عاجل
المعذرة، هذه المادة غير متوفرة في منطقتكم

قصة جنرال عراقي أسر طياريْن أمريكيين بعاصفة الصحراء.. يساعدانه الآن على الحصول على اللجوء في بلدهما

عدد من الطيارين الأمريكيين في استراحة بعد تنفيذ غارات على أهداف في العراق خلال حرب الخليج الثانية في حملة عاصفة الصحراء. 24/02/1991
عدد من الطيارين الأمريكيين في استراحة بعد تنفيذ غارات على أهداف في العراق خلال حرب الخليج الثانية في حملة عاصفة الصحراء. 24/02/1991   -   حقوق النشر  Gill Allen/AP1991
حجم النص Aa Aa

في 15 تشرين الثاني / نوفمبر 2012، جلس خمسة رجال لتناول العشاء في مطعم "تيد مونتانا غريل" في كريستال سيتي بولاية فيرجينيا. من يراهم يتصور أنهم أصدقاء أو زملاء، يستعيدون ذكريات الأيام الماضية. لم تعط محادثتهم الودية أي تلميح او إشارة إلى حقيقة أنه قبل عقدين، كان ثلاثة من هؤلاء الرجال أعداء في حرب الخليج الثانية.

أسر ليث منير، الجنرال السابق في الجيش العراقي الطيارين الأمريكيين بوب ويتزل وجيف زون، عندما أسقطت طائرتهما في الصحراء العراقية، ومنع منير الذي كان يقود فرقة بحث عنهما الجنود من قتلهما.

الآن، بعد نحو عقد من الزمن، لا يزال منير، 74 عاماً، في الولايات المتحدة ويكافح من أجل الحصول على حق اللجوء، ناهيك عن الحصول على البطاقة الخضراء. ويتزل وزون ملتزمان بمساعدة آسرهما الذي تحول إلى صديق ليصبح مواطناً .

17 كانون الثاني / يناير 1991

كانت مهمة الطيارين، واثنين آخرين من زملائهما، شل قدرات قاعدة H-3 الجوية والدفاعات الصاروخية ضد الطائرات المنتشرة فيها، خلال حرب الخليج الثانية عام 1991.

دخل الطيارون الذين كانوا يقودون طائرة من طراز A-6 الحدود العراقية على علو منخفض، هدفهما ضرب قواعد الدفاع الجوية العراقية، ترافقهم طائرات مقاتلة وطائرات تشويش على الرادار. جزء أساسي من الحرب الجوية في عملية عاصفة الصحراء، التي بدأت قبل أقل من 24 ساعة.

على بعد 10 أميال من قاعدة H-3 (ما يزيد قليلاً عن دقيقة بسرعة 450 عقدة)، أطلق الدفاع الجوي صاروخ أرض-جو. بعد حوالي 30 ثانية، مر صاروخ آخر من اليمين.

لم يكن محظوظاً جداً حين أطلق الصاروخ الثالث

وبينما كان ويتزل يراقب الصاروخ الذي أفلت منه وهو يمر بعيدا عنه، هز انفجار صاروخ سام لم يره الطياران قادما قبل أن يضرب المحرك الأيمن للطائرة بعنف.

بينما كان ويتزل يرصد الصاروخ الذي أفلت منه وهو يواصل تجنبه، هز انفجار صاروخ سام ثالث لم يره قادماً، اصطدم بالمحرك الأيمن واهتزت الطائرة بعنف وأضاءت أضواء التحذير قمرة القيادة.

قفز الطياران من الطائرة، لكن الخروج تسبب في فقدانهما الوعي وأصيب ويتزل بكسور متعددة في العظام، وعلى الرغم من حالتهما السيئة فقد عرفا، بعد استعادة وعيهما، إنهما بحاجة للتحرك لأنهما سقطا على مقربة من القاعدة.

ساعد زون ويتزل في إزالة حزام المظلة الخاص به، قفزا من الطائرة، لكنهما فقدا الوعي وأصيب ويتزل بكسورعدة في العظام، وعلى الرغم من حالتهما السيئة، بعد ان استعادا وعيهما، عرفا بضرورة تحركهما لأنهما سقطا على مقربة من القاعدة.

بدأ الأثنان يسيران ويزحفان فوق الكثبان الرملية شديدة الانحدار في اتجاه الحدود الأردنية إلى الجنوب الغربي. قطعا مسافة نصف ميل فقط، بعدها استدارا فشاهدا عربات عسكرية تبحث عنهما فعرفا أن القبض عليهما حتمياً.

