لعبة سياسية يرسم خيوطها الكبار ويدفع ثمنها الصغار.

لعبة ترامب مع اللقاح

كانت الولايات المتحدة الأمريكية، البلد الأول الذي يعلن عن تاريخ توفر اللقاح في السوق، وكان ذلك في نيسان/ أبريل الماضي، حين بدأ الفيروس يجتاح البلاد واكتسح المصابون المستشفيات وفرضت السلطات تدابير إغلاق معظم الولايات المتحدة.

الإعلان صدر من طرف وزارة الصحة والخدمات الإنسانية خلال عرض تفصيلي للبيت الأبيض. العرض الوزاري الأمريكي ركز على أن تطويراً سريعاً للقاح ضد فيروس كورونا يعد أفضل أمل للسيطرة على الوباء، قبل أن تختم الوزارة بالقول أن اللقاح سيكون متوفراً للجمهور بحلول شهر تشرين الأول/ أكتوبر 2020.

هذا التاريخ "الهام" في رزنامة الولايات المتحدة كتب بالبنط العريض على بيانات عرض وزارة الصحة الأمريكية وإن لم يرتكز على معطيات علمية دقيقة إلا أنه بعث الأمل للبشرية وزرع روح المنافسة ونزعة الفوز بجائزة القوة لدى الدول المتنافسة. وبدأت خلفيات هذا الإعلان المبكر في الظهور للعامة بعد تصريحات خبير الأمراض المعدية الأمريكي أنطوني فاوتشي، ليتبين في النهاية أن أقوى دولة في العالم وضعت السباق الإنتخابي الرئاسي المقرر في تشرين الثاني/ نوفمبر المقبل مرجعاً لها.

وبالنظر إلى أن تطوير اللقاحات يستغرق عادةً سنوات طويلة، فإن الجدول الزمني للإعلان الأمريكي كان طموحًا بشكل غير قابل للتصديق، ولم يكن في آخر المطاف سوى لعبة سياسية يتقاطع موعدها بشكل جيد مع حاجة الرئيس ترامب للحد من تفشي الفيروس قبل الانتخابات الرئاسية، التي ولأول مرة يفتح المجال بشأن إمكانية تأجيلها.

روسيا وإعلان الدواء المعجزة ومخاوف السلامة

أعلنت روسيا هذا الأسبوع أن الإنتاج الصناعي للقاحين ضد مرض كوفيد-19، طورهما باحثون من مراكز حكومية، سيكون اعتباراً من شهري أيلول/ سبتمبروتشرين الأول/ أكتوبر المقبلين.

وحتى وإن لم تكشف روسيا البيانات العلمية التي تثبت فعالية لقاحاتها وسلامتها إلا أن الإعلان بدأ في تغيير موازين القوى الوهمية.

سارعت الكثير من الدول التي ترزح تحت نير الجائحة إلى الإشادة بعلاقاتها المتينة مع روسيا على أمل الحصول على اللقاح "المنتظر" بصفة أولوية.

أهمية لقاح كورونا جعلت بكيريل ديميترييف رئيس الصندوق السيادي الروسي الذي يمول تطوير أحد اللقاحين يصف السباق الحالي حول لقاح مضاد لمرض كوفيد-19 بسباق استكشاف الفضاء.

أثار الإعلان الروسي مخاوف من أن تبدأ موسكو التلقيح وتعلن فوزها في السباق على لقاح فيروس كورونا دون اختبار منتجها بالكامل.

تخطط روسيا لإطلاق حملة تطعيم على مستوى البلاد في تشرين الأول/ أكتوبر المقبل باستخدام "لقاح" لم تنته بعد تجاربه السريرية، مما يثير القلق الدولي بشأن الأساليب التي تستخدمها البلاد للتنافس في السباق العالمي لتلقيح الجمهور، وقال وزير الصحة ميخائيل موراشكو السبت، إن الخطة ستبدأ بتطعيم المعلمين والعاملين في مجال الرعاية الصحية.

أ ب
التجربة السريرية لدراسة السلامة في المرحلة الأولى للقاح محتملأ ب

بلوغ موسكو نهاية السباق كأول الواصلين سيكون فخراً وطنياً، خاصة وأنها تستخدم هذا السباق وراء "اللقاح المعجزة" كأداة دعائية حتى في غياب الأدلة العلمية المنشورة.

