رغم موافقة إسرائيل على وقف الهجمات ضد إيران، فإنها أكدت استمرار عملياتها العسكرية ضد حزب الله في لبنان، فيما شنت الأربعاء ما قال عنه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إنه أكبر هجوم منذ "عملية البيجر".
في وقت تتجه فيه الولايات المتحدة وإيران نحو تثبيت وقف إطلاق النار والتفاوض على اتفاق سلام دائم، تمضي إسرائيل في مسار موازٍ يقوم على توسيع سيطرتها الميدانية في مناطق مجاورة، في مؤشر على استعدادها لصراع طويل الأمد في الشرق الأوسط.
وبحسب ستة مسؤولين عسكريين ودفاعيين إسرائيليين تحدثوا لوكالة رويترز، فإن إنشاء "مناطق عازلة" في غزة وسوريا ولبنان يعكس تحوّلًا استراتيجيًا في العقيدة العسكرية الإسرائيلية منذ هجوم حركة حماس في أكتوبر 2023، وهو تحول يضع البلاد في حالة مواجهة مستمرة.
وأقر هؤلاء المسؤولين الأمريكيين بأن القضاء الكامل على خصوم مثل إيران أو حزب الله أو حماس أو الفصائل المسلحة الأخرى بات أمراً غير واقعي، ما يفرض نهجًا مختلفًا قائمًا على الاحتواء والردع.
وفي هذا السياق، قال ناثان براون من مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي إن القادة الإسرائيليين باتوا مقتنعين بأنهم في "حرب أبدية ضد أعداء يجب ترهيبهم بل وحتى تفكيكهم وتشتيتهم".
بالتوازي مع ذلك، توصلت واشنطن وطهران إلى اتفاق لوقف مؤقت لإطلاق النار تحت رعاية باكستان، مع بدء محادثات تهدف إلى إنهاء الحرب التي اندلعت في 28 فبراير.
ورغم موافقة إسرائيل على وقف الهجمات ضد إيران، فإنها أكدت استمرار عملياتها العسكرية ضد حزب الله في لبنان، فيما شنت الأربعاء ما قال عنه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أكبر هجوم منذ "عملية البيجر".
وفي تقرير منفصل، نقلت رويترز عن مصدر مطلع أن تل أبيب عارضت التوصل إلى اتفاق مع إيران، معتبرة أن العمليات العسكرية قد تحقق مكاسب إضافية وتضعف القيادة الإيرانية بشكل أكبر، لكنها قررت في نهاية المطاف دعم أي قرار يتخذه ترامب.
وكان حزب الله قد دخل على خط المواجهة في مارس عبر إطلاق صواريخ، ما دفع إسرائيل إلى التوغل في جنوب لبنان وإنشاء منطقة عازلة تمتد حتى نهر الليطاني، وهي مساحة تعادل نحو 8% من الأراضي اللبنانية.
وبالتوازي مع ذلك، اعتمدت إسرائيل على تهجير واسع للسكان وتدمير منازل في قرى تعتبرها تل أبيب مواقع تستخدم لأغراض عسكرية.
وفي هذا الإطار، أوضح مسؤول عسكري إسرائيلي أن الهدف يتمثل في "تطهير" شريط بعمق يتراوح بين خمسة وعشرة كيلومترات على طول الحدود، لمنع استهداف البلدات الإسرائيلية.
كما أشار إلى العثور على أدلة تفيد بأن نسبة كبيرة من المنازل في القرى الحدودية مرتبطة بأنشطة لحزب الله، ما يجعلها أهدافًا عسكرية من وجهة نظر الجيش.
من جانبه، اعتبر عساف أوريون، وهو عميد متقاعد، أن هذه السياسة تمثل تحولًا في المفهوم الأمني، قائلاً إن "حماية التجمعات السكنية الحدودية لا يمكن أن تتحقق من داخل الحدود نفسها"، مضيفًا أن إسرائيل لم تعد تنتظر الهجوم بل تبادر إليه استباقيًا.
ومع ترسيخ هذه المناطق العازلة، تكون إسرائيل قد وسعت نطاق سيطرتها ليشمل أجزاء من لبنان وسوريا والضفة الغربية، إضافة إلى قطاع غزة الذي لا تزال تسيطر على أكثر من نصف مساحته رغم اتفاق وقف إطلاق النار. وفي هذا السياق، قال رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو: "أقمنا أحزمة أمنية عميقة خارج حدودنا"، موضحًا نطاق هذه المناطق في غزة وسوريا ولبنان.
ورغم أن الاتفاقات الحالية تنص على انسحاب إسرائيلي كامل من غزة ونزع سلاح حماس، فإن تحقيق ذلك في المدى القريب يبدو غير مرجح.
في المقابل، تتزايد المخاوف لدى الفلسطينيين واللبنانيين من أن تتحول هذه الإجراءات إلى سياسة توسع دائمة، خاصة في ظل تصريحات بعض المسؤولين، مثل وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، الذي دعا إلى توسيع الحدود الإسرائيلية.
على الجانب الآخر، يؤكد بعض المسؤولين العسكريين أن الهدف ليس ترسيم حدود جديدة، بل فرض واقع أمني مؤقت يخضع للمراقبة والتدخل عند الحاجة، دون احتلال دائم.
ومع ذلك، أثار حجم الدمار في جنوب لبنان انتقادات، خاصة بعد تصريح وزير الدفاع يسرائيل كاتس الذي قال: "سيتم تدمير المنازل في القرى المتاخمة للحدود، والتي تعتبر فعليا مواقع لحزب الله على غرار نموذج رفح وخان يونس في غزة لإزالة التهديد عن المدن الإسرائيلية".
قانونيًا، يرى خبراء أن تدمير الممتلكات المدنية يظل في معظمه غير مشروع، إلا في حالات استخدامها لأغراض عسكرية، محذرين من أن التدمير واسع النطاق دون تقييم فردي قد يشكل انتهاكًا للقانون الدولي.
في الداخل الإسرائيلي، يعكس هذا التوجه أيضًا تراجع الثقة في إمكانية التوصل إلى اتفاقيات سلام طويلة الأمد، بعد عقود من المحاولات غير الناجحة.
وتظهر استطلاعات الرأي أن نسبة محدودة فقط من الإسرائيليين تؤمن بإمكانية التعايش السلمي مع الفلسطينيين، كما أن كثيرين يشككون في استدامة أي هدنة، متوقعين عودة القتال في وقت قريب.
ورغم أن إقامة مناطق عازلة قد توفر حماية مؤقتة من الهجمات، إلا أن خبراء عسكريين يحذرون من كلفتها على المدى الطويل، سواء من حيث الضغط على الجيش أو الحاجة إلى نشر قوات كبيرة على عدة جبهات، ما قد يفرض تحديات استراتيجية متزايدة في المستقبل.