كشف تقرير لوكالة "أسوشيتد برس" عن مؤشرات وإفادات تشير إلى أن معلومات استخباراتية جمعتها أقمار صناعية روسية ساعدت جماعات مدعومة من إيران في تنفيذ هجمات على منشآت نفطية وقواعد عسكرية في السعودية.
تتصاعد أهمية المعلومات الاستخباراتية الفضائية في الصراعات الإقليمية، مع تزايد قدرة الجماعات المسلحة على توجيه ضربات دقيقة إلى منشآت نفطية وقواعد عسكرية ومراكز قيادة، بما يضع مصادر بيانات الاستهداف ودور القوى الدولية في توفيرها تحت المجهر؛ فكيف تساعد الأقمار الصناعية الروسية إيران وحلفاءها على تنفيذ هجمات ضد السعودية؟
تقرير يكشف دور الأقمار الروسية في دعم الهجمات
كشف تقرير لوكالة "أسوشيتد برس"، استند إلى بيانات شركة متخصصة في الاستخبارات الجغرافية المكانية وإفادات مسؤولين ومحللين، عن نمط متكرر من نشاط أقمار صناعية روسية فوق أهداف سعودية قبل تعرّضها لهجمات نفّذها الحوثيون في اليمن وجماعات مدعومة من إيران في العراق.
وبحسب التقرير، نفّذت جماعات عراقية مدعومة من إيران ضربة دقيقة الشهر الماضي، أصابت محطات ضخّ على أهم خط أنابيب نفط في السعودية. وبعد أيام، استهدف هجوم آخر قاعدة جوية عسكرية سعودية، وألحق أضرارًا بطائرة مقاتلة إيطالية داخل إحدى الحظائر.
وأشار التقرير إلى أن عاملًا حاسمًا في نجاح الضربتين تمثّل في النشاط الذي سبق الهجومين في السماء، إذ تجمّعت كوكبة من أقمار التجسس الروسية فوق خط الأنابيب والقاعدة الجوية على مدى أيام لجمع معلومات استخباراتية.
رصد 40 هجومًا ونمط متكرر للأقمار الروسية
قالت شركة "أوروراه جيوسيغنال إنتليجنس"، وهي شركة خاصة مقرها جنيف، إنها درست 40 هجومًا بالصواريخ والطائرات المسيّرة ضد السعودية، نفّذها الحوثيون المدعومون من إيران في اليمن وجماعات في العراق بين الأول من تموز و19 تشرين الأول.
وفي كل حالة، رصدت الشركة النمط نفسه، المتمثل في مرور أقمار صناعية حكومية وعسكرية روسية فوق المناطق المستهدفة لأيام قبل الهجمات وبعدها.
وقال مؤسس الشركة نواف عبيد وهو زميل في قسم دراسات الحرب بجامعة "كينغز كوليدج"، وسبق أن عمل مستشارًا لعدد من المسؤولين السعوديين بين عامي 2004 و2016 : "ما وجدناه هو تطابق بنسبة 100%" بين أنشطة الأقمار الصناعية والضربات.
وبحسب "أسوشيتد برس"، توضح هذه النتائج الكيفية التي يُعتقد أن روسيا تساعد بها إيران وحلفاءها في المنطقة على استهداف البنية التحتية النفطية والعسكرية السعودية، ضمن هجمات ساهمت في رفع أسعار الطاقة العالمية.
وقال ثلاثة مسؤولين، بينهم مسؤول سعودي وآخر من كبار قادة الحوثيين، إضافة إلى محلل استخباراتي خاص، للوكالة إن الحوثيين وحلفاء آخرين لإيران استفادوا من معلومات استخباراتية روسية، وكذلك من قدرات صينية.
وأفادت الوكالة بأن مستشارين إيرانيين ميدانيين تولّوا تحليل هذه المعلومات ونقلها إلى حلفائهم.
الرياض تتحدث عن معلومات من جهات روسية وصينية
في هذا السياق، قال نائب وزير الخارجية السعودي لشؤون الدبلوماسية العامة، رائد قرملي، للصحافيين الأسبوع الماضي، إن إيران والحوثيين يتلقون معلومات استخباراتية من "عناصر في روسيا والصين، وحتى من جهات تجارية أحيانًا".
وأضاف: "نناقش هذه المسائل بانتظام مع الصين وروسيا، وسنواصل القيام بذلك".
