تشير محاور الجولة، من آسيا الوسطى إلى الهند، إلى أن إدارة ترامب تسعى إلى ترسيخ حضور أميركي أوسع في مناطق غنية بالموارد، عبر توسيع التجارة والاستثمارات وتطوير الشراكات الاستراتيجية، بالتوازي مع مواجهة التحديات الأمنية المرتبطة بإيران وأوكرانيا.
في وقت تتشابك فيه المواجهة مع إيران مع تعقيدات الحرب الروسية الأوكرانية، تتحرك الولايات المتحدة على مسار موازٍ لتعزيز حضورها الاقتصادي والاستراتيجي في آسيا الوسطى والجنوبية.
وفي هذا السياق، أطلق وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو تصريحات حادة بشأن القدرات العسكرية الإيرانية ومضيق هرمز، ونفى وقف تبادل المعلومات الاستخباراتية مع أوكرانيا، بالتزامن مع زيارة إلى أوزبكستان تمهيداً لجولة تشمل الهند، وتركز على توسيع الشراكات التجارية وتأمين الموارد الحيوية ومنافسة النفوذ الصيني.
روبيو: إيران فقدت قدرات عسكرية رئيسية
وفي تصريحات نقلها موقع "برايتبارت"، قال روبيو إن إيران سعت إلى بناء ما وصفه بـ"درع تقليدي" يتكون من عشرات الآلاف من الصواريخ والطائرات المسيّرة، بهدف بلوغ مرحلة تستطيع فيها إعلان بدء تصنيع سلاح نووي، مع ضمان عدم قدرة الأطراف الأخرى على منعها من ذلك.
وأضاف أن طهران لم يعد لديها سلاح جوي أو قوة بحرية، وأنها فقدت جزءاً كبيراً من دفاعاتها الجوية، معتبراً أن مساحات واسعة من الأراضي الإيرانية أصبحت مكشوفة أمام ضربات مستقبلية إذا اقتضت الضرورة.
وفي ما يتعلق بمضيق هرمز، زعم وزير الخارجية الأميركي أن إيران فقدت السيطرة عليه، مشيراً إلى أن ما بين 13 و14 مليون برميل من النفط عبرت المضيق يومياً في طريقها إلى الأسواق العالمية خلال الأيام العشرة الماضية.
وأضاف، وفق ما نقله الموقع، أن إيران أصبحت الدولة الوحيدة التي لا تستطيع تمرير برميل واحد من نفطها عبر المضيق.
وقال روبيو إن القوات الأميركية تتخذ وضعية دفاعية في المنطقة، بالتزامن مع ما وصفه بأنه "عمل ممتاز" في شل الاقتصاد الإيراني، في تصريحات تربط بين الضغط العسكري والاقتصادي على طهران.
واشنطن تنفي وقف تبادل المعلومات مع أوكرانيا
وفي الملف الأوكراني، نفى روبيو أن تكون الولايات المتحدة قد أوقفت تبادل المعلومات الاستخباراتية مع كييف، وذلك خلال حديثه إلى الصحفيين في سمرقند، الاثنين، على هامش زيارته لأوزبكستان.
ودعا الوزير الأميركي الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إلى التركيز على إنهاء الحرب مع روسيا، قائلاً إن الأولوية ينبغي أن تكون وضع حد للنزاع، بدلاً من الانشغال بخلافات بشأن الدعم الأميركي.
وجاء النفي في أعقاب تقارير عن تعليق مؤقت لتبادل المعلومات الاستخباراتية، إذ أفاد زيلينسكي بأن هذا التعاون استؤنف بعد توقف، في حين أكدت واشنطن استمرار دعمها الاستخباراتي لأوكرانيا.
وبحسب وكالة رويترز، شدد روبيو خلال زيارته على ضرورة أن تركز الجهود على إنهاء الحرب، محذراً في الوقت نفسه من مخاطر اتساع نطاقها إلى دول أخرى نتيجة التصعيد أو الحوادث العسكرية غير المقصودة.
وتأتي هذه التصريحات وسط تباينات بين واشنطن وكييف بشأن سبل إنهاء الحرب، في وقت تواصل فيه إدارة ترامب الدفع باتجاه تسوية تفاوضية مع موسكو.
سمرقند بوابة لتعزيز الحضور الأميركي في آسيا الوسطى
وبالتوازي مع الملفات الأمنية، بدأ روبيو، الاثنين، برنامج اجتماعاته في سمرقند، بعد وصوله إلى أوزبكستان مساء الأحد، ضمن جولة تشمل أيضاً الهند، وتهدف إلى تعزيز العلاقات التجارية والاستراتيجية الأميركية في منطقة تتنافس فيها واشنطن وبكين على النفوذ.
وبحسب وكالة فرانس برس، يشارك روبيو في اجتماعات ثنائية ومتعددة الأطراف ضمن صيغة "سي5+1"، التي تجمع الولايات المتحدة بالدول الخمس في آسيا الوسطى: أوزبكستان وكازاخستان وقرغيزستان وطاجيكستان وتركمانستان.
ويرافق الوزير الأميركي وفد يضم أكثر من 200 من قادة الأعمال، في مؤشر إلى الأهمية التي توليها واشنطن للبعد الاقتصادي في هذه الجولة، إلى جانب ملفات الأمن والطاقة والمعادن الحيوية.
وكان الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد استقبل قادة دول آسيا الوسطى الخمس في البيت الأبيض في نوفمبر 2025، في إطار مساعيه إلى توسيع التعاون مع المنطقة وتعزيز العلاقات الثنائية.
