طرحت إسرائيل على لبنان نقل رفات يهود مدفونين في مقابر لبنانية إلى أراضيها، مقابل الإفراج عن عدد من الأسرى اللبنانيين لديها، وفق تقارير إعلامية، في وقت تواجه فيه المحادثات بين الجانبين خلافات بشأن الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان والترتيبات الأمنية ومستقبل الجولات المقبلة.
بحسب صحيفة "الأخبار" اللبنانية المقربة من حزب الله، أثار الجانب الإسرائيلي خلال المحادثات مسألة نقل رفات يهود مدفونين في مقابر ببيروت وصيدا، مشيراً إلى أن أقارب لبعض هؤلاء يعيشون حالياً في إسرائيل ويرغبون في نقل رفات ذويهم وإعادة دفنها هناك.
وذكرت التقارير أن مقبرة وادي أبو جميل في بيروت كانت من بين المواقع التي تناولها الطرح الإسرائيلي. وعاشت في لبنان جالية يهودية لقرون، وبلغ عدد أفرادها عدة آلاف في منتصف القرن العشرين، قبل أن يتراجع بصورة كبيرة خلال العقود التالية، ليقتصر وجودها اليوم، وفق تقديرات متداولة، على عشرات الأشخاص أو أقل.
ووفق المعلومات، اقترحت تل أبيب إدراج العملية ضمن ما وصفته بـ"صفقة تبادل مدنية"، تجمع بين نقل الرفات والإفراج عن بعض الأسرى اللبنانيين، مع استبعاد الأشخاص الذين تعتبرهم إسرائيل عناصر في حزب الله.
وجاء الطرح خلال المفاوضات الأخيرة في روما بوساطة أمريكية، والتي شارك فيها أيضاً عسكريون من الجانبين.
وبينما وصفت مصادر أجواء النقاش حول ملف الأسرى بأنها "إيجابية"، تتحدث مصادر لبنانية عن غياب تقدم ملموس في قضايا أخرى رئيسية، وسط تساؤلات بشأن إمكان استمرار المحادثات بصيغتها الحالية.
من تشمل الصفقة؟
يطالب لبنان بالإفراج عن 34 لبنانياً وثّقت السلطات ملفاتهم، بحسب تقارير لبنانية، فيما تشير المعلومات المتداولة إلى أن إسرائيل تفرّق بين فئتين: أشخاص تعتبرهم عناصر في حزب الله وترفض إدراجهم في الصفقة المقترحة، ومدنيين تقول إنهم شكّلوا خطراً على قواتها عند توقيفهم رغم عدم ثبوت ارتباطهم بالحزب.
وكانت قناة "الشرق" السعودية قد أفادت بأن محادثات روما تضمنت مساراً "قانونياً" يتعلق بالأسرى اللبنانيين، بصورة منفصلة عن عناصر حزب الله، ووصفت الأجواء بشأنه بأنها "إيجابية". في المقابل، تفيد تقارير لبنانية بأن تل أبيب لم تستجب لطلبات السماح للجنة الدولية للصليب الأحمر بزيارتهم والتحقق بصورة مستقلة من هوياتهم وظروفهم.
ولم يقتصر الطرح الإسرائيلي، وفق التقارير، على رفات المدفونين في المقابر، إذ أثارت تل أبيب أيضاً قضية 11 يهودياً فُقدوا أو قُتلوا خلال الحرب الأهلية اللبنانية في ثمانينيات القرن الماضي، إلى جانب طلب معلومات بشأن الطيار الإسرائيلي رون أراد، الذي فُقد إثر سقوط طائرته فوق لبنان عام 1986.
وتقول مصادر لبنانية متابعة للمفاوضات إن تقديم معلومات حاسمة عن أشخاص اختفوا خلال الحرب الأهلية قبل عقود يُعدّ أمراً صعباً، في ظل عدم وجود سجلات تحدد مصيرهم أو أماكن دفنهم.
خلافات أبعد من ملف الأسرى
تجري مناقشة هذه القضايا ضمن مفاوضات أوسع بشأن الترتيبات في جنوب لبنان. وكانت محادثات سابقة في واشنطن قد أفضت إلى إطار يتناول نزع سلاح حزب الله، والانسحاب التدريجي للقوات الإسرائيلية، وانتشار الجيش اللبناني، بدءاً من أماكن أُطلق عليها اسم "المناطق التجريبية".
ولكن وفق التقارير، تريد إسرائيل والولايات المتحدة إحراز تقدم في المناطق المحددة بالفعل قبل توسيع التجربة، كما تطالبان بانسحاب حزب الله من تلة علي الطاهر قرب النبطية.
في المقابل، ترفض بيروت ربط الانسحاب الإسرائيلي بالتحقق مسبقاً من نزع سلاح حزب الله، وتتمسك بانسحاب القوات الإسرائيلية بما يسمح للجيش اللبناني بالانتشار وأداء مهماته، على أن تتولى آلية رقابة متابعة التنفيذ لاحقاً.
كما أفادت تقارير بأن تل أبيب لا تريد في المرحلة الحالية مناقشة إنشاء منطقة تجريبية ثانية، وتفضّل التركيز على التنسيق مع الجيش اللبناني واختيار طرف ثالث للتحقق من تنفيذ الالتزامات في المنطقة الأولى.
ونقلت "الأخبار" عن رئيس الوفد اللبناني المفاوض سيمون كرم قوله لمقربين، بعد عودته من روما، إنه لن يشارك في جولة أخرى ما لم تقدم إسرائيل خطوات جدية بشأن الانسحاب والمناطق التجريبية، إلى جانب وقف هدم المنازل والتعامل بجدية مع ملف الأسرى.
هل تتعثر المفاوضات؟
في ظل هذه الخلافات، نقلت قناة "الميادين" عن مصدر دبلوماسي لبناني أن جولة جديدة لا تبدو متوقعة خلال الشهر المقبل، مرجحاً استئناف المحادثات بعد الصيف.
وتقول مصادر رسمية لبنانية إن بيروت لا تزال تعتبر التفاوض "الطريق الوحيد إلى الحل"، لكنها أبلغت واشنطن بصعوبة مواصلة عقد جولات من دون نتائج ملموسة. وبحسب التقارير، يتمّ البحث في خيارات تشمل تعليق المحادثات، أو المطالبة بخطوات إسرائيلية قبل جولة ثامنة محتملة في مطلع سبتمبر/أيلول، أو الحصول على ضمانات بتنفيذ إجراءات محددة قبل استئنافها.
في المقابل، يواصل الرئيس اللبناني جوزيف عون الدفاع عن المسار التفاوضي. ونقل نقيب المحامين في بيروت عماد مارتينوس عنه أن المحادثات "تسير كما يجب" رغم العقبات السياسية والدبلوماسية، وأنها تتيح للبنان العمل على استعادة أراضيه.
أما الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم، فانتقد المفاوضات وموقف عون منها قبل جولة روما، معتبراً أنها ستقود إلى مزيد من "التنازلات"، ومتهماً الرئيس اللبناني بالانحياز.
وتتزامن المفاوضات مع توتر ميداني في الجنوب، إذ أفادت تقارير لبنانية بانفجارات وقصف وتحركات إسرائيلية في بلدات عدة، بينها كفر تبنيت وحداثا ومجدل زون وزوطر الشرقية وميس الجبل والخيام، فيما طالب سكان المنصوري بالسماح لهم بالعودة إلى قريتهم بعد منعهم من دخولها عقب إنذار إسرائيلي جديد بالإخلاء.