في ظل الأزمة الإنسانية المتفاقمة التي يعيشها سكان غزة، وصل بطريرك القدس للاتين الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا والبطريرك الأرثوذكسي اليوناني ثيوفيلوس الثالث، صباح اليوم، إلى القطاع في زيارة رعوية، بعد مرور نحو عام على زيارتهما السابقة.
رافق البطريركين وفد من منظمة فرسان مالطا العسكرية، ضمّ الدكتور جوزيف دي بلوتس، المسؤول الأعلى عن الأعمال الإنسانية في المنظمة، إلى جانب ممثلين عن "مالتيزر إنترناشونال"، الذراع الإنسانية التابعة لها.
وتأتي هذه الزيارة بعد زيارة مماثلة قام بها البطريركان معاً إلى غزة في يوليو/ تموز من العام الماضي، والتي جاءت عقب غارة إسرائيلية استهدفت كنيسة العائلة المقدسة، كما ساعد الكاردينال بيتسابالا خلالها في إيصال 500 طن من المساعدات الغذائية إلى سكان القطاع.
رسالة إلى المسيحيين وسكان غزة
في بيان صادر عن البطريركية اللاتينية، أكدت الكنيسة أن الزيارة "تعبر عن المسؤولية الرعوية لكنائس القدس تجاه الكنائس المحلية وتجاه جميع سكان غزة، حيث تواصل العائلات تحمّل المعاناة الإنسانية والخوف والفقدان وعدم اليقين".
وخلال قداس أُقيم في كنيسة العائلة المقدسة في البلدة القديمة بحي الزيتون وسط مدينة غزة، وجّه الكاردينال بيتسابالا رسالة مباشرة إلى المسيحيين في القطاع قائلاً: "لم نتخلَّ عنكم قط ولن نتخلَّ عنكم أبداً".
ويُقدّر عدد المسيحيين في قطاع غزة بنحو ألف شخص، معظمهم من الأرثوذكس، من أصل نحو 2.2 مليون نسمة. وتُحصي البطريركية اللاتينية نحو 135 كاثوليكياً في القطاع، لجأوا إلى مجمع كنيسة العائلة المقدسة خلال الأيام الأولى من الحرب، قبل أن ينضم إليهم عدد من المسيحيين الأرثوذكس.
وقد التقى البطريركان رجال الدين والجماعات الرهبانية والعائلات المسيحية المحلية والمتضررين من الأزمة الإنسانية المستمرة.
وكان من بين أولى اللقاءات التي عُقدت صباح اليوم لقاء مع الأطفال المشاركين في المخيم الصيفي التابع لرعية العائلة المقدسة اللاتينية، بحضور كاهن الرعية الأب غابرييل رومانيلي.
عيادة جديدة وسط الأزمة الصحية
تهدف مشاركة المسؤول الأعلى عن الأعمال الإنسانية في منظمة فرسان مالطا وممثلي "مالتيزر إنترناشونال" إلى تعزيز الالتزام الذي تنفذه المؤسسة في غزة منذ عام 2024 عبر قنوات البطريركية اللاتينية، من خلال توزيع الأغذية غير القابلة للتلف والمواد الأساسية على السكان المحتاجين، حفاظاً على كرامة كل إنسان.
وتتركز الجهود حالياً بصورة أساسية على الرعاية الصحية الأولية للسكان، التي لا تزال تمثل إحدى أخطر المشكلات في القطاع بعد أكثر من ستة أشهر على دخول وقف إطلاق النار الهش حيز التنفيذ رسمياً.
وقبل يومين فقط، نشرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة "اليونيسف" أرقاماً أظهرت مقتل 265 طفلاً فلسطينياً وإصابة أكثر من 400 آخرين في هجمات إسرائيلية منذ 10 أكتوبر/ تشرين الأول.
وفي هذا السياق، قام الكاردينال بيتسابالا بمباركة عيادة تابعة لمنظمة فرسان مالطا ذات السيادة في مدينة غزة، سيعمل فيها طاقم يضم نحو 30 شخصاً من أطباء وممرضين وصيادلة لتقديم خدمات الرعاية الصحية الأولية لما يصل إلى 100 مريض يومياً.
وقال الدكتور علي إبراهيم المصدر، المدير الطبي للعيادة: "إن الوضع الصحي لسكان غزة كارثي حالياً. فالعنف مستمر رغم وقف إطلاق النار. وقد دُمّر 60 في المئة من المرافق الصحية بالكامل، فيما تعرضت مرافق أخرى كثيرة لأضرار جسيمة".
وأضاف أن ظروف النظافة والصرف الصحي سيئة للغاية، موضحاً: "الأمراض الجلدية تنتشر، وقد تعرض معظم السكان للنزوح المتكرر وأصبحوا يعتمدون على المساعدات الإنسانية. يصل الناس إلى هنا وهم مرضى ومنهكون ويعانون صدمات نفسية عميقة، ويحتاجون بشكل عاجل إلى الرعاية".
من جانبه، وصف جوزيف بلوتس، المسؤول عن الأنشطة الخيرية والطبية في منظمة فرسان مالطا ذات السيادة، مباركة العيادة بأنها محطة ذات دلالة خاصة، قائلاً إن قيام البطريرك اللاتيني بمباركتها عشية عيد القديس يوحنا المعمدان، شفيع المنظمة الذي يُحتفل به في 24 يونيو/ حزيران، "يمثل محطة تاريخية".
وأضاف: "بعد أكثر من تسعمئة عام، ما زلنا نخدم المحتاجين بغض النظر عن دينهم أو أصلهم. ستوفر هذه العيادة رعاية طبية منقذة للحياة للمحتاجين. ونحن نعمل بنشاط على توسيع التزامنا في ظل هذه الظروف الصعبة للغاية".