عاجل
المعذرة، هذه المادة غير متوفرة في منطقتكم

شحّ في الدواء.. لبنانيون تحت رحى إحدى أسوء الأزمات الاقتصادية التي شهدها العالم منذ 150 عاما

Access to the comments محادثة
بقلم:  Mariam Chehab
مستشفلا
مستشفلا   -   حقوق النشر  Silas Camargo Silão from Pixabay
حجم النص Aa Aa

شلال من الأزمات لا يزال لبنان يرزح تحت وطأته منذ العام 2019. أزمات سياسية واجتماعية متتالية وتخبّط من هنا وآخر من هناك إلى أن وصلت الأمور إلى حافة الهاوية نتيجة أسوء أزمة اقتصادية مرّت على تاريخ لبنان منذ انتهاء الحرب الأهلية تجلّت في انهيار غير مسبوق للعملة الوطنية بلغت نسبته 90% إضافة لقطاعات الدولة التي بدأت هي أيضا بالانهيار الواحدة تلو الأخرى..

كل هذا في وقت لا تزال فيه القوى السياسية الحاكمة عاجزة عن تشكيل حكومة قادرة على إنقاذ البلاد التي بلغ حجم الدين العام فيها نحو 85.25 مليار دولار في 2020.

أسوأ الأزمات العالمية

وفي أحدث التقارير، أعلن البنك الدولي، الثلاثاء، أن "الأزمة الاقتصادية والمالية الشديدة التي يعاني منها لبنان من المرجح أن تصنف كواحدة من أسوأ الأزمات التي شهدها العالم منذ أكثر من 150 عاماً".

وتوقع البنك الدولي في تقريره، أن ينكمش إجمالي الناتج المحلي الحقيقي في لبنان، الذي يعاني من "كساد اقتصادي حاد ومزمن"، بنسبة 9.5 في المئة في العام 2021، بعد الانكماش بنسبة 20.3٪ في 2020 و 6.7٪ في العام 2019.

وقال التقرير إن الناتج المحلي الإجمالي للبنان انخفض مما يقرب من 55 مليار دولار في 2018 إلى ما يقدر بنحو 33 مليار دولار في عام 2020، بينما انخفض الناتج المحلي الإجمالي للفرد بنحو 40٪.

وأضاف التقرير أن لبنان يواجه تحديات مستعصية منذ أواخر عام 2019، من بينها أكبر أزمة اقتصادية مرت عليه إضافة إلى فيروس كورونا وتداعياته وانفجار مرفأ بيروت الذي وقع في الرابع من آب/أغسطس الماضي وأسفر عن وفاة 211 شخصًا وإصابة أكثر من 6000 وإلحاق أضرار جسيمة بأحياء بكاملها.

ولفت تقرير البنك الدولي، إلى أن "الأزمة في لبنان قد تفاقمت في الأشهر الأخيرة الماضية وسط صراع على السلطة بين الرئيس اللبناني ميشال عون ورئيس الوزراء المكلف سعد الحريري، أدى إلى تأخير تشكيل حكومة جديدة، إثر استقالة حكومة رئيس الوزراء السابق حسان دياب بعد أيام من وقوع انفجار المرفأ".

النقص الحاد في الأدوية

وأضاف ساروج كومار جها، المدير الإقليمي للبنك الدولي، أن "لبنان يواجه استنزافا خطيرا في الموارد، والوضع الحالي يشكل خسارة اجتماعية واقتصادية دائمة للبلاد، ولفت إلى أن من يمكنه إنقاذ البلاد هو فقط حكومة ذات عقلية إصلاحية، تسلك الطريق بخطى واثقة نحو التعافي الاقتصادي والمالي".

وتطرق في حديثه إلى واحدة من أبرز الأزمات التي تمر على البلاد في الأسابيع الأخيرة الماضية، وهي النقص الحاد في الأدوية والوقود، حيث يضطر الناس إلى الوقوف في طوابير على محطات الوقود ولساعات عدة حتى يتسنى لهم ملء خزانات سياراتهم، فيما يستمر انقطاع الكهرباء لأكثر من 12 ساعة في اليوم.

وبعد حالة الشح التي أصابت الصيدليات في مختلف أنحاء البلاد، يشعر المواطن اللبناني اليوم بحالة من القلق الدائم بعد أن بات أمنه الصحي وأمن ذويه مهدديْن.

وقد فاقمت هذه المعضلة الصحية معاناة المواطن اللبناني وأصبحت تشكل عبئا إضافيا على كاهله، بعد أن أصبح مجبرا على البحث هنا وهناك للوصول إلى دواء معين، بل هناك من يلجأ إلى الفضاء الافتراضي عبر وسائل التواصل الاجتماعي ليطلب من أبناء وطنه الذين يعيشون في الغربة مساعدته في تأمين الدواء اللازم.

