بحسب تقييم مشترك أعدته منظمة "اليونسكو"، ووزارة التربية والتعليم العالي الفلسطينية، ومؤسسة AWRAD، تعرض قطاع التعليم العالي في غزة لدمار غير مسبوق، إذ تضرر 95% من المباني الجامعية، ودُمر 22 حرماً جامعياً بالكامل، فيما قُدرت الخسائر المباشرة بنحو 373 مليون دولار، ، وتأثر نحو 88 ألف طالب وطالبة بالحرب.
قبل دقائق من بدء امتحانها الجامعي، لم تكن تمارا عبد الحميد تراجع محاضراتها الأخيرة، بل كانت تحاول للمرة تلو الأخرى الدخول إلى بوابة الطالب الإلكترونية. في كل محاولة كانت تظهر الرسالة نفسها: لا يمكن الدخول قبل تسديد الرسوم الدراسية المستحقة.
لم يكن ما يشغلها صعوبة الامتحان، بل الخوف من ألا تتمكن من الوصول إليه أساساً.
مدرّجات افتراضية ومخاطر أمنية.. التعليم مستمر لكن بقواعد الحرب
هذه التجربة لم تعد استثناءً في قطاع غزة، حيث تغيّرت الحياة الجامعية بصورة جذرية منذ اندلاع الحرب. فالطالب الذي كان يتجه إلى المدرّج الجامعي حاملاً معه كتُبه، أصبح اليوم يبحث عن اتصال إنترنت مستقرّ، وبطارية مشحونة، ومكان هادئ داخل خيمة أو منزل متضرّر قبل أن يبدأ يومه الدراسي. وحتى مع عودة بعض المحاضرات بشكل حضوري، يبقى الوصول إليها محفوفاً بتحديات أمنية ومعيشية لم تكن يوماً جزءاً من التجربة الجامعية.
ورغم الدمار الواسع الذي لحق بمؤسسات التعليم العالي، لم تتوقف الدراسة بالكامل. فقد لجأت الجامعات إلى التعليم الإلكتروني، وأعادت تشغيل عدد محدود من القاعات للتخصصات العملية، في محاولة للحفاظ على استمرارية المسار التعليمي ومنع ضياع سنوات دراسية جديدة على عشرات آلاف الطلبة.
تقرير اليونسكو: خسائر بمئات الملايين ودمار شبه كلّي للحرم الجامعي
وبحسب تقييم مشترك أعدته منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة "اليونسكو"، ووزارة التربية والتعليم العالي الفلسطينية، ومؤسسة AWRAD، تعرض قطاع التعليم العالي في غزة لدمار غير مسبوق، إذ تضرر 95% من المباني الجامعية، ودُمر 22 حرماً جامعياً بالكامل، فيما قُدرت الخسائر المباشرة بنحو 373 مليون دولار، وتأثر نحو 88 ألف طالب وطالبة بالحرب.
التعليم مستمر لكن بقواعد الحرب
مع خروج معظم الجامعات عن الخدمة، لم يكن أمام مؤسسات التعليم العالي سوى نقل الجزء الأكبر من الدراسة إلى المنصات الإلكترونية، فيما أعادت بعض الكليات، خاصة الطبية والهندسية، تنظيم أيام وجاهية محدودة داخل مقرات بديلة لاستكمال التدريب العملي الذي يصعب تعويضه عن بُعد.
كما دعمت اليونسكو إطلاق مشروع “الحرم الجامعي الافتراضي”، الذي أتاح لآلاف الطلبة استكمال دراستهم إلكترونياً، في محاولة لتقليل آثار الانقطاع الطويل عن التعليم.
غير أن العودة الجزئية إلى التعليم الحضوري لم تبدد مخاوف كثير من الطلبة. فإلى جانب صعوبة المواصلات وارتفاع تكلفتها، أصبح عامل الأمان جزءاً من قرار الطالب بشأن حضور المحاضرات، إذ يفضل بعضهم متابعة ما يستطيعون من الدروس إلكترونياً خشية التعرض للاستهداف أثناء التنقل.
