طالب نايجل فاراج، زعيم حزب الإصلاح اليميني المتطرف، بإجراء انتخابات مبكرة في بريطانيا بعد استقالة رئيس الوزراء العمالي كير ستارمر.
أعلن رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر استقالته يوم الاثنين، بعد أقل من عامين في منصبه، وعقب تراجع شعبيته بشكل ملحوظ.
وقال وقد غلبته الدموع في خطاب أمام مقر رئاسة الوزراء في داونينغ ستريت: “كل قرار اتخذته كان من أجل وضع البلد الذي أحبه أولاً. ولهذا سأستقيل من زعامة حزب العمال”.
وأوضح أنه سيواصل مهامه رئيساً للوزراء إلى حين اختيار زعيم جديد للحزب، مشيراً إلى أن عملية اختيار القيادة ستنطلق في يوليو/تموز، على أن يُستكمل المسار خلال الصيف، بحيث يتم تعيين خليفته ويتولى المنصب في سبتمبر/أيلول مع عودة البرلمان.
وأكد أن الهدف من هذه المرحلة هو ضمان انتقال منظم للسلطة داخل الحزب والحكومة، مع إبقاء البلاد في حالة استقرار خلال فترة التغيير السياسي.
وأشار أيضاً إلى أنه تحدث صباح اليوم مع الملك لإبلاغه بقرار الاستقالة، ووجّه الشكر لزملائه في الحكومة وموظفي داونينغ ستريت والخدمة المدنية على دعمهم خلال فترة توليه المنصب.
وأكد ستارمر أنه ورث الحزب وهو في وضع “مفلس سياسياً ومالياً وأخلاقياً”، مشددًا على أنه سمع مراراً أن الحزب “انتهى” لكنه “أثبت عكس ذلك”.
وأضاف أنه أعاد بناء الحزب من خلال “اقتلاع سمّ معاداة السامية”، إلى جانب استعادة الثقة في الاقتصاد والدفاع والأمن القومي.
كما قال إنه بعد مغادرته “أكبر وظيفة في البلاد” سيتفرغ لـ“أهم وظيفة في حياته”، وهي أن يكون زوجاً أفضل لزوجته فيك وأباً أفضل لأطفاله.
بدورها، أشادت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لايين بالزعيم البريطاني وقالت في منشور على "إكس": قد يستغرق الأمر من العديد من القادة سنوات كي يتحولوا إلى رجل الدولة الذي أصبحت عليه خلال عامين فقط. أمن أوروبا وأوكرانيا أصبح أقوى بفضل جهودك. شكراً لك، عزيزي كير."
خلفية الاستقالة ودعوات لانتخابات مبكرة
تأتي استقالة كير ستارمر في ظل انقسام متصاعد داخل حزب العمال، بعد تراجع انتخابي لافت ونتائج وُصفت بـ“الكارثية” في الانتخابات المحلية، ما زاد من حدة الضغوط الداخلية عليه رغم تمسكه بمنصبه وتأكيده المتكرر الاستمرار في قيادة الحزب.
وفي هذا المناخ، يبرز آندي برنهام، عمدة مانشستر السابق، كأحد أبرز المرشحين المحتملين لخلافته، بعد فوزه الواضح في الانتخابات الفرعية بدائرة ماكيرفيلد بأكثر من 55% من الأصوات، وهو ما عزز حضوره داخل الحزب ودفعه للتحذير من أن العمال أمام “فرصة أخيرة للتغيير”.
كما أعلن برنهام ووزير الصحة السابق ويس ستريتينغ استعدادهما لخوض أي سباق مفتوح على زعامة الحزب في حال فتح باب الترشح رسمياً، في وقت تتسع فيه النقاشات الداخلية حول مستقبل القيادة.
ومع تصاعد هذا التنافس، يتزايد الضغط السياسي الخارجي، إذ دعا زعيم حزب الإصلاح اليميني المتطرف نايجل فاراج إلى انتخابات مبكرة، مستفيداً من تقدم حزبه في استطلاعات الرأي وتحقيقه مكاسب في الانتخابات المحلية، ما فتح الباب أمام سيناريوهات سياسية أكثر اضطراباً وزاد الضغط على حزب العمال.
وبينما تتسع دائرة الجدل، تتصاعد التحذيرات من دخول بريطانيا مرحلة إعادة تشكيل سياسي، في ظل احتمالات انفتاح معركة زعامة مبكرة داخل حزب العمال قد تعيد رسم موازين القوة في المشهد الحاكم.
وفي موازاة ذلك، يُعتقد أن ملف غزة كان أحد أبرز عوامل الضغط السياسي، مع تصاعد الجدل حول تعامل الحكومة مع التظاهرات المؤيدة للفلسطينيين، وطرح قيود على بعض الاحتجاجات بذريعة “التأثير التراكمي”، إلى جانب اتهامات بوجود نفوذ لجماعات ضغط مؤيدة لإسرائيل داخل دوائر القرار، وعريضة شعبية تجاوزت 114 ألف توقيع طالبت بتحقيق رسمي في هذا الملف.
كما زاد إغلاق وحدة كانت توثق انتهاكات القانون الدولي في غزة ولبنان من حدة الانتقادات الحقوقية، بينما أثار رفع مستوى التهديد الأمني نقاشاً واسعاً حول التوازن بين الأمن والحريات العامة، ما عمّق الاستقطاب وأضعف موقع الحكومة سياسياً.
ستارمر والسياسة "الرمادية"
إلى جانب ذلك، ساهم غياب هوية سياسية واضحة لستارمر، وتبنيه نهجاً براغماتياً وسطياً لا يُصنَّف بوضوح كيميني أو يساري، في تراجع جزء من شعبيته، إذ رأى منتقدوه أن هذا التموضع “الرمادي” قلّل من وضوح مشروعه السياسي لدى الناخبين وداخل الحزب.
ويُنسب إلى الأخير أنه أعاد تشكيل حزب العمال ليصبح قوة قادرة على العودة إلى الحكم بعد 14 عاماً في المعارضة، محققاً فوزاً انتخابياً واسعاً في 2024 أنهى حكم المحافظين. غير أن ولايته واجهت تعثراً بسبب الجدل حول السياسات الاقتصادية والاجتماعية، وسلسلة استقالات وفضائح سياسية زادت من حدة الضغوط عليه.
ومن أبرز الأزمات التي طالت موقعه السياسي، الجدل المرتبط بتعيين بيتر ماندلسون سفيراً للمملكة المتحدة في واشنطن، على خلفية علاقاته المثيرة للجدل بجيفري إبستين.
ويمكن القول إن إعلان الاستقالة يجيء ضمن سياق سياسي أوسع تتقاطع فيه تداعيات “بريكست” مع حالة من عدم الاستقرار الحكومي المستمر، إلى جانب تباطؤ اقتصادي متزايد، وتنامي الجدل حول أداء الدولة في الملفات الاجتماعية والاقتصادية، ما يجعل الفترة المقبلة شديدة الضبابية في لندن.