ورداً على الخطة الروسية، حذر خبير الأمراض المعدية الأمريكي أنطوني فاوتشي، عضو خلية مكافحة فيروس كورونا المستجد في الولايات المتحدة من سلامة اللقاحات التي يتم تطويرها حالياً سواء في روسيا أوالصين.

وقال فاوتشي خلال جلسة استماع أمام الكونغرس الأمريكي: "آمل حقا أن يجري الصينيون والروس إختبارات مدققة على لقاحاتهم قبل استخدامها على مواطنيهم".

الصين مصدر الفيروس التاجي تضاعف الجهود

من جهتها، أعلنت الصين أن أحد اللقاحات المحتملة المضادة لفيروس كورونا ستكون جاهزة قبل نهاية العام الجاري. الإعلان جاء على لسان رئيس المجمع الصيني للصناعات الصيدلانية، لوي جينغزهان، الذي قال للتلفزيون الصيني إن شركته ستجري المرحلة الأخيرة من الاختبارات على البشر في غضون ثلاثة أشهر. وكانت الشركة قد أعلنت في يونيو/حزيران الماضي عن تأخر الاختبارات إلى العام المقبل لقلة عدد الإصابات الجديدة في الصين.

ويبدو وأن البلد الإشتراكي الذي شهد أول إصابة بفيروس كورونا المستجد لم يرد أن يخرج مهزوماً من السباق الذي رسمت معالمه أول إصابة بالفيروس في منطقة ووهان، كما فضل استغلال تفشي المرض في باقي دول العالم لإستئناف أبحاثه حول اللقاح في إطار المرحلة الثالثة على آلاف الأشخاص في الإمارات. وتجري شركة صينية أخرى، تستعمل تقنيات مماثلة، اختبارات على البشر للقاح مضاد لفيروس كورونا في البرازيل.

كما تستثمر الصين التي تشهد حرباً باردة مع الولايات المتحدة الأمريكية، كل قواتها لكسب سباق اللقاح من خلال تسخير شركة كانسينو ووحدة البحوث العسكرية لتطوير اللقاح.

بحسب المعلومات الواردة من بكين فإن النتائج الأولية لهذا اللقاح تبدو إيجابية في المراحل الأولى. وبالفعل بدأت الصين في بناء مصنع عملاق لإنتاج ملايين الجرعات من المصل الواقي من الإصابة بالمرض. وفي حالة بلوغ الصين هدفها فستكون فرصة لها للانتقام من الولايات المتحدة سواء فيما يتعلق بالعقوبات الإقتصادية التي فرضتها عليها أو التنديد بسياسة القمع في هونغ كونغ وكذلك مسألة الهجمات الإلكترونية وحتى ملف المسلمين الإيغور.

الهند تعتمد تسهيلات تنظيمية لإجراء التجارب البشرية

تطور الهند لقاح "كوفاكسين" المضاد لفيروس كورونا المستجد من خلال شركة "بهرات بيوتيك إنديا" بالتعاون مع المعهد الوطني للفيروسات. وتباشر البلاد التي تسجل أكثر من مليون حالة إصابة وأكثر من 30 ألف وفاة، الجزء الثاني من المرحلة الأولى من الاختبارات على اللقاح والتي أظهرت بحسب القائمين على الأبحاث نتائج مرضية.

وأضافت "تم الانتهاء من الجزء الأول من المرحلة الأولى من تجربة اللقاح كوفاكسين، وتم إعطاء اللقاح 50 شخصاً في جميع أنحاء الهند وكانت النتائج مشجعة".

"أسترا زينيكا" وجامعة أكسفورد من جهة و"بيونتيك-فايزر" و"فالنيفا" من جهة أخرى

تعمل جامعة أكسفورد على تطوير لقاح محتمل مضاد لفيروس كورونا المستجد بالشراكة مع مختبرات "أسترازينيكا" البريطانية وتمويل أمريكي. وقالت الجامعة إن النتائج الأولية قد أظهرت "استجابة مناعية قوية" على أكثر من ألف مريض.

في حين أعلنت الحكومة البريطانية اتفاقاً لإنتاج 90 مليون جرعة من لقاحين آخرين قيد التطوير، من تصنيع تحالف "بيونتيك-فايزر" الألماني-الأمريكي ومختبرات "فالنيفا" الفرنسية.