ولا تبدو هذه المخاوف نظرية بالنسبة للطلبة. فقد أعادت حادثة مقتل الطالبة رغد حسين عاشور، التي قتلت في يونيو 2026 أثناء توجهها أو عودتها من تقديم امتحان الثانوية العامة في مدينة غزة، التذكير بأن الطريق إلى قاعة الدراسة ما زال محفوفاً بالمخاطر.
وتقول تمارا عبد الحميد إن التعليم الإلكتروني سمح باستمرار الدراسة، لكنه خلق تحديات جديدة لم تكن موجودة قبل الحرب.
وتوضح أن المشكلة تبدأ من بوابة الطالب الإلكترونية، إذ تُغلق الصفحة إذا بقيت رسوم دراسية غير مسددة، فلا يستطيع الطالب معرفة جدوله أو متابعة مواده أو دخول الامتحانات.
وتضيف: “بندرس وبنتابع، لكن أول ما تيجي تفتح صفحة الطالب بتلاقيها مغلقة إلى أن تدفع الرسوم. هذا يعني إنك ما بتعرف مادتك ولا امتحانك، وممكن تضطر توقف دراستك.”
ولا تتوقف المعاناة عند الرسوم، فضعف الإنترنت وانقطاعه المتكرر يجعلان حضور المحاضرات المباشرة تحدياً يومياً، ما يدفع كثيراً من الطلبة إلى الاكتفاء بالمحاضرات المسجلة أو البحث الذاتي، وهو ما لا يعوض، بحسب تمارا، التفاعل داخل قاعات الدراسة.
الرسوم ومعضلة الإنترنت.. حين يصبح الوصول إلى الامتحان أصعب من الامتحان نفسه
إذا كانت الحرب قد دمرت مباني الجامعات، فإن الانهيار الاقتصادي جعل مواصلة التعليم تحدياً يومياً لآلاف الطلبة.
تقول فاطمة أبو نصر إن الامتحانات الإلكترونية لا تبدأ بمراجعة المادة العلمية، بل بالبحث عن مكان يوفر اتصالاً مستقراً بالإنترنت. وقبل كل امتحان تحرص مع زملائها على التنسيق مع مزود الخدمة في المنطقة، لكن انقطاع الشبكة يبقى احتمالاً قائماً، وقد يعني ضياع جزء من الأسئلة قبل التمكن من الإجابة عنها بسبب الوقت المحدد للاختبار.
وتضيف: "حتى لو تعبنا ودرسنا المادة كاملة، قد نخسر جزءاً من العلامة بسبب الإنترنت، وليس بسبب مستوانا العلمي.”
لكن المشكلة الأكبر، بحسب فاطمة، تبدأ عند موعد الامتحانات النهائية، إذ لا يستطيع كثير من الطلبة الدخول إلى الامتحان قبل تسديد الرسوم الدراسية المستحقة.
وتقول: "نحن في غزة نحاول نوفر لقمة العيش، فكيف نقدر نوفر الرسوم كاملة مرة واحدة؟ وإذا ما دفعنا، ما بنقدرش نفوت الامتحان.”
وتشير إلى أن بعض الطلبة يضطرون إلى تأجيل موادّهم الدراسية، أو إعادة تسجيلها لاحقاً، ليس بسبب الرسوب، وإنما بسبب عدم تمكنهم من دخول الامتحان في موعده.
بين لقمة العيش والقسط الجامعي.. خيارات مرّة أمام العائلات
ولا تبدو هذه الشكاوى منفصلة عن الواقع الاقتصادي في القطاع، إذ فقدت آلاف الأسر مصادر دخلها خلال الحرب، فيما أصبح الإنفاق على التعليم ينافس أولويات أكثر إلحاحاً، مثل الغذاء والعلاج والإيواء.
وتوجهت يورونيوز إلى عدد من جامعات قطاع غزة للحصول على ردّ بشأن سياسة اشتراط سداد الرسوم الدراسية قبل السماح للطلبة بدخول الامتحانات النهائية، وما يثيره الطلبة من شكاوى حول تأثير ذلك على استكمال دراستهم، إلا أنها لم تتلقَّ أي رد حتى لحظة إعداد هذا التقرير.