ولم يصدر تعليق فوري عن المسؤولين الروس ردًا على أسئلة بشأن هذه الاتهامات، بما فيها النتائج التي توصلت إليها شركة "أوروراه".
ولفت التقرير إلى أن روسيا وإيران ترتبطان بترتيبات تعاون عسكري طويلة الأمد، تشمل نقل تكنولوجيا الطائرات المسيّرة. ومع أن روسيا لم تنخرط بصورة مباشرة في الحروب الدائرة في المنطقة، فإن مسؤولين أميركيين وأوروبيين قالوا إنها شاركت معلومات استخباراتية مع إيران.
ضرب محطات ضخّ على خط "شرق–غرب"
وعرض التقرير تفاصيل الهجوم الذي وقع صباح العاشر من أيلول، عندما أصابت ضربات متعددة بطائرات مسيّرة انطلقت من العراق ثلاث محطات ضخّ حيوية على طول خط أنابيب "شرق–غرب" السعودي، ما أدى إلى تعطيل تدفق النفط فورًا.
ويمتد الخط لمسافة 1200 كيلومتر، أي 746 ميلًا، عبر المملكة، وقد شكّل طريقًا بديلًا حيويًا لإيصال النفط الخام السعودي إلى الأسواق، في ظل الهجمات الإيرانية على الملاحة في مضيق هرمز.
وأوضح عبيد أن محطات الضخّ تؤدي دورًا أساسيًا في تحريك النفط عبر الخط، الذي يرتفع إلى أكثر من 1100 متر، أي 3608 أقدام، خلال امتداده من شرق السعودية عبر هضبة نجد، قبل أن ينخفض مجددًا وصولًا إلى الساحل الغربي للمملكة على البحر الأحمر.
وقال عن محطات الضخّ المستهدفة: "هذا هو المكان الذي قررت الجماعات المنطلقة من العراق ضربه".
وبحسب عبيد، بدأت شركته منذ تموز رصد 11 قمرًا صناعيًا روسيًا من سلسلة "كوزموس 2600" تركّز نشاطها على تلك الأجزاء الثلاثة من خط الأنابيب.
وأضاف أن مرات مرور هذه الأقمار ازدادت خلال الأسابيع التي سبقت الهجمات، وكذلك في الساعات المحيطة بتنفيذها، بما يُظهر نشاطًا استطلاعيًا قبل الضربات وبعدها.
إصابة مقاتلة إيطالية في قاعدة الملك فهد
وبعد أسبوع من استهداف محطات الضخّ، تعرّضت قاعدة الملك فهد الجوية في الطائف لهجوم بمقذوفات متعددة أطلقها الحوثيون المدعومون من إيران.
ووفق وزارة الدفاع الإيطالية، ألحق الهجوم أضرارًا بطائرة "يوروفايتر تايفون" تابعة لسلاح الجو الإيطالي، إلى جانب حظائر في القاعدة.
وأشار التقرير إلى أن الجيش الإيطالي ينشر معدات ووحدات في السعودية منذ سنوات، في إطار حملات التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة في العراق وسوريا.
وقال عبيد إن شركته رصدت، في حالتي خط الأنابيب وقاعدة الطائف، زيادة بنسبة 50% في عدد الأقمار الصناعية الروسية التي تمر فوق الأهداف خلال فترة مدتها 72 ساعة قبل الضربات وبعدها، مقارنة بشهر تموز.
ولفت إلى أن هجوم الطائف أصاب الطائرة الحربية الإيطالية بدقة، بدلًا من الطائرات السعودية المتمركزة في القاعدة نفسها، معتبرًا أن ذلك يشير إلى "دعم استخباراتي شديد التخصص لا يمتلكه الحوثيون والإيرانيون ببساطة".
وكان الحوثيون قد حذّروا القوى الأجنبية من مساعدة السعودية.
تتبّع 72 قمر استطلاع روسيًا
وفي شرح للمنهجية التي اعتمدتها الشركة، قال عبيد إن "أوروراه" استخدمت معلومات مفتوحة المصدر، إلى جانب مصادر استخباراتية أخرى، لتحديد 72 قمر استطلاع روسيًا من بين أكثر من 11 ألف مركبة فضائية تدور حول الأرض.
وتتبّعت الشركة مسارات هذه الأقمار ومناوراتها، ثم قارنتها بالنشاط العسكري على الأرض.
