بعد صافرة النهاية، وصف هالغريمسون اليوم بأنه "ربما كان الأصعب" في مسيرته التدريبية، وقال إن لاعبيه أظهروا مدى أهمية تمثيل أيرلندا بالنسبة إليهم.
فاز منتخب جمهورية أيرلندا على نظيره الإسرائيلي بثلاثة أهداف دون رد، في مباراة أقيمت في مدينة ديبريتسن المجرية ضمن دوري الأمم الأوروبية، وأتى ذلك بعد أيام من الجدل بشأن خوض اللقاء على خلفية الحرب في غزة.
وكان التوتر حاضراً منذ اللحظات التي سبقت صافرة البداية، إذ أدار أفراد من الجهاز الفني الأيرلندي ظهورهم أثناء عزف النشيد الوطني الإسرائيلي، فيما وقف اللاعبون مطأطئي الرؤوس وهم يرتدون شارات سوداء حداداً على ضحايا الحرب في غزة. كما غابت عن مراسم ما قبل المباراة المصافحة المعتادة وتبادل الأعلام التذكارية بين الفريقين.
وأقيم اللقاء بحضور جماهيري خجول، إذ لم يتجاوز عدد المشجعين الإسرائيليين نحو 150 شخصاً، مقابل نحو 12 مشجعاً أيرلندياً تمكنوا من دخول الملعب، رغم قرار الاتحاد الأيرلندي لكرة القدم عدم تخصيص حصة من التذاكر لجماهير المنتخب.
وخلال المباراة، تعرض المهاجم الأيرلندي آدم إيداه لهتافات وُصفت بـ"العنصرية" من جانب مشجعين إسرائيليين، إذ سُمعت أصوات تحاكي أصوات القردة كلما لمس الكرة، وهو ما أثار إدانات واسعة على منصات التواصل الاجتماعي.
ومع اقتراب صافرة النهاية، تصاعدت الاحتكاكات بين لاعبي الفريقين، فيما ذكرت صحيفة "الغارديان" أن هتافات صدرت عن مشجعين إسرائيليين بدت مؤيدة للجيش الإسرائيلي.
أيام من الجدل
وكانت المواجهة قد أثارت نقاشاً واسعاً قبل أيام من موعدها، وسط دعوات إيرلندية إلى مقاطعة المباراتين المقررتين أمام إسرائيل احتجاجاً على الحرب في غزة.
وسبق المباراة توقيع أكثر من 160 رياضياً أيرلندياً رسالة مفتوحة دعوا فيها المنتخب إلى مقاطعة المباراتين. كما أقر المدرب هيمير هالغريمسون بأن بعض لاعبيه لم يكونوا مرتاحين لفكرة المشاركة، فيما قال لاعب الوسط جيسون نايت إن المواجهتين "لا ينبغي أن تقاما".
وبلغ النقاش ذروته مع إعلان حارس مرمى منتخب جمهورية أيرلندا غافين بازونو انسحابه من المباراة، موضحاً في بيان أن القرار لم يكن سهلاً بالنسبة إليه، لكنه جاء انطلاقاً من قناعاته ومبادئه.
وقال بازونو: "تمثيل بلادي يعني لي كل شيء. أكنّ أقصى درجات الاحترام لكل واحد من زملائي في المنتخب، وللمدرب وطاقمه وللشعب الأيرلندي"، قبل أن يضيف: "أنا شخص ذو إيمان راسخ، وأسعى قدر استطاعتي إلى التمسك بمبادئي وقيمي. لذلك، أشعر بأن مشاركتي في المباراتين المقبلتين أمام إسرائيل ستكون أمراً خاطئاً".
وأوضح أن قراره يستند "فقط إلى قناعتي الشخصية بأن قتل الأبرياء أمر خاطئ"، مؤكداً أن موقفه "ليس موجهاً ضد الشعب الإسرائيلي أو الجالية اليهودية، بل ضد الفظائع التي تشهدها المنطقة".
وختم بالقول: "نادراً ما تتاح للإنسان في حياته فرصة لاتخاذ موقف دفاعاً عن قضية أكبر منه، وأؤمن بشدة بأن هذه إحدى تلك اللحظات".
وعقب ذلك، صوّت لاعبو المنتخب على خوض اللقاء، وانتهى التصويت بالموافقة على المشاركة، فيما أفادت تقارير بأن ثمانية منهم عارضوا القرار. وفي النهاية، كان بازونو الوحيد الذي انسحب.
بدوره، رحّب الاتحاد الإسرائيلي لكرة القدم بقرار خوض المباراة، معتبراً أن "كرة القدم انتصرت"، ومشدداً على ضرورة الفصل بينها وبين السياسة.
وقال الاتحاد في بيان إن "الفصل بين كرة القدم والسياسة يجب أن يستمر"، معتبراً أن أي نهج آخر قد يقود إلى "عواقب كارثية على اللعبة التي نحبها". وأضاف أن الاتحاد الأيرلندي ولاعبي المنتخب اتخذوا "القرار الصحيح" بالموافقة على خوض اللقاء، "حتى وإن استغرق ذلك وقتاً أطول مما ينبغي".