بعد ذلك، خشية من دهسهما، لوح زون بيديه لسيارة عسكرية كانت تقترب مسرعة منهما ليستسلم الطياران للقوات العراقية.

ملأت نيران الأسلحة الصغيرة الأجواء، إشارة العراقيين إلى أنهم عثروا على الرجال. بدأ عدد من القوات العراقية في التجمع، وسرعان ما بدأ الحشد الغاضب يركل الطيارين.

ظهرت مجموعة جديدة في الموقع، ضابط في القوات الجوية العراقية وطاقمه، أصدروا أمراً بالتزام النظام.

قال ويتزل: "كان مع بعض قواته وشكل دائرة صغيرة من حولنا مع رفاقه، ربما ثمانية أو عشرة رجال، كانوا يحموننا من هذا الحشد الغاضب وأخذونا إلى سيارته الجيب".

تأكد الضابط من تسليم الطيارين بأمان إلى قاعدة H-3 وإلى المستوصف، حيث تم تقديم الرعاية الطبية لهما حتى صباح اليوم التالي، عندما تم نقلهما إلى بغداد.

"أنقذ منير حياتنا في تلك الليلة، نقلونا إلى سيارته الجيب، وحرص على أن نسلم بأمان إلى مستوصف القاعدة حيث تلقينا الرعاية الصحية قبل أن ننقل إلى بغداد بسيارته الشخصية وسائقه الشخصي"، قال ويتزل في تصريحات سابقة.

قاعدة H-3 الجوية

كان الجنرال ليث منير من قدامى المحاربين المحنكين في سلاح الجو العراقي، وكطيار مقاتل، أمضى السنوات الأولى من حياته المهنية في التدريب في باكستان والعراق على منصات أميركية وروسية الصنع، بما في ذلك طائرات T-37 وF-86 وMiG 21s و 23s.

كان اللواء ليث منير من المحاربين المخضرمين في سلاح الجو العراقي. كطيار مقاتل، أمضى السنوات الأولى من حياته المهنية في التدريب في باكستان والعراق على منصات أمريكية وروسية الصنع بما في ذلك طائرات T-37s و F-86s و MiG 21s و 23s.

كما خدم في مهام طيران لدول حليفة مثل الهند ومصر.

وفي عام 1991، شغل منصب قائد قاعدة H-3، وهي قاعدة جوية عراقية تبعد حوالي 300 ميل غرب من بغداد في محافظة الأنبار.

أمر منير ضرب الطائرات المهاجمة، بعد أن اكتشفها الرادار العراقي قبل دقائق من وصولها.

رافق منير الطيارين الأميركيين وأوصلهما بأمان إلى سيارته الجيب ثم تركهما في مستوصف القاعدة تحت مراقبة الحراس الذين كانوا مصدر ثقة بالنسية له.

أنذاك، كانت حكومة صدام حسين قد عرضت مكافآت للمواطنين الذين يجلبون مقاتلين أعداء، أحياء أو أموات، لكن العسكريين لم يكونوا مؤهلين للحصول على مثل هذه المكافآت، لذلك أراد بعض الجنود والطيارين العراقيين تسليم الطيارين إلى السكان المحليين وتسلم الجائزة، وفقاً لمنير.

على الرغم من الضغوط التي قام بها مسؤولون آخرون في القاعدة، لم يسمح لهم منير بأخذ السجناء. وفي اليوم التالي، أرسل اللواء أسرى الحرب الاثنين إلى بغداد.

قال منير: "[ويتزل وزون] كانوا خائفين من هؤلاء الناس". "بصفتي قائد القاعدة، أصدرت أمري:" توقفوا عن إطلاق النار، ولا تؤذوا الطيارين. إنهم أسرى حرب. يجب أن نتعامل معهما وفقاً لاتفاقية جنيف ".

كانت حاملة الطائرات التي انطلق منها ويتزل وزون راسية في البحر الأحمر على بعد 500 ميل من القاعدة العراقية، ولم يكن لقادتها فكرة عن وضع الطيارين أو ما إذا كانا لا يزالان على قيد الحياة.

في ذلك الوقت، كان الطياران يتجهان إلى بغداد، وتم فصلهما ومنعهما من رؤية بعضهما لأكثر من شهر.

قام الأمن العراقي بتعذيب زون "بالمطارق المطاطية أو خراطيم المياه أو العصي"، وفقاً لتقرير"ميلتري تايمز" .

وأخبره المحققون أنهم سيقتلونه إذا لم يذهب إلى التلفزيون ليجيب على أسئلة المقابلة التي عُدت لهذا الغرض.