على الضفة الأخرى.. نظرية المؤامرة تنتعش في شوارع برلين

في مقابل كل ذلك، هناك من يحاول سحب البساط في الاتجاه الآخر تماماً، صحياً وسياسياً.

تظاهر آلاف من مناهضي التدابير التي تحدّ من الحريات الفردية لمكافحة وباء كوفيد-19، بعد ظهر السبت في وسط برلين قبل أن تفرقهم الشرطة. وشارك نحو 20 ألف شخص في التظاهرة التي ضمت مفكرين وناشطين مناهضين للقاحات، وآخرين يؤمنون بنظرية المؤامرة وحتى مناصرين لليمين المتطرف، تحت عنوان "نهاية الوباء - يوم الحرية".

ونددت الحكومة الألمانية الاثنين بالسلوك "غير المقبول" الذي سجل في برلين السبت خلال تظاهرة ضد تدابير مكافحة فيروس كورونا المستجد في البلاد. وقالت الناطقة باسم المستشارية اولريكي ديمر "إن التظاهرات السلمية مهمة" لكن "المشاهد التي رأيناها نهاية هذا الأسبوع غير مقبولة" و "سلوك العديد من المتظاهرين غير مبرر على الإطلاق" مشيرة إلى "الانتهاكات الجسيمة" للقواعد الصحية.

أ ف ب
الاحتجاجات على تدابير احتواء كورونا في ألمانياأ ف ب

وأشارت ديمر إلى أن المتظاهرين الذين لم يحترموا ترك مسافة بين شخص وآخر، "أساؤوا استخدام الحق الثمين المتمثل في حرية التظاهر"، بعدما أثارت التظاهرة جدلاً حاداً في ألمانيا. كما دانت ديمر "التصريحات المسيئة للكرامة الإنسانية" والعقبات التي تسبب بها بعض المشاركين "واعترضت عمل الصحافة".

وانتهت التظاهرة بعدما فرقّت الشرطة الحشد إثر دعواتها المتكررة المتظاهرين عبر مكبرات الصوت الى احترام التباعد الجسدي. وأصيب نحو 45 شرطيا بجروح في موجة احتجاجات نهاية الأسبوع في برلين، وفق ما أفادت الشرطة.

وعلى رغم تسجيل ألمانيا حصيلة منخفضة نسبياً للوفيات جراء كورونا لم تتجاوز 9200 حالة، فإن السلطات أعربت عن قلقها حيال ارتفاع عدد الإصابات خلال الأسابيع الأخيرة.

منظمة الصحة تستبعد التوصل إلى حل نهائي للفيروس التاجي

وفي الوقت الذي يشتد فيه التنافس على التوصل إلى اللقاح وتخصيص ميزانيات مالية ضخمة، تعتقد منظمة الصحة العالمية أنه قد لا يكون هناك حل لأزمة كوفيد-19، حيث حذّرت المنظمة الإثنين من أنه قد لا يكون هناك "حل سحري" إطلاقاً لكورونا المستجد، رغم المساعي الدولية لتطوير لقاح فاعل ضد الفيروس.

وقال مدير المنظمة تيدروس أدهانوم غيبرييسوس في مؤتمر صحفي عقد عبر الإنترنت من جنيف "ليس ثمة حل سحري حالياً وقد لا يكون هناك (حل) إطلاقا"، وأضاف "التجارب السريرية تعطينا أملاً، هذا لا يعني بالضرورة أنه سيكون لدينا لقاح" فعّال، خصوصاً مع مرور الزمن. لكنّه أكد أنه يمكن السيطرة على الفيروس، خصوصاً عبر القيود و"الممارسات الجيدة" و"الالتزام السياسي".

وأشار إلى أن لجنة الطوارئ التابعة للمنظمة التي اجتمعت الجمعة "كانت واضحة جداً: عندما يعمل القادة بشكل وثيق جداً مع الشعوب، يمكن السيطرة على المرض". وأوضح أنه "يجب احتواء ارتفاع عدد الإصابات" و"إجراء فحوص وعزل ومعالجة المرضى والبحث عن الأشخاص الذين خالطوهم وفرض حجر صحي عليهم" فضلاً عن "التثقيف".

viber