Loader
ابحثوا عنا
اعلان

مرضى السرطان في غزة.. فرص العلاج تتراجع وقوائم انتظار تمتد لسنوات

محمد البشليقي مريض سرطان نازح إلى دير البلح
محمد البشليقي مريض سرطان نازح إلى دير البلح حقوق النشر  محمد نشبت- يورونيوز
حقوق النشر محمد نشبت- يورونيوز
بقلم: محمد نشبت مع يورونيوز
نشرت في
شارك محادثة تابع يورونيوز على جوجل
شارك Close Button
نسخ/لصق رابط فيديو المقال أدناه Copy to clipboard تم النسخ

مرضى السرطان في غزة.. علاج يتراجع وقوائم سفر تمتد لسنوات

قرابة 11 ألف مريض بالسرطان في قطاع غزة محرومون من جانب كبير من العلاج التخصصي والتشخيصي، بينهم 4 آلاف لديهم تحويلات للعلاج في الخارج وينتظرون السفر. ومع خروج مراكز علاج الأورام عن الخدمة، وتعطل أجهزة الكشف عن المرض ونفاد أدوية أساسية، أصبح جزء كبير من رحلة التشافي من الداء الخبيث مرتبطًا بفرصة مغادرة القطاع.

اعلان
اعلان

منذ فترة ينتظر محمد الترك فحوصًا وعلاجًا يقول إنهما غير متاحين له داخل قطاع غزة. يعاني الترك من ورم سرطاني ومشكلة في الدماغ أثرت، بحسب ما أبلغه الأطباء، على العصب البصري، ومع الوقت تراجع نظره في إحدى عينيه.

يقول محمد إن الأطباء طلبوا له صورة بالرنين المغناطيسي، إلى جانب تدخل جراحي يحتاج إلى إجرائه خارج غزة، لكن سفره لم يتم حتى الآن.

"أنا بدي صورة رنين، ومش موجودة في غزة. ولازمني عملية، والعملية مش موجودة هون”، يقول الترك. “حتى العلاجات اللي لازمتني مش موجودة، لا في المستشفى ولا في الصيدليات".

ويقول المريض الغزاوي إن حالته الصحية تراجعت خلال الانتظار. إذ ارتفع ضغط الدم لديه بصورة متكررة، بينما ازداد ضعف النظر في إحدى عينيه.

قصة الترك واحدة من آلاف الحالات الموجودة في القطاع

في 21 يوليو/تموز 2026 الماضي، قالت وزارة الصحة في غزة إن هناك نحو 11 ألف مريض سرطان، وإن 4 آلاف منهم لديهم تحويلات طبية للعلاج في الخارج وما زالوا بانتظار السفر. وكانت الوزارة قد قالت في فبراير/شباط الماضي إن بعض هؤلاء ينتظرون منذ أكثر من عامين.

ولا يُعرف على وجه الدقة العدد الفعلي الحالي للمصابين بالسرطان في القطاع. فقد أثرت الحرب على القدرة على التشخيص والمتابعة والتسجيل. وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن أكثر من ألفي حالة جديدة كانت تُشخص سنويًا في غزة، بينها 122 طفلًا وفق بيانات تعود إلى ما قبل الحرب.

مرضى السرطان في غزة بين مشاف مدمرة وأدوية مفقودة

كان مستشفى الصداقة التركي الفلسطيني المستشفى الوحيد المتخصص بعلاج السرطان في غزة. خرج عن الخدمة في نوفمبر/تشرين الثاني 2023 بعد نفاد الوقود وتعرضه لأضرار كبيرة، وبعد 16 شهرا، دمّره الجيش الإسرائيلي في 21 مارس/آذار 2025. وقال الجيش في معرض تبريره لتدمير لهذا المستشفى إن قواته استهدفت منشأة قال إنها كانت تستخدم لأغراض عسكرية في الموقع. لكن لم يتسن التحقق بصورة مستقلة من هذا الادعاء.

وبعد ذلك التاريخ بشهرين تقريبًا، تعرض مستشفى غزة الأوروبي لهجوم في 13 مايو/أيار 2025 وخرج عن الخدمة هو الآخر. وكانت هذه المؤسسة الصحية تقدم خدمات تخصصية لا تتوفر بسهولة في منشآت أخرى، بينها علاج السرطان وجراحات الأعصاب والقلب.

وعن شح الوسائل العلاجية في غزة، قالت وزارة الصحة في 3 أغسطس/آب الماضي، إن أدوية السرطان وأمراض الدم تتصدر قائمة العجز الدوائي في القطاع بنسبة 61%. وبلغ العجز العام في الأدوية 47%، وفي المستهلكات الطبية 58%، بينما وصل النقص في مواد الفحوص المخبرية إلى 85%.

وقبل ذلك بأيام، قالت الوزارة إن أصنافًا من العلاجات الكيميائية والأدوية الداعمة نفدت بالكامل، وإن بروتوكولات علاج سرطان الثدي والقولون والمستقيم والجهاز الهضمي والرأس والرقبة والأورام اللحمية كلها توقفت، كما أصبحت أقسام الأورام غير قادرة على استقبال حالات جديدة من مرضى سرطان الثدي.