أما الاتحاد الأيرلندي لكرة القدم، فكان قد صوّت 93% من أعضائه في نوفمبر/تشرين الثاني لصالح مطالبة الاتحاد الأوروبي لكرة القدم "يويفا" بتعليق مشاركة إسرائيل في مسابقاته. لكنه قرر في يوليو/تموز المضي في خوض المباراتين، بأغلبية 75 صوتاً مقابل 32، مع امتناع ثلاثة أعضاء عن التصويت، مشيراً إلى عواقب محتملة في حال الانسحاب، من بينها خصم نقاط من المنتخب.
ولم تبق دعوات المقاطعة داخل الأوساط الرياضية. ففي ليلة المباراة، أطفأت عشرات الحانات شاشاتها وامتنعت عن بث اللقاء. كما عكست استطلاعات للرأي حجم الاعتراض على إقامتها، إذ أظهر أحدها أن 76% من مشجعي كرة القدم الأيرلنديين المشاركين فيه عارضوا إجراءها، فيما أظهر آخر أن 63% من أعضاء رابطة لاعبي كرة القدم المحترفين في أيرلندا كانوا ضد خوضها، وفق ما نقلته قناة "الجزيرة".
أيرلندا تحسم المباراة في 11 دقيقة
وبعيداً عن الجدل، كان الحسم على أرض الملعب سريعاً. ففي غضون 11 دقيقة فقط، سجلت إيرلندا ثلاثة أهداف أنهت عملياً آمال المنتخب الإسرائيلي في العودة.
وافتتح تروي باروت التسجيل في الدقيقة 14، بعد هجمة قادها جيمس أبانكواه من الجهة اليمنى. وبعد دقيقتين، أضاف آدم إيداه الهدف الثاني إثر تمريرة بينية من جاك مويلان.
وفي الدقيقة 25، سجل مويلان الهدف الثالث، رافعاً رصيده إلى أربعة أهداف في أربع مباريات دولية، قبل أن يتوجه نحو راية الركنية وينزع الشارة السوداء التي كان يرتديها ويقبّلها.
وأجرى هالغريمسون خمسة تغييرات على التشكيلة التي خسرت أمام كوسوفو، فيما بدأ المهاجم فين أزاز المباراة على مقاعد البدلاء. وكان أزاز، الذي تحمل والدته الجنسية الإسرائيلية، قد شارك، وفق تقارير، في النقاشات التي شهدها المنتخب عشية اللقاء بشأن خوض المواجهة.
وعن قرار عدم إشراكه أساسياً، قال المدرب: "رأينا أن لاعبين آخرين أكثر ملاءمة لهذه المباراة".
وحاول المنتخب الإسرائيلي العودة إلى المباراة في الشوط الثاني، وكان البديل دور بيريتز قريباً من التسجيل، إلا أن الحارس كاويمين كيليهر تصدى لمحاولته.
ماذا قال المدربان بعد المباراة؟
وبعد صافرة النهاية، وصف هالغريمسون اليوم بأنه "ربما كان الأصعب" في مسيرته التدريبية، وقال إن لاعبيه أظهروا مدى أهمية تمثيل أيرلندا بالنسبة إليهم.
وأضاف: "مثّلوا أنفسهم في الملعب بكرامة، ولكن أيضاً بقوة وفخر الأيرلنديين"، معرباً عن أمله في أن يحظى الفريق بدعم الجمهور في بلاده.
ورداً على سؤال بشأن اعتبار أن أيرلندا خاضت المباراة أمام منتخب يمثل دولة متهمة بارتكاب "إبادة جماعية"، قال هالغريمسون: "نحن لا ندعم أيّاً مما يحدث في غزة".
وفي المقابل، نفى مدرب إسرائيل ران بن شمعون اعتزامه الاستقالة عقب الخسارة، وقال: "لم نتعامل جيداً مع الضغط، وهذا واضح. أخفقنا ذهنياً وأخفقنا تكتيكياً".
وأضاف: "أمامنا مباراة أخرى بعد أيام قليلة، وعلينا أن نستعيد طاقتنا وننهض من جديد".
وفي تطور لاحق، فتح الاتحاد الأيرلندي لكرة القدم تحقيقاً في احتمال تعرض آدم إيداه لإساءة عنصرية من جانب مشجعين إسرائيليين خلال المباراة، وبدأ بجمع تسجيلات عالية الجودة للقاء، تشمل مقاطع صوتية التقطتها ميكروفونات محيطة بأرض الملعب.
وكان لاعب الوسط جيسون مولومبي قد طلب من حكام المباراة الانتباه إلى هتافات اعتقد أنها مسيئة، إلا أن الحكام أبلغوا مسؤولي الاتحاد الأيرلندي بعد اللقاء بأنهم لم يسمعوا لاحقاً أي هتافات عنصرية.
وبحسب "بي بي سي سبورت"، أبلغ مندوب الاتحاد الأوروبي لكرة القدم "يويفا" الجانب الأيرلندي بأن عدم تسجيل بلاغ واضح عن واقعة عنصرية خلال المباراة حال دون اتباع الإجراءات المعتادة وفتح تحقيق من جانب الاتحاد الأوروبي.
ويعتزم الاتحاد الأيرلندي تشكيل لجنة لتحليل التسجيلات المصورة والصوتية، على أن يتقدم بشكوى إلى "يويفا" ويطلب فتح تحقيق في حال خلصت اللجنة إلى وجود أدلة على تعرض إيداه لإساءة عنصرية.