تدرك تل أبيب جيدا أنها قد لا تجد فرصة أفضل من هذه للخلاص من عدوّها التاريخي وللأبد فكل ما حدث في السابق تعتبره إسرائيل مجرّد مسكّنات لا تعالج المشكلة وأنه طالما هذا النظام لا يزال قائما فلن تنعم الدولة العبرية بالأمان.
وأخيراً بدأ الهجوم.. إسرائيل وأمريكا تضربان إيران بعد أسابيع من الترقب والتكهنات.
وقد بدت هذه المواجهة وكأنها مسألة وقت لا أكثر، رغم الإيحاء بإعطاء فرصة للدبلوماسية مع انطلاق عجلة المفاوضات بشأن برنامج طهران النووي في جنيف، والاتفاق على عقد جولة ثانية في العاصمة النمساوية الاثنين.
يأتي هذا التصعيد ولم تكد تمر 9 أشهر على حرب الـ12 يوما بين تل أبيب وطهران في يونيو/حزيران 2025، والتي أسفرت من الجانب الإيراني عن مقتل 610 أشخاص على الأقل وجرح أكثر من 4746، حسب حصيلة رسمية. أما إسرائيل، فقد سجلت سقوط 29 قتيلاً وإصابة 3238 آخرين.
لكن يبدو أن المواجهة الأخيرة ليست كسابقتها، لأنها لحظة فارقة قد تغير مسار الشرق الأوسط برمّته، وكلا الطرفين يدركان ذلك، وللمفارقة هما متفقان على أننا أمام حرب وجودية. فماذا يعني هذا للنظام في إيران وللدولة العبرية أيضاً؟
إيران
بالنسبة للجمهورية الإسلامية، لم يعد لديها أدنى شك أن الأمر يتعدى مسألة الملف النووي، وأن كل ما يمكن أن تقدمه من تطمينات بشأن سلمية البرنامج لم ولن يردع لا إسرائيل ولا أمريكا، اللتين تطالبان بما هو أكثر، وهو هرم السلطة ممثلاً في مرشد الثورة والحرس الثوري الإيراني.
ولعلها لهذا السبب تحديداً رفضت طهران إدراج قدراتها الصاروخية في جدول المفاوضات، لأنها تدرك أن هذه القدرات هي آخر الأوراق التي بحوزتها. ولعلّ هذا أيضاً ما جعلها تتوجّس وتنظر بعين الريبة إلى المظاهرات التي خرجت في ديسمبر الماضي احتجاجاً على تدني مستوى المعيشة، وتم قمعها، ما أسفر عن مقتل آلاف الإيرانيين. كما أنها لم تغفل دخول واشنطن على الخط، والوعد الذي قطعه الرئيس دونالد ترامب للإيرانيين بأن أمريكا ستأتي لنصرتهم.
كما أن إيران، المعزولة دبلوماسياً والرازحة تحت وطأة عقوبات أثّرت على اقتصادها وألّبت الرأي العام ضدها، وجدت نفسها أمام واقع جديد فرضته أحداث زلزلت الشرق الأوسط، مثل حرب غزة، والضربات التي تلقاها حزب الله في لبنان، ومقتل أمينه العام حسن نصر الله قبل أكثر من عام، ناهيك عن سقوط نظام بشار الأسد، حليفها السابق في سوريا.
وتتجلّى خصوصية المواجهة الجارية فيما قاله حزب الله مؤخراً، ومفاده أنه سيتدخل إذا ما تم استهداف المرشد الأعلى للثورة الإيرانية، وهو دليل آخر على التهديد الوجودي للنظام. كما أن طهران لم تتورّع عن استهداف القواعد الأمريكية في دول الخليج مثل قطر والبحرين والإمارات، لأنها تعرف أنها وصلت إلى نقطة اللاعودة. فإما أن تكون أو لا تكون.
إسرائيل
تدرك تل أبيب جيداً أنها قد لا تجد فرصة أفضل من هذه للخلاص من عدوّها التاريخي وللأبد. إذ رغم كل ما حدث في السابق من استهداف للعلماء النوويين الإيرانيين ولمنشآت التخصيب، أكان عبر عمليات استخباراتية أو مواجهة عسكرية مثل تلك التي حدثت في يونيو الماضي، تعتبره إسرائيل مجرد مسكنات لا تعالج المشكلة، وأنه طالما هذا النظام لا يزال قائماً فلن تنعم الدولة العبرية بالأمان.
وقد وفّرت الحرب على غزة، وإضعاف قدرات حزب الله، وخفوت صوت الحوثيين في اليمن، وبروز نظام جديد معادٍ لطهران في دمشق، كلَّ الأسباب التي تدفع إسرائيل، المنتشية بسيطرتها على القطاع ومناطق جديدة في لبنان وجنوب سوريا، للمضي قدماً في جهود تغيير وجه الشرق الأوسط.
كما أن عودة الرئيس دونالد ترامب إلى السلطة قد شجعت الدولة العبرية على سلوك نهج ما تسميه الضربات الاستباقية ضد إيران، والذهاب لأبعد نقطة في هذا المسار، وهي إسقاط النظام. عامل آخر تعوّل عليه تل أبيب هو الداخل الإيراني، والاستثمار في غضب الشارع عساه ينقلب على السلطة الحاكمة.
ومع الطابع الوجودي لهذه المواجهة، يبقى السؤال التالي: هل تكفي الضربات الجوية لإسقاط أي نظام ما لم يدعمه تدخل للقوات البرية؟ فهل يعيد ترامب تجربة غزو العراق، وهو على أبواب انتخابات نصفية قد تكلفه غالياً؟