في حال الموافقة على انضمام يريفان إلى التكتل الأوروبي، فسيشكّل ذلك تحولاً تاريخياً في مسار أرمينيا، التي أمضت عقوداً تحت الحكم السوفياتي قبل استقلالها عام 1991.
أبدى الاتحاد الأوروبي اهتماماً بتوجه أرمينيا نحو الانضمام إلى التكتل، في وقت تستعد فيه يريفان لبدء إجراءات تقديم طلب رسمي للعضوية خلال الفترة المقبلة، في خطوة قد تعمّق مسار تقاربها مع بروكسل على حساب علاقاتها التقليدية مع موسكو.
وقالت المتحدثة باسم الاتحاد الأوروبي باولا بينهو إن رغبة أرمينيا في الانضمام تعكس جاذبية الاتحاد الأوروبي، مؤكدة أن بروكسل تنظر إلى هذا التوجه باهتمام.
وكان رئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان قد أبلغ البرلمان بأن بلاده قد تبدأ قريباً إجراءات تقديم طلب العضوية، مشيراً إلى أن تقديم الطلب سيعقبه تنظيم استفتاء على الانضمام.
وفي المقابل، شدد الاتحاد الأوروبي على أن العضوية تخضع لمسار رسمي محدد ومعايير تستند إلى الجدارة، موضحاً أن على أرمينيا تقديم طلب رسمي قبل بدء إجراءات الانضمام. وأضاف أن بروكسل تعمل بالفعل على تعزيز التقارب مع يريفان في مجالات عدة، بينها التجارة والتعاون.
تحول تاريخي
وفي حال الموافقة على انضمام يريفان إلى التكتل الأوروبي، فسيشكّل ذلك تحولاً تاريخياً في مسار أرمينيا، التي أمضت عقوداً تحت الحكم السوفياتي الحكم السوفياتي قبل استقلالها عام 1991.
وكانت أرمينيا إحدى جمهوريات الاتحاد السوفياتي، إذ أصبحت جمهورية أرمينية سوفياتية عام 1920 بعد سيطرة الجيش الأحمر على البلاد، ثم انضمت رسمياً إلى الاتحاد السوفياتي عند تأسيسه عام 1922.
وظلت أرمينيا تحت الحكم السوفياتي لنحو سبعة عقود، قبل أن تعلن استقلالها رسمياً في 21 سبتمبر/أيلول 1991، في أعقاب تفكك الاتحاد السوفياتي.
توتر العلاقات
وتشهد العلاقات بين روسيا وأرمينيا توتراً غير مسبوق في تاريخها الحديث، بعدما انتقلت من تحالف استراتيجي وثيق إلى أزمة ثقة امتدت إلى الجوانب السياسية والأمنية والعسكرية.
وتنتقد يريفان موسكو بسبب ما تعتبره تقاعساً عن دعمها خلال نزاعاتها مع أذربيجان. في المقابل، صعّدت روسيا ضغوطها على أرمينيا بسبب تقاربها مع الاتحاد الأوروبي، بينما حذر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في يونيو/حزيران الماضي من أن ما وصفه بـ"السيناريو الأوكراني" بدأ مع مساعي كييف للتقارب مع الاتحاد الأوروبي.
وتقول يريفان إن هذا التحول يرتبط خصوصاً بما تعتبره تقاعساً روسياً عن دعمها خلال النزاعات مع أذربيجان، بينما ترى موسكو في التوجه الأرميني نحو الغرب تهديداً لنفوذها في جنوب القوقاز.
وعلى المستوى الأمني، جمّدت أرمينيا مشاركتها في منظمة معاهدة الأمن الجماعي التي تقودها روسيا، ولوّحت بالانسحاب منها نهائياً، معتبرة أن المنظمة وموسكو لم تلتزما بتوفير الحماية المطلوبة للحدود الأرمينية خلال المواجهات مع أذربيجان بين عامي 2020 و2023. وفي المقابل، أكدت موسكو أن التعاون العسكري مع يريفان ضمن إطار المنظمة أصبح عملياً مجمداً، مع استمرار بعض الترتيبات الثنائية السابقة.
وبالتوازي مع تراجع الاعتماد على موسكو، تعمل أرمينيا على توسيع علاقاتها مع الدول الغربية، بما في ذلك تعزيز التعاون الأمني والعسكري مع فرنسا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة، إلى جانب الدفع نحو مزيد من التقارب السياسي والاقتصادي مع الاتحاد الأوروبي.
ورغم هذا التباعد، لا تزال العلاقات الاقتصادية تشكل أحد أبرز الروابط القائمة بين البلدين، إذ أن أرمينيا ما زالت عضواً في الاتحاد الاقتصادي الأوراسي الذي تقوده روسيا، مستفيدة من العلاقات التجارية وتدفقات الطاقة والامتيازات الاقتصادية المرتبطة بهذه العضوية.
وتحذر موسكو من أن الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي قد يفرض على يريفان الاختيار بين التكتلين، بما قد يؤدي إلى خسارة جزء من هذه المزايا.
الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي
وتضم قائمة الدول المرشحة رسمياً لعضوية الاتحاد الأوروبي 9 دول، بينها أوكرانيا ومولدوفا، فيما تتطلب عملية الانضمام عادة تنفيذ إصلاحات سياسية واقتصادية وتشريعية واسعة قد تستغرق سنوات.
وتخضع عملية الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي لمجموعة من الشروط المعروفة باسم معايير كوبنهاغن، التي أُقرت عام 1993 وتشكل الإطار الأساسي لتقييم الدول الراغبة في الحصول على العضوية. وتشمل هذه المعايير جوانب سياسية واقتصادية وتشريعية، إضافة إلى شروط تتعلق بالموقع الجغرافي وقدرة الاتحاد على استيعاب أعضاء جدد.
سياسياً، يتعين على الدولة المرشحة امتلاك مؤسسات ديمقراطية مستقرة، وضمان سيادة القانون واستقلال القضاء ونزاهة الانتخابات، إلى جانب احترام حقوق الإنسان وحماية الأقليات ومكافحة التمييز.
أما اقتصادياً، فيُشترط وجود اقتصاد سوق فعال قادر على مواجهة المنافسة وقوى السوق داخل الاتحاد الأوروبي. كما يتعين على الدولة المرشحة مواءمة تشريعاتها مع القواعد الأوروبية المعروفة باسم المكتسبات الأوروبية (Acquis Communautaire)، والالتزام بالسياسات والأهداف المشتركة للاتحاد.
ويشترط الاتحاد كذلك أن تكون الدولة المتقدمة للعضوية دولة أوروبية، مع مراعاة قدرة الاتحاد نفسه على استيعاب أعضاء جدد من دون التأثير في فعالية مؤسساته أو قدرته على تنفيذ سياساته.
وتتطلب عملية الانضمام عادة مفاوضات وإصلاحات واسعة قد تمتد لسنوات، إذ يتعين على الدولة المرشحة مواءمة قوانينها ومؤسساتها مع قواعد الاتحاد قبل استكمال إجراءات العضوية التي تتطلب في مراحلها النهائية موافقة الدول الأعضاء وفق القواعد المعمول بها.