أشارت "تايمز أوف إسرائيل" إلى أن البيت الأبيض شهد احتفالات مساء الثلاثاء، حيث نسب كبار المسؤولين الفضل في تهيئة ظروف الهدنة إلى براعة الجيش الأمريكي ومناورات ترامب.
سلطت صحيفة "تايمز أوف إسرائيل" الضوء في تحليل لها على التحول الدراماتيكي الذي شهده الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال يوم واحد فقط، منتقلاً من تهديد إيران بـ"الإبادة" الكاملة إلى الإعلان عن قبول خطة "قابلة للتطبيق" قدمتها قيادة الجمهورية الإسلامية، مما مهد الطريق لاتفاق على وقف إطلاق نار لمدة 14 يوماً.
ورأت الصحيفة العبرية في تحليل مفصل أن هذه الخطوة تتوقع تمهيد الطريق لإنهاء الحرب المستمرة منذ نحو ستة أسابيع، وذلك قبل دقائق معدودة من انتهاء المهلة النهائية التي فرضها ترامب على طهران لفتح مضيق هرمز.
دوافع التراجع
أوضحت "تايمز أوف إسرائيل" أن هذا الانعطاف الحاد لم يأتِ من فراغ، بل جاء نتيجة عمل محموم خلف الكواليس قادته باكستان لمنع تصعيد إضافي، بمشاركة غير معتادة من الصين – أكبر شريك تجاري لإيران وأهم منافس اقتصادي للولايات المتحدة – التي سعت بهدوء لفتح مسار نحو وقف النار، وفقاً لمسؤولين اثنين اطلعا على التفاصيل بشرط عدم الكشف عن هويتهما.
وترى الصحيفة أن العامل الحاسم في تراجع ترامب ربما كان الخوف من الانجرار إلى سيناريو "الحرب الأبدية". فبينما برر الرئيس قراره في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي بالقول: "إننا حققنا جميع الأهداف العسكرية وتجاوزناها"، إلا أن التحليل يشير إلى أن التصعيد كان يحمل خطر جر الولايات المتحدة إلى صراع ممتد، وهو ما تعهد ترامب بإبعاد بلاده عنه إذا ما أعاده الناخبون إلى السلطة.
وقد جاء هذا القرار قبل 90 دقيقة فقط من موعد نهائي كان يهدد بتدمير محطات الطاقة الإيرانية، ليعلن بعدها ترامب عن قرب التوصل لـ "اتفاق حاسم بشأن السلام طويل الأمد".
المعضلة العسكرية: وهم السيطرة السريعة وتكلفة احتلال هرمز
تعمقت "تايمز أوف إسرائيل" في الجانب العسكري للقرار، مشيرة إلى أن تفاخر ترامب بالنجاحات الأمريكية والإسرائيلية خلال الأسابيع الستة الماضية بنى على افتراض خاطئ بأن القصف الجوي كافٍ لإجبار إيران على الاستسلام، خاصة بعد اغتيال المرشد علي خامنئي في 28 فبراير/شباط.
لكن الصحيفة استدلت بسجل الجمهورية الإسلامية على مدى 47 عاماً (من أزمة الرهائن إلى الحرب مع العراق ودعم محور المقاومة) كدليل على استعداد القيادة الإيرانية لخوض حرب استنزاف طويلة بغض النظر عن التكاليف.
ونقلت الصحيفة عن إجماع محللي الدفاع تحذيرات جدية من أن السيطرة على مضيق هرمز – الذي يمر عبره 20% من نفط العالم – ليست عملية سريعة كما يُصور.
وقال بن كونابل، المدير التنفيذي لمجموعة "باتل ريسيرش غروب" وضابط الاستخبارات المتقاعد، إن تأمين المضيق يتطلب السيطرة الفعلية على 600 كيلومتر من الأراضي الإيرانية ونشر 30 إلى 45 ألف جندي أمريكي.
وحذر كونابل قائلاً للصحيفة: "ستكون هذه عملية غير محددة المدة... كن مستعداً للقيام بهذا لمدة 20 عاماً"، مشبهاً السيناريو بالتجارب المكلفة في أفغانستان وفيتنام والعراق.