كما يشمل النقص حقن دعم المناعة التي يحتاج إليها بعض المرضى بعد تلقي العلاج الكيميائي، إلى جانب المسكنات وأدوية الرعاية التلطيفية.

وفي فبراير/شباط، قالت الوزارة إن أجهزة أساسية للتشخيص والمتابعة، من بينها الرنين المغناطيسي والماموغرام، لم تكن متاحة، ما يزيد صعوبة تشخيص الحالات ومراقبة تطور المرض.

أجساد أنهكها المرض والانتظار

هذه الأزمة تظهر بوضوح في تجربة ألماظة أبو هنية.

السيدة أبو هنية مصابة بسرطان الثدي. تقول إنها خضعت أولًا لعملية جراحية في مستشفى ناصر في خانس يونس جنوب غزة، ثم تلقت علاجًا إشعاعيًا وكيميائيًا خارج القطاع، قبل أن تكتشف لاحقًا أن المرض وصل إلى فقرات أسفل الظهر.

وقبل الحرب بنحو شهر، سافرت المريضة إلى نابلس بالضفة الغربية لإجراء فحوص ومتابعة حالتها. وهي اليوم تحمل تحويلة جديدة للعلاج خارج غزة، لكنها ما زالت تنتظر.

تقول ألماظة إن الألم أصبح شديدًا إلى درجة أنها لا تنام أحيانًا طوال الليل، بينما يصعب العثور حتى على بعض المسكنات.

“الليل ما بنام من الوجع. ظهري كأنه نار”، تقول المريضة، “معي تحويلة، وكل اللي بتمناه أطلع على أي بلد أتعالج فيها وأرجع”.

تأخّرُ علاج السرطان لا يعني دائمًا تأجيل موعد يمكن تعويضه لاحقًا. فالعلاج الكيميائي وغيره من بروتوكولات الأورام يعتمد على دورات ومواعيد ترتبط بنوع الورم ومرحلته واستجابة المريض. وعندما ينقطع الدواء أو تتعطل الفحوص، يصبح من الصعب على الأطباء متابعة استجابة المريض أو تعديل خطته العلاجية في الوقت المناسب.

ولم تكن جميع خدمات السرطان متاحة أصلًا داخل غزة حتى قبل الحرب. فمرضى كثيرون كانوا يعتمدون على التحويل إلى مستشفيات خارج القطاع للعلاج الإشعاعي وبعض الجراحات والفحوص التخصصية. لكن الحرب وسعت الحاجة إلى العلاج في الخارج، وفي الوقت نفسه جعلت الوصول إليه أكثر تعقيدًا.

آلاف المرضى ينتظرون العلاج خارج غزة

توضح منظمة الصحة العالمية أن الحصول على تحويلة طبية ليس سوى بداية عملية الإجلاء.

يصدر الطبيب في مستشفى حكومي تحويلة للعلاج في الخارج، ثم تراجع لجنة التحويلات الحالة وتحدد أولويتها الطبية. بعد ذلك تُرسل الحالات المعتمدة إلى منظمة الصحة العالمية، التي تتواصل مع دول يمكنها استقبال المرضى.

وإذا وافقت دولة على استقبال المريض، تُرسل أسماء المريض ومرافقيه إلى السلطات الإسرائيلية للحصول على الموافقة الأمنية، قبل ترتيب عملية الخروج. وتوضح المنظمة صراحة أن التحويلة لا تضمن الإجلاء، وأن العملية تعتمد أيضًا على قبول دولة مستقبلة والموافقات الأمنية وإمكانية الوصول إلى المعابر ولا يوجد سقف زمني ثابت لاكتمال هذه العملية.

وفي 17 يونيو/حزيران، قالت وزارة الصحة إن 36 كشفًا أرسلت منذ فبراير/شباط 2026 تضم نحو 3 آلاف حالة كانت ما تزال تنتظر الموافقات اللازمة للسفر، مشيرة إلى أن الردود لا تصل بحسب ترتيب إرسال الكشوف، ما يطيل فترات الانتظار.

أما أعداد المرضى المحتاجين إلى العلاج في الخارج من جميع الأمراض والإصابات، فتواصلت في الارتفاع.

كانت منظمة الصحة العالمية تقدر في نهاية ديسمبر/كانون الأول 2025 أن نحو 18,500 مريض يحتاجون إلى إجلاء طبي عاجل.

وفي 12 أغسطس/آب 2026، قال مدير مؤسسة الإغاثة الطبية في غزة محمد أبو عفش إن العدد تجاوز 21,800 مريض وجريح يحتاجون إلى العلاج التخصصي أو الجراحة خارج القطاع. هذا الرقم تقدير صادر عن الإغاثة الطبية، وليس إحصاءً حديثًا منشورًا من منظمة الصحة العالمية.

في المقابل، يقول أحدث رقم معلن من الهيئة الأممية إن 12,913 مريضًا غادروا غزة للإجلاء الطبي منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023 وحتى 11 أغسطس/آب 2026، بينهم 6,186 طفلًا، وبرفقتهم نحو 16 ألف شخص.

