كشف تقرير إسرائيلي عن زيارة أجراها رئيس جهاز الأمن العام الإسرائيلي "الشاباك" ديفيد زيني إلى باريس، التقى خلالها مسؤولين استخباراتيين. وتأتي هذه التحركات الأمنية وسط توترات دبلوماسية متصاعدة بين البلدين.
وفقاً لما أوردته هيئة البث الإسرائيلية "كان"، وصل زيني إلى فرنسا، الثلاثاء، في زيارة عمل كانت مقررة مسبقاً، وعقد خلالها اجتماعات مع مسؤولين كبار في الأجهزة الأمنية الفرنسية.
وشملت لقاءات المسؤول الإسرائيلي كلاً من المديرية العامة للأمن الداخلي الفرنسية (DGSI)، المسؤولة عن رصد التهديدات التي تستهدف الأمن القومي والتصدي لها داخل البلاد، والمديرية العامة للأمن الخارجي (DGSE)، المعنية بالاستخبارات خارج الحدود الفرنسية. ويؤدي الجهازان مهام مماثلة لتلك التي يضطلع بها الشاباك والموساد الإسرائيليان، على التوالي.
وجاءت هذه الاجتماعات بعد أيام من احتجاجات شهدتها مناطق مختلفة من فرنسا، السبت 17 أكتوبر، احتجاجاً على ارتفاع تكاليف المعيشة وتدهور الخدمات العامة. ورغم الطابع السلمي لجزء كبير من التظاهرات، اندلعت مواجهات وأعمال نهب وإحراق للمباني والمركبات في مدن عدة، بينها باريس ومرسيليا وليون.
وبحسب حصيلة محدّثة لوزارة الداخلية الفرنسية، أُوقف 2397 شخصاً وأصيب 997 من عناصر الشرطة والدرك، بينهم سبعة بجروح خطيرة.
هل ترتبط الزيارة بالاضطرابات؟
بحسب هيئة البث الإسرائيلية، تناولت محادثات زيني مع المسؤولين الفرنسيين سبل التصدي للتهديدات المرتبطة بـ"الإرهاب" و"التطرف الإسلامي".
وكانت الاجتماعات مرتبة قبل اندلاع موجة العنف الأخيرة، فيما لم تكشف التقارير عن طبيعة المعلومات الاستخباراتية التي جرى تبادلها أو ما إذا كانت المباحثات قد أسفرت عن اتفاقات جديدة لتعزيز التعاون بين الجانبين.
كما لم تتوافر معطيات تؤكد وجود صلة بين الاحتجاجات الاجتماعية في فرنسا و"التهديدات المتطرفة" التي تناولتها اللقاءات.
لذلك، فإنّ طبيعة التعاون الذي جرى بحثه خلال الزيارة لا تزال غير واضحة، في ظل تحفظ الجانب الإسرائيلي عن الكشف عن تفاصيلها.
وقد رفض الجهاز تأكيد الاجتماعات أو الإفصاح عن مضمونها، مكتفياً بالإشارة إلى أنه لا يعلّق على جدول أعمال رئيسه أو تحركاته.
توتر بين البلدين
تكتسب زيارة زيني أهمية إضافية في ضوء الخلافات السياسية المتزايدة بين فرنسا وإسرائيل، ولا سيما بشأن السياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين والتوسع الاستيطاني في الضفة الغربية.
وتدرس باريس اتخاذ إجراءات تستهدف المستوطنات الإسرائيلية، من بينها فرض قيود على استيراد المنتجات القادمة منها، في إطار تحركات دولية تهدف إلى التصدي للتوسع الاستيطاني والحفاظ على فرص حل الدولتين.
ورغم هذه الخلافات، تعكس الاجتماعات التي كشفت عنها وسائل الإعلام الإسرائيلية استمرار قنوات التواصل الأمني بين البلدين، في وقت تتباعد فيه مواقفهما بشأن عدد من الملفات السياسية المرتبطة بالشرق الأوسط.
وقد برزت حدة هذا التوتر مجدداً، الأربعاء، عندما وجهت وزارة الخارجية الفرنسية انتقاداً لاذعاً إلى وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير، على خلفية نشره مقطع فيديو مولّداً بالذكاء الاصطناعي، يُظهر سكاناً فلسطينيين من قطاع غزة يذهبون بطريقة سحرية إلى باريس.
وفي تعليق ساخر نشره حساب "الرد الفرنسي" التابع لوزارة الخارجية على منصة "إكس"، كتبت الخارجية الفرنسية: "تخيّل أن تمتلك مصباحاً سحرياً وتهدر أمنيتك على... بن غفير. حتى السحر لا يستطيع رفع حظر دخوله فرنسا"، في إشارة إلى القيود المفروضة على دخول الوزير الإسرائيلي إلى أراضيها.
وقد نشر بن غفير أيضاً مقاطع دعائية مثيرة للجدل، في إطار حملته الانتخابية قبيل الانتخابات التشريعية الإسرائيلية المقررة في 27 تشرين الأول/أكتوبر.
وفي أحد المقاطع المصممة باستخدام الذكاء الاصطناعي، عرض الوزير الإسرائيلي تصوراً لقطاع غزة عام 2030، يظهر فيه وكأنه مدينة أشباح، وسط دمار واسع طال المدارس والمرافق العامة والبنية التحتية والميناء.
وتضمن الفيديو مشهداً يظهر فيه حمار، تليه عبارة تقول: "لازم تصير حمار.. عشان تبقى بغزه"، في سخرية مباشرة من الفلسطينيين الذين يواصلون العيش في القطاع رغم الدمار الهائل والظروف الإنسانية القاسية.
غزة.. الدمار في خدمة الدعاية الانتخابية؟
أثارت المقاطع التي نشرها بن غفير انتقادات، خصوصاً أنها تأتي في سياق مواقفه المتكررة الداعية إلى السيطرة على قطاع غزة وتهجير سكانه الفلسطينيين وإقامة مستوطنات إسرائيلية على أراضيه.
وكانت أحزاب عربية في إسرائيل قد اتهمت الوزير، الأحد، بتوظيف سياساته وإجراءاته بحق الفلسطينيين في حملته الانتخابية، سعياً إلى حشد التأييد بين أنصاره وترهيب الناخبين العرب.
وتأتي هذه الدعاية في وقت لا يزال فيه سكان غزة يواجهون التداعيات الإنسانية للحرب الإسرائيلية التي اندلعت في تشرين الأول/أكتوبر 2023، وأسفرت عن مقتل 74 ألفاً و 498 شخصاً وإصابة 175 ألفاً و616 آخرين، إلى جانب دمار واسع طال نحو 90% من البنية التحتية المدنية.
ورغم دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في تشرين الأول/أكتوبر 2025، استمرت عمليات القصف وإطلاق النار وهدم المنشآت الفلسطينية، ما زاد من معاناة السكان وفاقم الأوضاع الإنسانية في القطاع، الذي لا يزال يرزح تحت وطأة الدمار والنزوح ونقص الخدمات الأساسية.