سكان غزة يطحنون الإسمنت المتحجر لإعادة بناء ما هدمته الحرب
في ورشة مفتوحة على الركام شمال قطاع غزة، تصدر أصوات طحن متواصلة لا تشبه أصوات ماكينات البناء المعتادة.
رجال يكسّرون أكياس الإسمنت القديمة المتحجّرة بمطارق يدوية، يطحنونها في آلات بدائية، ثم يخلطون المسحوق بالماء على أمل أن يتماسك الجدار ويوفر لهم مساحة أكثر أماناً من الخيام. هذا ليس ابتكاراً بالمعنى المعتاد للكلمة، لكنه ما تبقى لهم من خيارات.
مع استمرار إغلاق المعابر وشُح مواد البناء، باتت هذه الممارسة تنتشر في مناطق واسعة من القطاع. يلجأ السكان إلى إعادة استخدام الإسمنت الذي تحجّر داخل أكياسه طوال سنوات الحرب دون أن يمسّه أحد، فيما يستخرج آخرون مواد من جدران مبانيهم المدمرة ذاتها لترميم ما تبقّى منها.
كيف وُلدت فكرة طحن الإسمنت؟
يقول هشام خلة، صاحب مصنع إعادة إنتاج صغير شمال غزة، إن الفكرة بدأت حين لاحظ كميات من الإسمنت المتحجر مخزنة منذ ما قبل الحرب دون استخدام.
"نجمع الإسمنت المحجر من أصحابه، نكسره ونطحنه حتى يصبح بودرة، وهي تصلح لبناء الحجارة والجدران لكن لا تصلح للباطون أو صب الأسقف".
ويضيف أن الوضع كان قد وصل بالناس إلى خلط الطحين بالرمل والماء محاولةً صنع مادة لاصقة، قبل أن تظهر فكرة إعادة طحن الإسمنت كبديل نسبي.
أما سالم سعد الدين فيصف مساراً مختلفاً لكنه من نفس القبيل:
“صرنا نكسر القصارة عن الجدران القائمة ونبني بها حتى نستر أنفسنا من الفئران والبرد. هي مؤقت، لكنه كل ما هو موجود بسبب إغلاق المعابر”.
البديل موجود، لكن ثمنه مرهق. يروي محمود خلة أن تكلفة الحصول على كميات من الإسمنت المعاد طحنه أصبحت مرتفعة مقارنة بجودته وقدرته المحدودة على التحمل.
يقول سالم: "قبل الحرب كان الكيس بحدود 7 دولارات وجودته عالية. هذا لا يصلح لصب السقوف، جربت أعمل مدة بسيطة لسقف فكلفتني 3 أكياس ووقعت".
ويضيف أنه رغم كل ذلك بنى به جدران محله الصغير، “لأنه لا يوجد غيره”.
المفارقة الأكثر إيلاماً يرويها محمد خلة حين يقارن بين تكاليف البناء قبل الحرب وبعدها.
“المبلغ الذي ندفعه اليوم لبناء جدران محل صغير كان قبل الحرب يكفي لتنفيذ أعمال بناء أكبر بكثير”.
مواد بناء مؤقتة تنهار قبل الأوان
هذه الحلول الاضطرارية تثير مخاوف جدية. تقول المهندسة المدنية سهى بسام إن الإسمنت المتحجر يفقد جزءاً كبيراً من خصائصه الكيميائية بعد تعرضه للرطوبة والهواء لفترات طويلة، ما يجعله غير قادر على تحقيق مقاومات الضغط المطلوبة في أعمال الإنشاءات.
وتوضح أن هذه المواد يمكن استخدامها في بعض أعمال الترميم المؤقت وتثبيت الحجارة في الجدران الخفيفة، "لكنها لا تصلح للمنشآت الحاملة أو الأسقف أو أي عنصر إنشائي يعتمد على معايير هندسية".
وتحذر من أن استخدامها قد يؤدي إلى تشققات مبكرة وانخفاض العمر الافتراضي للمنشأة، فضلاً عن ارتفاع احتمالات الانهيار عند تعرضها للأحمال أو عوامل الطقس.
وتنسجم هذه التحذيرات مع التوجهات الهندسية المعتمدة في مشاريع إعادة تدوير الركام، إذ يقتصر استخدام المواد المعاد تدويرها عادة على أعمال الرصف وتسوية الأراضي وبعض مشاريع البنية التحتية المؤقتة، بينما لا تُستخدم في العناصر الإنشائية الحاملة للمباني التي تتطلب مواصفات فنية دقيقة وقدرات تحمل محددة.
ويرى الخبير في شؤون الإعمار ووكيل وزارة الأشغال العامة والإسكان السابق ناجي سرحان أن المواد الناتجة عن إعادة التدوير يمكن أن تساعد في بعض الاستخدامات المحدودة والطارئة، لكنها لا تشكل بديلاً عن الإسمنت ومواد البناء الأساسية اللازمة لإعادة إعمار المباني والمنشآت المتضررة.