شهادات مؤلمة عن مأساة حقيقية

وقال إيلي حنا، موظف في بلدية بيروت لـ "يورونيوز"، إن "المواطن اللبناني قد ينجح اليوم في مقاومة كافة العثرات التي تواجهه جراء الوضع الاقتصادي الصعب الذي يمر به البلد، من أزمة الوقود إلى الانقطاع التام للتيار الكهربائي وانهيار العملة الوطنية، وهو قادر على تبديل نمط حياته والاستغناء عن عدة أمور، إلا أنه بالطبع غير قادر على مواجهة ما يحصل في القطاع الصحي والنقص في الأدوية". وأضاف إيلي أنه "عندما يتعلق الأمر بصحة الإنسان هنا نكون قد وصلنا لمرحلة خطرة لا يمكننا الوقوف مكتوفي الأيدي أمامها".

ولفت هادي دبس، وهو مواطن لبناني يعاني من ارتفاع ضغط الدم، إلى أنه عجز منذ فترة عن تأمين الدواء له ولوالدته، السيدة المسنّة التي تعاني من أمراض مزمنة. وقال: "أشكر الله أن شقيقي موجود في قطر وفي الكثير من الأحيان هو من يؤمن لنا جميع ما نحتاجه"، وأضاف أنه قبل فترة لم يجد الحليب لابنته البالغة من العمر 3 سنوات واستعان بصديق يعيش خارج لبنان ليؤمن لها طعامها".

وقالت كاياني مكرديجيان أنها تجد صعوبة قصوى في تأمين أدوية لوالدها الذي يعاني من مشاكل في القلب وفي الجهاز التنفسي.

"الابتعاد عن المزايدات"

وطالب حمد حسن وزير الصحة اللبناني في حكومة تصريف الأعمال، برفع السرية عن الحسابات البنكية المخصصة لدعم الأدوية المستوردة خلال العام الماضي أو تحويل الملف إلى النيابة العامة المختصة بالقضايا المالية.

وقال حسن عقب لقاء جمعه مع الرئيس ميشال عون إنه عرض معه سبل الخروج من الأزمة التي يعاني منها القطاع الصحي، موضحا أنه: "لكي يتوفر الدواء في الصيدليات، فعلى حاكم مصرف لبنان المركزي رياض سلامة أن يقوم بسداد قيمة الأدوية التي وصلت إلى مخازن المستوردين بالدولار الأميركي، قبل إعلان سياسة الموافقة المسبقة الجديدة على الاستيراد".

وشدد الوزير على أن موضوع الدواء ودعمه، ليس خاضعا للأهواء، وليس أمرا مزاجيا، وأنه يجب الابتعاد عن المزايدات والبيانات الإعلامية التي تزعزع الثقة بالقطاع الصحي الذي تمكن خلال الفترة الماضية من خفض معدل الإصابات والوفيات بفيروس كورونا.

من جانبه، دعا المصرف المركزي قبل ايام السلطات اللبنانية المعنية إلى إيجاد الحل المناسب لهذه الكارثة الإنسانية والمالية المتفاقمة، خصوصاً أن الأدوية وباقي المستلزمات الطبية بمعظمها مفقودة في الصيدليات والمستشفيات.

هذا وحذر سليمان هارون، نقيب المستشفيات الخاصة في لبنان من "احتمال التوقف عن إجراء العمليات الجراحية بمختلف أنواعها، نتيجة النقص في عقاريْ البنج الهامين وهما "بروكوفولد" و"أزميرونا"، أو حتى في استعمال بديل عنهما".

وأعلن هارون أن وكيل مستوردي الأدوية، أوضح أن المشكلة اليوم تكمن في عدم توقيع مصرف لبنان على التحويل المالي المعتمد لهذه الأدوية، وهذا ما يؤدي إلى عدم الاستيراد.

لفيروس كورونا تداعيات كبيرة

هذا وكان لجائحة فيروس كورونا تداعيات كبيرة على النظام الصحي في لبنان.

وسجّلت البلاد منذ مطلع العام الجاري معدلات إصابات ووفيات قياسية بوباء كوفيد-19، إذ بلغ إجمالي الحالات 540.630 إصابة بينها 7.735 وفاة على الأقل منذ بدء انتشار الوباء قبل عام.

وتخطت مستشفيات رئيسية خلال الفترة الماضية طاقتها الاستيعابية في ظل نقص أجهزة وأدوية ضرورية، بينها الأكسجين.

إذ بعد أن شارف مخزون هذه المادة الاستراتيجية على النفاد في لبنان، تلقى القطاع الصحي 75 طناً من الأكسجين من سوريا فيما كان نحو ألف مريض على أجهزة التنفس الاصطناعي يصارعون الموت جراء وباء كوفيد-19.