تفاصيل مثيرة للجدل وانتقادات لاذعة
في سياق كشف تفاصيل الاتفاق، أفادت "تايمز أوف إسرائيل" نقلاً عن مسؤول إقليمي أن خطة الهدنة تتضمن بنداً غير مسبوق يسمح لإيران وعمان بتحصيل رسوم على السفن العابرة للمضيق، حيث ستستخدم إيران العائدات لإعادة الإعمار، في خطوة وصفها السيناتور الديمقراطي كريس مورفي بأنها تمنح طهران "سيطرة" على المضيق وتعتبر "انتصاراً تاريخياً لإيران"، واصفاً الوضع بأنه "مستوى من عدم الكفاءة مذهل ومُحزن".
هذا البند يأتي في وقت كان يعتبر فيه المضيق ممراً دولياً لا تفرض عليه رسوم، رغم وقوعه في المياه الإقليمية للبلدين.
وقد سبق الإعلان موجة انتقادات حادة، منها وصف ديمقراطيين في الكونغرس لتهديد ترامب بـ"الفشل الأخلاقي"، وتحذير البابا ليو الرابع عشر من انتهاك القانون الدولي في حال استهداف البنية التحتية المدنية.
نمط ترامب السياسي: المطالب القصوى والتراجع المدروس
ورصدت "تايمز أوف إسرائيل" في سياق تقريرها نمطاً متكرراً في سلوك ترامب طوال الأشهر الـ15 الأولى من ولايته الثانية، يتمثل في طرح مطالب قصوى ثم التراجع عنها لاحقاً.
وأشارت الصحيفة إلى أن مهلة "أسبوعين" أصبحت الفاصل الزمني المفضل للرئيس لشراء الوقت عند اتخاذ قرارات مصيرية، كما حدث سابقاً في ملفات المفاوضات لإنهاء حرب روسيا مع أوكرانيا وقضايا الرعاية الصحية في ولايته الأولى.
وفي الصيف الماضي، ذكر البيت الأبيض أن ترامب سيقرر شن حملة قصف أولية ضد إيران خلال أسبوعين، فقط ليأمر الرئيس بغارات جوية قال إنها "دمرت" البرنامج النووي الإيراني قبل انتهاء تلك الفترة.
ووثقت "تايمز أوف إسرائيل" أمثلة مشابهة لتراجع ترامب عن مواقف متشددة، مثل تراجعه عن تعريفة "يوم التحرير" في أبريل 2025 بعد اضطراب الأسواق، وسحبه لتهديداته بالسيطرة على غرينلاند وفرض تعريفات على أوروبا خلال منتدى دافوس، مكتفياً باتفاق إطاري مع الناتو رغم وجود حرية عسكرية أمريكية مسبقة هناك.
وفي الحالة الحالية، جاء التراجع بعد طلب مباشر من رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف لتمديد المهلة أسبوعين للدبلوماسية.
رواية البيت الأبيض
وأشارت "تايمز أوف إسرائيل" إلى أن البيت الأبيض شهد احتفالات مساء الثلاثاء، حيث نسب كبار المسؤولين الفضل في تهيئة ظروف الهدنة إلى براعة الجيش الأمريكي ومناورات ترامب.
وقالت كارولين ليفيت، السكرتيرة الصحفية للبيت الأبيض: "إن نجاح جيشنا خلق أقصى درجات النفوذ، مما سمح للرئيس ترامب وفريقه بالخوض في مفاوضات صعبة أدت الآن إلى فتح باب لحل دبلوماسي وسلام طويل الأمد".
وأضافت ليفيت مؤكدة: "لا تستهنوا أبداً بقدرة الرئيس ترامب على تعزيز مصالح أمريكا بنجاح والتوسط لتحقيق السلام"، في محاولة من الإدارة لتقديم التراجع التكتيكي على أنه استراتيجية نصر دبلوماسي مدروس.
ومن المقرر أن يناقش ترامب هذه التطورات مع الأمين العام لحلف الناتو مارك روته في اجتماع مرتقب الأربعاء بالبيت الأبيض، حيث سيكون ملف إعادة فتح المضيق وبنود الهدنة الجديدة في صلب الأجندة.