وتوضح أرقام 2025 حجم الفارق بين الحاجة والخروج الفعلي. ففي ذلك العام، أُجلي 2,714 مريضًا عبر 119 مهمة إلى أكثر من 25 دولة، بينهم 647 مريض سرطان. الرقم الأخير وارد في لوحة الإجلاء السنوية لمنظمة الصحة العالمية، وليس تقديرًا منفصلًا.

المرض لا ينتظر اكتمال الإجراءات

محمد البشليقي واحد من المرضى الذين تحولت رحلة علاجهم إلى سلسلة طويلة من مراجعة المستشفيات والبحث عن الأدوية.

تقول زوجته إن معاناته بدأت بصعوبة في التبول والتبرز وآلام متكررة، وإنها تنقلت به نحو عام بين مستشفيات مختلفة قبل اكتشاف المرض. وتضيف أن التشخيص جاء بعد ظهور كتلة واضحة وإجراء خزعة في مستشفى الكويت التخصصي.

بدأ البشليقي بعد ذلك العلاج الكيميائي. وتقول زوجته إن المرض امتد إلى مناطق في الحوض والجهاز البولي والتناسلي، وإنه يعاني اليوم نزيفًا متكررًا وصعوبة في التبول والتبرز، إلى جانب ضعف شديد وعدم رغبة في تناول الطعام.

قبل أيام، تقول إنها اضطرت إلى استدعاء سيارة إسعاف بعد تدهور حالته وعدم قدرته على التبول أو التبرز. وفي ليلة أخرى، أصبح يعاني صعوبة شديدة في التنفس.

وعندما يعود محمد إلى المنزل تبدأ مشكلة أخرى وهي شحّ الدواء. تقول زوجته: "بروح أستلم الأدوية، بلاقي دايمًا دواء مش موجود".

وتضيف أن بعض الأدوية التي يحتاجها للمعدة ولتسكين الألم، إضافة إلى حليب طبي خاص، لا تتوفر بصورة منتظمة.

وتحاول الزوجة توفير الفاكهة وبعض الأغذية التي يستطيع محمد تناولها بسبب ضعف شهيته وانخفاض مستوى الهيموغلوبين لديه، لكنها تقول إن الأسرة أصبحت تعتمد على الاستدانة لتغطية جزء من هذه الاحتياجات.

“أنا بعاني في الدواء، وبعاني في وجعه، وبعاني في كل إشي”، تقول المتحدثة في حسرة وتعرب عن أمل وحيد لديها وهو أن يجد ما يخفف عنه معاناته: "اللي بتمناه يطلع بره يتعالج ويرجع بصحته لبناته”.

عداد الوفيات لا يتوقف: 3 من مرضى السرطان يموتون يوميا في غزة

ولا توجد حتى الآن قاعدة بيانات مكتملة تسمح بقياس الزيادة في وفيات مرضى السرطان خلال الحرب بدقة. لكن المؤشرات المتاحة تذهب جميعها في اتجاه واحد.

في 4 أغسطس/آب، قالت وزارة الصحة إن أزمة مرضى السرطان وصلت إلى مستوى تسجل فيه نحو ثلاث وفيات يوميًا بسبب غياب العلاج التخصصي.

وكانت وكالة رويترز قد أفادت في 13 أغسطس/آب الجاري نقلا عن تقديرات أطباء في غزة بأن معدل وفاة مرضى السرطان أصبح أعلى بمرتين إلى ثلاث مرات عما كان عليه قبل الحرب. وقال مدير مستشفى الشفاء محمد أبو سلمية إن المستشفيات تسجل ما بين ثلاث وخمس وفيات يوميًا بين مرضى السرطان. هذه تقديرات طبية وليست حصيلة إحصائية شاملة لجميع الحالات في القطاع.

يبقى محمد الترك ينتظر فحصًا وعملية قبل أن يتراجع نظره أكثر. أما ألماظة أبو هنية فهي أيضا تنتظر السفر فيما يستمر الألم في ظهرها. وزوجة محمد البشليقي تبحث عن الأدوية والمسكنات والغذاء الذي يستطيع زوجها تناوله، بينما تأمل أن يصل اسمه إلى رحلة علاج خارج غزة.

ثلاث حالات مختلفة، لكنها تختصر واقعًا يواجهه آلاف مرضى السرطان، علاج محدود داخل القطاع، وطريق إلى العلاج في الخارج لا يزال أبطأ من حاجة المرضى إليه.

انتقل إلى اختصارات الوصول
شارك محادثة تابع يورونيوز على جوجل

مواضيع إضافية

إسرائيل تدرس طرد أعضاء أوروبيين من مركز التنسيق الدولي بشأن غزة.. ما خلفيات التصعيد؟

مجلس السلام يحذّر من "نقطة اللاعودة" إذا انهار وقف إطلاق النار في قطاع غزة

تهديد ووعيد في تل أبيب بسبب "ألعاب أطفال".. لماذا تخشى إسرائيل الطائرات الورقية القادمة من غزة؟