يسعى تيار الإصلاح الديمقراطي، بقيادة المسؤول السابق في حركة فتح محمد دحلان، إلى طرح نفسه جسراً بين القوى الفلسطينية، من خلال رؤية سياسية تدعو إلى إنهاء الانقسامات الداخلية وإعادة تنظيم العلاقة بين الفصائل، بما يتيح توجيه الجهود نحو بناء دولة فلسطينية بدلاً من استنزافها في الصراعات على السلطة.
تكشف رسالة شاركها دحلان مع أعضاء في تياره، واطلعت عليها "جيروزاليم بوست"، عن توجه نحو التقارب مع مختلف القوى، بما فيها حركتا حماس والجهاد الإسلامي وقيادة السلطة الفلسطينية، انطلاقاً من مبدأ الحفاظ على التعددية السياسية ورفض إقصاء أي طرف بسبب الخلافات القائمة.
وتعرض الوثيقة تصوراً لكيفية التغلب على الانقسامات التي طبعت المشهد الفلسطيني على مدى سنوات، إذ كتب دحلان: "قد نختلف مع حماس أو الجهاد الإسلامي أو قيادة السلطة الفلسطينية، وقد تكون بيننا خلافات عميقة، لكن الاختلاف مع أحد لا يمنح أي طرف الحق في إلغاء الآخر".
وأضاف أن المطلوب هو انتقال العلاقة بين القوى الفلسطينية "من محاولة إضعاف بعضنا بعضاً إلى التعاون في بناء الوطن وحماية المشروع الوطني".
من الخصومة إلى التقارب
تكتسب الدعوة التي يطرحها دحلان أهمية في ضوء علاقاته المضطربة تاريخياً مع كل من فتح وحماس، فالمسؤول السابق في فتح والعضو السابق في المجلس التشريعي الفلسطيني يعيش في الإمارات منذ عام 2011، بعدما اتهمته السلطة الفلسطينية بعدة مخالفات خطيرة، بينها التورط في مؤامرة لتسميم رئيس منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات، ومحاولة الانقلاب على القيادة الفلسطينية والفساد المالي، وهي اتهامات نفاها دحلان.
كما اتسمت علاقته بحماس في مراحل سابقة بالمواجهة العلنية، إذ انتقد الحركة عام 2006 بسبب ما وصفه بالفساد، يما وُجهت إليه لاحقاً اتهامات بالضلوع في محاولة مدعومة من الولايات المتحدة للإطاحة بحماس في قطاع غزة.
لكن السنوات الأخيرة شهدت تحولاً في هذا المسار، مع عقد دحلان اجتماعات مع ممثلين عن حماس في القاهرة، بالتوازي مع سعي تياره إلى تقديم نفسه باعتباره لقة وصل بين القوى الفلسطينية المتنافسة.
وفي هذا السياق، قال ديمتري دلياني، العضو السابق في المجلس الثوري لحركة فتح والمتحدث باسم تيار الإصلاح الديمقراطي، لـ"جيروزاليم بوست"، إن دحلان يلتقي مختلف أبناء الشعب الفلسطيني، مشيراً إلى أن التيار على اتصال يومي بجميع الفصائل، وأن حضور دحلان في بعض الاجتماعات "عادة ما يحل القضايا لأنه يبرز أهميتها".
وأضاف أن علاقات دحلان الممتدة مع عدد من قادة الفصائل تسهّل هذه الاتصالات، معتبراً أن "مصداقيته" تجاوزت بالفعل مصداقية رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، على خلفية جهوده الإنسانية خلال الحرب على غزة.
ويشغل دحلان منصب مستشار للقيادة الإماراتية، وقد ساعد في تسهيل تقديم مساعدات بعشرات ملايين الدولارات إلى قطاع غزة، بحسب التقرير، ووُزعت على عائلات مؤيدة لحماس وأخرى علمانية، الأمر الذي أكسبه قدراً من الشعبية داخل القطاع وعزز موقعه في الدعوة إلى تبني نهج يقوم على التعددية السياسية.
دولة لا يهيمن عليها فصيل
بحسب الصحيفة العبرية، تتجاوز رؤية دحلان مسألة المصالحة بين الفصائل لتطرح تصوراً أوسع لإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني. ومن أبرز مبادئها ضمان حقوق الفلسطينيين وحرياتهم وكرامتهم، وإشراك الشعب في عمليات صنع القرار، إلى جانب إخضاع الجميع للمساءلة والشفافية.
وتدعو الرؤية كذلك إلى إنهاء دوامة العنف المسلح وسياسات المعاملة بالمثل والصراع على السلطة، إذ وصف دحلان الاقتتال الداخلي بأنه "جريمة وطنية"، مشدداً على أن "السلاح لا يحدد من يحكم، والقوة لا تمنح الشرعية".
ويشدد دحلان على أن رؤيته لا تستهدف إلغاء الفصائل أو طمس هوياتها وتاريخها، بل إعادة تحديد علاقتها بالدولة. وقال إن لكل قوة الحق في الحفاظ على برنامجها والتنافس أمام الشعب، مضيفاً: "يمكن للفصيل أن يصل إلى السلطة، لكنه لا يجوز أن يتحول إلى الدولة".
وبحسب الرؤية، يفترض أن تصبح الدولة "مساحة محايدة للجميع"، بحيث لا يستطيع أي فصيل السيطرة على القضاء أو الأجهزة الأمنية أو الإدارة والوظائف العامة.
ورغم أن بعض مواقف دحلان قد تُفسر على أنها انتقاد لقرارات اتخذتها حماس في الماضي، قال دلياني إن الفساد والإخفاقات المالية لدى السلطة الفلسطينية ألحقت بدورها أضراراً كبيرة بالمجتمع، ما يجعل إصلاح النظام ضرورة لمعالجة التداعيات الاقتصادية.
ولا تحدد الوثيقة طبيعة الدور الذي يمكن أن تؤديه حماس في النظام السياسي المستقبلي، خصوصاً في ظل إعلان الحركة نيتها خوض انتخابات المجلس التشريعي المقبلة في تشرين الثاني/نوفمبر، إلا أن دلياني اعتبر أن أيديولوجية حماس ستكون ممثلة حتى في حال عدم مشاركتها كحزب سياسي.
واقترح، لمعالجة أوجه القصور في النظام الحالي، منح ولاية مؤقتة عبر الانتخابات تسمح بنقل سلطة المؤسسات من مجموعة إلى أخرى وفقاً لإرادة الأغلبية، بدلاً من "إعادة توزيع مؤسسات الدولة على شكل حصص بين الفصائل".
كما يدعو دحلان إلى حظر استخدام السلاح في النزاعات الداخلية ومنع تكرار الانقلابات السياسية، بالتوازي مع رفض احتكار جهة واحدة صلاحية اتخاذ قرارات مصيرية بصورة أحادية، بما في ذلك إعلان الحرب أو إبرام اتفاقيات السلام.
وعلى الرغم من دفاعه عن قانونية جميع أشكال "المقاومة" الموجهة ضد احتلال عسكري ومشروعيتها بموجب القانون الدولي، أعرب دلياني عن رفضه الشخصي للعنف من منظور أخلاقي، معتبراً أنه لا يقود إلا إلى "مجتمع فاشل"، وأن السلام يبقى ضرورة لا بد منها.