يقول زون "أعلموني بكل الأسئلة التي ستطرح علي مع كل الإجابات التي كان من المفترض أن أعطيها"، وأضاف قائلاً " حاولت أن أبدو غير صادق قدر الإمكان، كنت متأكداً من أن الأميركيين لن يصدقوا ما أقوله".

ومن خلال هذه المقابلة فقط، علمت عائلة زون وزملاؤه أنه لا يزال على قيد الحياة.

بعد المقابلة، نقل زون إلى عهدة الحرس الجمهوري، حيث خفت شدة الضرب والمضايقة.

وحين وصل ويتزل إلى بغداد، نقل فوراً إلى المستشفى وعولج من كسر في الزند الأيسر، وكسر في عظم العضد الأيمن، وكسر في فقراته، وكسر في الترقوة اليمنى، وكسر في إصبعه.

وبعد ستة أيام من التعافي في المستشفى، وضع هو الآخر في السجن لاستجوابه.

لم يظهر ويتزل في أي مقابلة تلفزيونية، ولغاية إطلاق سراحهما، لم تكن عائلته تعلم ما إذا كان على قيد الحياة أم لا.

الاستعداد لعاصفة الصحراء

فى 24 شباط / فبراير، اليوم الذى بدأت فيه الحرب البرية لإخراج العراق من الكويت، قصف طيارون أميركيون مقر السجن، ونتيجة لذلك نقل زون وويتزل إلى أبو غريب ثم إلى سجن آخر في بغداد، وبعد بضعة أيام أطلق سراحهما.

من بعد، رفع زون و16 أسيراً أميركيا آخر دعاوى قضائية يطالبون فيها بالتعويض بسبب المعاملة غير القانونية والتعذيب الذي تعرضوا له، وفقاً لموقع "ساوث جيرسي" الإخباري.

PASCAL GUYOT/AFP or licensors
جندي أمريكي يقف فوق دبابة أبرامز بجوار صورة لصدام حسين في ضواحي مدينة الكويت في آذار /1 مارس 1991PASCAL GUYOT/AFP or licensors

مغادرة العراق

استمر منير في العمل قائداً للقاعدة الجوية H-3 وفي القوات الجوية العراقية لسنوات بعد عاصفة الصحراء، ترك الجيش في عام 2003 حين بدأ التدخل الأميركي في العراق، وبعد إسقاط نظام صدام، خرج منير من العراق متوجهاً إلى سوريا.

انتقل منير من بعد إلى مصر حيث عمل مدرباً في الأكاديمية الجوية المصرية، كونه أحد الطيارين العراقيين الذين اشتركوا في حرب أكتوبر تحت قيادة قائد القوات الجوية آنذاك، اللواء حسني مبارك الذي أصبح رئيساً للجمهورية لاحقا، وفقاً لتقرير" ميلتري تايمز".

وصل الجنرال العراقي السابق إلى الولايات المتحدة في عام 2012 لزيارة إبنه المقيم هناك ، وبدلاً من العودة إلى مصر بعد زيارته، تقدم منير بطلب اللجوء في الولايات المتحدة عام 2012، لكنهم رفضوا طلبه.

تقدم منير بطلب لإعادة النظر به، أحيلت القضية إلى محاكم الهجرة، من المقرر أن تعقد جلسة للاستماع إلى قضيته في عام 2024.

في الأشهر التي تلت وصوله إلى الولايات المتحدة، بذل عمل منير جهداً كبيراً لتحديد مكان أسرى الحرب اللذين أنقذهما في الصحراء قبل عقود، لكن جهوده فشلت على الرغم من مساعدة ابنه ومحاميه.

وأستمرت جهود منير لغاية أن تمكن أحد أصدقائه من الاتصال بوالدة زون الذي قال إن والدته اتصلت به لتخبره أن "جنرالاً عراقياً يريد الحديث معه".

اجتمع الضباط الثلاثة مع ليث وزيا منير في 2012، وهم يجتمعون كل عام تقريباً للتحدث عن قصصهم في الحرب.

"أفكر في الأمر وما زلت أشعر بالقشعريرة"، يقول زون إنه "لأمر مدهش أننا التقينا به مرة أخرى".

بالنسبة إلى ويتزل وزاون، من الصعب أن يتخيلا أن "صديقهما غير قادر على الحصول على الجنسية بعد كل ما فعله من أجلهما".

وتعهد ويتزل بالذهاب مع زون إلى المحكمة للشهادة مع منير، مضيفاً "أعرف أن هناك الكثير من الناس وراءنا على استعداد لدعمه".

المصادر الإضافية • موقع ميليتري تايمز