وتكتسب سمرقند، التي كانت محطة تاريخية بارزة على طريق الحرير، أهمية في هذه الزيارة باعتبارها نقطة انطلاق لمحادثات تستهدف توسيع الشراكات الأميركية مع دول تقع بين روسيا والصين وإيران، وتمتلك موارد طبيعية ذات قيمة استراتيجية.
الطاقة والمعادن في قلب المنافسة مع بكين
وتسعى واشنطن إلى توسيع تعاونها الاقتصادي مع دول آسيا الوسطى في وقت لا تزال فيه الجمهوريات الخمس مرتبطة بروسيا عبر شبكات الطاقة والهجرة والأمن، رغم تراجع النفوذ الروسي منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا.
وقد استفادت الصين من هذا التحول لتعزيز حضورها الاقتصادي، إذ أصبحت الشريك التجاري الرئيسي لدول المنطقة، فيما توسعت شركاتها في إبرام اتفاقات للحصول على موارد استراتيجية، من بينها الغاز الطبيعي من تركمانستان، واليورانيوم من كازاخستان، والمعادن النادرة من طاجيكستان.
في المقابل، تعمل الولايات المتحدة على تنويع مصادر الطاقة وتأمين إمدادات المعادن الحيوية اللازمة للصناعات المتقدمة، في إطار استراتيجية أوسع للحد من الاعتماد على مصادر محدودة وتعزيز سلاسل الإمداد.
ونقلت وكالة فرانس برس عن مسؤولين أميركيين أن تعزيز الشراكة مع دول آسيا الوسطى، ولا سيما في قطاع الطاقة، يمثل أحد الأهداف الرئيسية للجولة.
وأشار أحد المسؤولين إلى أن الزيارة جرى التخطيط لها منذ أشهر، وتوفر فرصة لتوسيع الحضور الأميركي في منطقة تزداد أهميتها على المستويين الاقتصادي والجيوسياسي.
ولا يقتصر التنافس في المنطقة على الاستثمارات والتجارة، بل يمتد إلى بناء علاقات سياسية وأمنية أكثر رسوخاً، في ظل سعي دول آسيا الوسطى إلى تنويع شراكاتها وعدم الارتهان لقوة دولية واحدة.
الهند واتفاق تجاري يقترب من التوصل إليه
ومن أوزبكستان، يتوجه روبيو إلى الهند، حيث تشمل جولته مدينتي مومباي وجامناغار في ولاية غوجارات، لإجراء محادثات مع مسؤولين وقادة أعمال، في إطار مساعي واشنطن إلى تعزيز علاقاتها مع أحد أهم شركائها في آسيا.
وتعد الزيارة الثانية لروبيو إلى الهند خلال العام الجاري، بعد زيارة سابقة في مايو شملت نيودلهي وكولكاتا، بما يعكس استمرار الجهود الأميركية لتوسيع التعاون التجاري والاستثماري مع نيودلهي.
وفي ما يتعلق بالمفاوضات التجارية بين البلدين، قال مسؤول أميركي رفيع، وفق ما أوردته وكالة فرانس برس، إن الجانبين باتا قريبين جداً من التوصل إلى اتفاق يجري التفاوض بشأنه منذ أشهر.
وكانت واشنطن ونيودلهي قد توصلتا في فبراير الماضي إلى اتفاق تجاري مؤقت يستهدف خفض الرسوم الجمركية الأميركية على المنتجات الهندية، إلا أن المفاوضات واجهت حالة من عدم اليقين عقب قرار المحكمة العليا الأميركية إبطال عدد كبير من الرسوم الجمركية الشاملة التي فرضها ترامب، ما أثار تساؤلات بشأن آلية تنفيذ الاتفاق وموعد دخوله حيز التنفيذ.
وشهدت العلاقات التجارية بين البلدين توتراً في وقت سابق، بعدما فرض ترامب رسوماً جمركية إضافية بنسبة 25% على السلع الهندية رداً على شراء نيودلهي النفط الروسي، قبل إلغاء تلك الرسوم لاحقاً.
استثمارات الطاقة تعزز المسار الاقتصادي
ومن المقرر أن يلتقي روبيو خلال محطتيه في الهند قادة شركات محلية، لبحث فرص الاستثمار وتعزيز التعاون الصناعي، مع تركيز خاص على قطاع الطاقة.
ومن بين الملفات المطروحة مشروع مصفاة نفط في ولاية تكساس تعتزم مجموعة "ريلاينس إندستريز" الهندية تمويله، في خطوة تعكس تداخل المصالح التجارية مع حسابات أمن الطاقة والعلاقات الثنائية.
وتشير محاور الجولة، من آسيا الوسطى إلى الهند، إلى أن إدارة ترامب تسعى إلى ترسيخ حضور أميركي أوسع في مناطق غنية بالموارد، عبر توسيع التجارة والاستثمارات وتطوير الشراكات الاستراتيجية، بالتوازي مع مواجهة التحديات الأمنية المرتبطة بإيران وأوكرانيا.
وبين التصريحات المتشددة حيال طهران والدعوات إلى إنهاء الحرب في أوكرانيا، يضع روبيو تعزيز المصالح الأميركية الاقتصادية في صلب تحركه الآسيوي، في مسعى إلى توسيع نفوذ واشنطن في منطقة باتت مواردها وموقعها الجغرافي محورين أساسيين في التنافس الدولي.