ما وراء شحّ مواد البناء: اقتصاد معطّل وأزمة متعددة الأوجه
لا تتوقف الأزمة عند حدود مواد البناء. يقول الخبير الاقتصادي أحمد أبو قمر إن قطاع البناء كان قبل الحرب من أكبر القطاعات المشغّلة للعمالة في غزة، ويضم عشرات آلاف العاملين في المقاولات والنجارة والحدادة وصناعة الباطون والنقل والخدمات المرتبطة بالإنشاء.
يقول أبو قمر في هذا الشأن: “غياب المواد وتوقف مشاريع الإعمار عطّل جزءاً كبيراً من هذه المهن ودفع عمالاً وأصحاب ورش إلى البحث عن أنشطة بديلة كإعادة تدوير الركام والإسمنت المتحجر”.
ويُشير إلى أن هذه الأنشطة خلقت فرص عمل محدودة، لكنها برأيه "لا تمثل بديلاً اقتصادياً حقيقياً في ظل ارتفاع تكاليف التشغيل وضعف الإنتاجية ومحدودية الاستخدامات الهندسية للمواد الناتجة".
ويضيف أبو قمر أن الاقتصاد المرتبط بقطاع الإنشاءات لا يقتصر على المقاولين والعمال فقط، بل يشمل سلسلة واسعة من الأنشطة المرتبطة بإنتاج الباطون ونقل المواد الخام والحدادة والنجارة والمحال التجارية والخدمات اللوجستية. ويرى أن استمرار تعطل عملية الإعمار يعني بقاء جزء كبير من هذه الدورة الاقتصادية خارج الخدمة، رغم محاولات السكان ابتكار حلول محلية للتكيف مع الواقع القائم.
71.6 مليار دولار.. كلفة التعافي
تُجسّد الأرقام حجم الكارثة. وفق التقييم الصادر عن الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والبنك الدولي في أبريل/نيسان 2026، دُمّر أو تضرر أكثر من 371 ألف وحدة سكنية، وفقد أكثر من 60% من سكان غزة منازلهم، فيما قُدّرت احتياجات التعافي وإعادة الإعمار بنحو 71.4 مليار دولار.
ولا تقتصر الأزمة على إعادة بناء المنازل فحسب، بل تمتد إلى التعامل مع الكميات الهائلة من الأنقاض التي خلّفتها الحرب. وتُقدّر الجهات المختصة حجم الركام المتراكم في القطاع بأكثر من 60 مليون طن، وهو رقم يجعل من إزالته وإعادة تدويره تحدياً قائماً بحد ذاته قبل الشروع في عملية إعمار واسعة النطاق.
وتقول المهندسة رقية أبو الرب، رئيسة فريق إعادة إعمار غزة في وزارة الأشغال العامة والإسكان، إن إدارة الركام أصبحت جزءاً أساسياً من أي خطة للتعافي، مشيرة إلى أن قدرات معالجة الأنقاض المتاحة حالياً لا تزال محدودة مقارنة بحجم الدمار، في وقت تتطلب فيه زيادة كميات التدوير توفير وقود ومعدات وتجهيزات إضافية.
ركام غزة.. تحدّ مالي ولوجستي يكلّف نصف مليار دولار
وتشير تقديرات أممية إلى أن القطاع يرزح تحت ما يزيد على 61 مليون طن من الركام تحتاج إلى سنوات لإزالته وإعادة تدويره.
ويقول الخبير في شؤون الإعمار ووكيل وزارة الأشغال العامة والإسكان السابق ناجي سرحان إن إزالة هذه الكميات الضخمة من الأنقاض تمثل بحد ذاتها تحدياً مالياً ولوجستياً، مقدراً تكلفة إزالة الركام والتعامل معه بنحو 500 مليون دولار قبل البدء بأي عملية إعادة إعمار واسعة للمساكن والبنية التحتية.
ويضيف أن الكميات التي يمكن التعامل معها يومياً ما تزال محدودة مقارنة بحجم الركام المتراكم، ما يعني أن معالجة آثار الدمار ستستغرق سنوات حتى في حال تحسن الظروف التشغيلية وتوفر الإمكانات اللازمة.
وفي السياق ذاته، يرى خبراء في شؤون الإعمار أن ما يجري حالياً من إعادة استخدام للركام والإسمنت المتحجر يظل محدود الأثر مقارنة بحجم الدمار الذي تعرض له القطاع، إذ أن إزالة الأنقاض وحدها تحتاج إلى استثمارات ضخمة قبل البدء بإعادة بناء المساكن والبنية التحتية والمنشآت الاقتصادية المدمرة.
رهان على فتح المعابر
يلخّص علي سلامة مأزق شمال قطاع غزة في جملة واحدة: “الحل الوحيد أن يفتحوا المعابر ويفكوا الحصار. ما بدنا نمشي حياتنا من غير إسمنت وحديد وحصمة، حياتنا مش حياة” وفق تعبيره.
في الأثناء، لا تتوقف آلات الطحن في شمال غزة. فالإسمنت المتحجر الذي تُرك داخل أكياسه سنوات طويلة بات اليوم مادة بناء بديلة يلجأ إليها السكان لترميم ما أمكن من منازلهم المدّمرة، بينما تبقى إعادة الإعمار الشاملة رهينة توفر الإسمنت والحديد والمواد الأساسية اللازمة لإعادة بناء ما هدمته الحرب.