بعد الضربات المشتركة التي نفذتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، برز أسلوب غير تقليدي اعتمده الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للتواصل مع وسائل الإعلام: بدل الاكتفاء بالخطابات الرسمية أو المؤتمرات الصحافية، اتجه إلى إجراء سلسلة مكالمات هاتفية فردية وسريعة مع عدد كبير من الصحافيين.
أشار تقرير لصحيفة "واشنطن بوست"، أعدّه الصحافيان سكوت نوفر ووليام سكوت، إلى أن ترامب بدأ بعد الضربات الأمريكية-الإسرائيلية على إيران بإجراء سلسلة من الاتصالات الهاتفية الفردية مع صحافيين من مؤسسات إعلامية مختلفة، وغالبًا ما قُدمت هذه المكالمات على أنها "مقابلات حصرية". وشارك فيها صحافيون من وسائل إعلام أمريكية كبرى مثل "واشنطن بوست" و"نيويورك تايمز" و"إن بي سي" و"سي إن إن" و"فوكس نيوز" وغيرها.
وتُشير الصحيفة إلى أن هذه الاتصالات اقتصرت على دقائق معدودة، الأمر الذي ترك وقتًا محدودًا لطرح أسئلة معمقة أو دقيقة. فقد كتب مراسل "نيويورك تايمز" زولان كانو-يونغز أن مقابلته مع ترامب استمرت "نحو ست دقائق". أما شبكة "إم إس ناو" فحصلت على وقت أقصر بكثير، إذ لم تتجاوز المكالمة أقل من دقيقة.
وقال مايكل شنيل، أحد الصحافيين الذين شاركوا في تلك المكالمة، خلال بث مباشر: "تمكنا من طرح بعض الأسئلة عليه حول الضربات في إيران، لكنني أشير إلى أن الحديث لم يستمر طويلًا، فبعد أقل من دقيقة قال إنه مضطر للمغادرة". كما ذكرت ناتالي أليسون في "واشنطن بوست" أن مكالمتها مع الرئيس، والتي جرت بعد الرابعة فجرًا يوم السبت، كانت "قصيرة".
- ويختلف هذا الأسلوب عن النهج التقليدي الذي اعتاده الرؤساء الأمريكيون بعد العمليات العسكرية الكبرى، إذ غالبًا ما تتم مخاطبة الجمهور عبر خطاب من البيت الأبيض أو مؤتمر صحافي رسمي أو من خلال إرسال مسؤولين حكوميين للظهور في البرامج السياسية.
وقدّم البيت الأبيض تفسيرًا لهذه الاتصالات، معتبرًا أنها تمنح الجمهور وصولًا مباشرًا وشخصيًا إلى الرئيس. وقالت آنا كيلي، نائبة المتحدثة الرئيسية باسم البيت الأبيض، في بيان لصحيفة "واشنطن بوست": "الرئيس ترامب هو الرئيس الأكثر شفافية في التاريخ الأمريكي والذي يتيح إمكانية الوصول المباشر إليه. لم يسبق أن حظي الشعب الأمريكي بعلاقة مباشرة وأصيلة مع رئيس للولايات المتحدة كما هو الحال مع الرئيس ترامب".
تجنب الاستجواب المعمّق
مارك فيلدشتاين، أستاذ الصحافة في جامعة ماريلاند، رأى أن هذا العدد الكبير من المقابلات الفردية يمنح ترامب فرصة لتمرير رسائله الأساسية من دون أن يتعرض لاستجواب معمق. وقال لصحيفة "واشنطن بوست": "من المستحيل على المؤسسات الإعلامية مقاومة إبراز الطابع الآني لمقابلة حصرية مع رئيس في خضم معركة، مهما بدت تعليقاته عادية".
وأضاف فيلدشتاين أن هذا الأسلوب يسمح لترامب بأن يكون حاضرًا في عدة منصات إعلامية في الوقت نفسه، من دون الطابع الرسمي لخطاب من المكتب البيضاوي أو الضغوط التي ترافق الأسئلة الحادة خلال المؤتمرات الصحافية.
في السياق نفسه، قال ليونارد شتاينهورن، أستاذ التاريخ والاتصال في الجامعة الأمريكية، إن ترامب يلجأ في هذه الحالة إلى أسلوبه المفضل في التعامل مع الصحافة. وأضاف لـ "واشنطن بوست": "يميل إلى قدر أكبر من الانضباط في المقابلات الفردية مقارنة بالمؤتمرات الصحافية، التي قد تكون محفوفة بالمخاطر لأنه غالبًا ما يرتجل خلال المؤتمرات الصحافية".
وقال أحد مراسلي البيت الأبيض، الذي تحدث أيضًا بشرط عدم الكشف عن هويته لأنه غير مخول بالتصريح علنًا، إن هذه الاتصالات تنطوي على توتر ضمني، إذ يمكن لترامب إنهاء المكالمة في أي لحظة والانتقال مباشرة إلى وسيلة إعلام أخرى. وأضاف: "سينهي المكالمة فورًا عندما لا يرغب في الاستمرار بالحديث معك".
وأوضح المراسل، الذي لم يكن من بين الصحافيين الذين أجروا مقابلات مع ترامب حول إيران، أن هذا الواقع يفرض حذرًا لدى الصحافيين خلال المقابلة، قائلًا: "السؤال الأول الذي قد يدفعه إلى ذلك تتردد في طرحه، لأنك تريد الحصول على أكبر قدر ممكن من المعلومات قبل الوصول إلى الأسئلة الصعبة".
إقناع الأمريكيين بالحرب
بحسب عدة أشخاص مطلعين على هذه المقابلات، تحدثوا بشرط عدم الكشف عن هويتهم نظرًا لحساسية هذه المحادثات، فإن الصحافيين هم الذين اتصلوا بترامب في معظم الحالات، وليس العكس.
من وجهة نظرها، رأت أليسون براش، أستاذة في جامعة ويسكونسن في ماديسون والمتخصصة في خطاب الرئاسة الأمريكية، أن تنوع المقابلات الحصرية مع وسائل إعلام من اتجاهات سياسية مختلفة يشير إلى أن الرئيس يقود حملة متعمدة لإقناع الأمريكيين بالعمل العسكري الأمريكي ضد إيران.
وأضافت: "هذه لحظة يبدو فيها أن ترامب يفهم تنوع المشهد الإعلامي بطريقة تتوافق مع الجمهور الأمريكي، على نحو لم أره منه من قبل". وأشارت أيضًا إلى أن إدراج وسائل إعلام تميل إلى اليسار ضمن هذه المقابلات يوحي بمحاولة للوصول إلى جمهور أوسع من قاعدته السياسية.
كما لفتت براش إلى عنصر لافت في المشهد الإعلامي وهو غياب خطاب رسمي من المكتب البيضاوي، قائلة: "نعلم أن ترامب يتبنى كثيرًا رمزية البيت الأبيض وكل ما يحيط بها من مظاهر". وأضافت: "كنت أتوقع أيضًا أنه في عملية عسكرية كبيرة بهذا الحجم والنطاق سيرغب ترامب في الظهور بصفته القائد الأعلى القوي".