في المقابل، يؤكد محمود عطالله، مدير شؤون الطلبة في جامعة الأقصى، أن الجامعة حاولت التخفيف عن الطلبة من خلال إعطاء منح وإعفاءات، إضافة إلى السماح بتسجيل ساعات دراسية دون دفع فوري، لمساعدة أكبر عدد ممكن من هؤلاء الشباب على مواصلة تعليمهم رغم الظروف الاقتصادية.
ويرى الخبير الاقتصادي أحمد أبو قمر أن الحفاظ على التعليم العالي في غزة لم يعد مسؤولية الجامعات وحدها، بل يتطلب تدخلاً حكومياً ودولياً لتوسيع برامج المنح، وتوفير تمويل يضمن استمرار المؤسسات الأكاديمية، لأن خسارة الجامعات تعني خسارة الكفاءات التي سيحتاجها القطاع في مرحلة إعادة الإعمار.
وتتفق هذه الرؤية مع ما ورد في وثيقة اللجنة الطارئة لجامعات غزة، التي حذرت من أن الحرب لم تدمّر البنية التحتية فقط، بل أضعفت قدرة الجامعات على الاستمرار بعد تراجع إيراداتها، مطالبةً بتمويل عاجل يضمن استمرار العملية التعليمية، وإعادة تأهيل المختبرات، وتوسيع برامج الإعفاءات والمنح للطلبة.
طبيبات بلا مختبرات.. أحلامٌ مؤجلة ومستقبلٌ ينتظر فرصة
بالنسبة إلى الشابة ديمة أبو يوسف، لم يكن التفوق الدراسي كافياً لتحقيق حلمها. حصلت على معدل 98.6 في الفرع العلمي، وكانت تخطط لدراسة الطب، إلا أن الرسوم الجامعية المرتفعة، إلى جانب الظروف الاقتصادية التي تعيشها أسرتها، حالت دون التحاقها بالتخصص الذي طالما حلمت به.
وتقول إنها تواصلت مع جامعات وجهات داعمة عدة بحثاً عن منحة، لكن جميع المحاولات باءت بالفشل.
وتضيف ديمة: "ما زلت متمسكة بحلمي، لكن أخشى أن يضيع بسبب ظروف لا علاقة لها بقدرتي على الدراسة."
وترى أن التخصصات الطبية هي الأكثر تضرراً من استمرار الحرب، لأن التدريب العملي داخل المستشفيات والمختبرات لا يمكن تعويضه بالكامل عبر الإنترنت، كما أن الوصول إلى الأيام المحددة التي توفر الدراسة حضوريا أصبح رحلة شاقة بسبب صعوبة المواصلات وارتفاع تكلفتها.
ولا تبدو قصة ديمة استثناءً، بل تعكس واقع عدد كبير من الطلبة الذين اضطر بعضهم إلى تأجيل الدراسة، أو تغيير تخصصاتهم، أو انتظار منحة قد لا تأتي، في وقت يحتاج فيه قطاع غزة مستقبلاً إلى آلاف الأطباء والمهندسين والمتخصصين لإعادة بناء ما دمّرته الحرب.
ورغم كل هذه التحديات، لم تتوقف الجامعات عن التدريس، ولم يتخلَّ آلاف الطلبة عن مقاعدهم، حتى وإن أصبحت شاشة الهاتف بديلاً عن المدرّج الجامعي.
ففي غزة اليوم، لم يعد الطريق إلى الجامعة يبدأ عند بوابتها، بل من القدرة على تأمين رسوم الدراسة، والعثور على اتصال إنترنت مستقر، والوصول إلى قاعة قد لا تكون آمنة عندما يتطلب التخصص متابعة الدروس حضوريا.
وبين جامعات تكافح للحفاظ على استمرار التعليم، وطلبة يقاومون من أجل ألا يخسروا مستقبلهم، تبدو أزمة التعليم العالي في غزة أكبر من قصة مبانٍ دُمرت. إنها قصة جيل يتمسك بحقه في التعلم، لأنه يدرك أن إعادة بناء الإنسان ستكون الخطوة الأولى في إعادة بناء كل ما دمرته الحرب.