وأوضح عبيد أن الشركة لم تعترض عمليات نقل فعلية للمعلومات الاستخباراتية إلى إيران أو حلفائها، لكنها أثبتت، بحسب قوله، وجود نمط قاطع لمواقع الأقمار الصناعية الروسية ونشاطها الاستطلاعي حول أهداف استراتيجية قبيل تعرّضها للضربات.
واعتبر أن هذا النمط يشير إلى جمع معلومات استخباراتية ونقلها لاستخدامها في عمليات الاستهداف التي ينفّذها الحوثيون والجماعات العراقية.
وأضاف أن أنماطًا مماثلة ظهرت أيضًا بالتزامن مع ضربات إيرانية على قواعد أميركية في الشرق الأوسط، خلال الحرب الأميركية الإيرانية التي بدأت في شباط.
وقال: "هذا هو التحول الأساسي في التوازن العسكري الإقليمي: فالمنظومة الاستخباراتية وراء السلاح تصبح بأهمية السلاح نفسه".
من جهته، قال آدم مارش، نائب رئيس الحلول التكنولوجية في شركة "ليولابس" للاستخبارات المدارية ومقرها كاليفورنيا، إن حشد الأقمار الصناعية على هذا النحو يتوافق مع ما يُتوقع رصده لأغراض جمع المعلومات الاستخباراتية.
وأضاف أن الروس يستطيعون إنكار قيامهم بذلك، مشيرًا إلى عدم وجود سوى سياسة عامة، من دون هيئة تنظيمية، وتساءل: "كيف يمكنك منع أي أحد؟".
تحقيقات سعودية تربط الأقمار بضرب أهداف حساسة
ونقلت "أسوشيتد برس" عن مسؤول مطّلع على التحقيقات الجارية في السعودية بشأن الهجمات الأخيرة، أن المعلومات الاستخباراتية أظهرت مساعدة الأقمار الصناعية الروسية للحوثيين والجماعات العراقية في ضرب أهداف حساسة، من بينها محطات الضخّ على خط "شرق–غرب".
وتحدث المسؤول شريطة عدم الكشف عن هويته، لعدم تخويله التحدث إلى الصحافيين.
وقال إن الأقمار الصناعية ساعدت أيضًا في ضربات نفّذتها إيران في آذار على قاعدة الأمير سلطان الجوية السعودية، حيث تعرّضت طائرة مراقبة أميركية لأضرار جسيمة، وعلى وحدة تابعة لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية داخل مجمّع السفارة الأميركية في الرياض.
وأضاف أن التحقيقات وجدت مكوّنات روسية وصينية الصنع في الصواريخ والطائرات المسيّرة التي استخدمها الحوثيون في ضرباتهم.
دعم استخباراتي يمتد إلى جبهات اليمن
ولم يقتصر أثر المعلومات الاستخباراتية الروسية، بحسب التقرير، على الهجمات ضد السعودية، بل امتد إلى القتال داخل اليمن.
فوفق عبيد وقيادي حوثي، ساعدت معلومات الأقمار الصناعية الروسية الحوثيين في تحقيق تقدم كبير ضد خصومهم المدعومين من السعودية في الحرب الأهلية اليمنية.
وقال عبيد إن "أوروراه" رصدت تشكيلات من الأقمار الصناعية فوق أهداف مرتبطة بضربة حوثية نُفّذت في 15 تشرين الأول على القصر الرئاسي في مدينة عدن الساحلية جنوبي اليمن، ومركز قيادة قريب يستخدمه التحالف الذي تقوده السعودية.
كما رصدت الشركة تشكيلات مرتبطة بضربة على مركز تجنيد حكومي في محافظة شبوة، أسفرت عن مقتل 75 مجندًا جديدًا.
وقال قيادي حوثي بارز لـ"أسوشيتد برس" إن مستشارين إيرانيين موجودين على الأرض في اليمن يزوّدون الجماعة ببيانات تستند إلى معلومات استخباراتية من الأقمار الصناعية الروسية، لمساعدتهم في تحديد الأهداف.
وتحدث القيادي شريطة عدم الكشف عن هويته، لمناقشة الدور السري للمستشارين.
وفي السياق نفسه، قال المحلل الأمني مزاحم السلوم، الذي تابع الجماعات المدعومة من إيران لنحو عقد ويدير حاليًا شركة استخبارات خاصة، إن المستشارين يستخدمون معلومات أقمار التجسس الروسية لتزويد الإيرانيين بقوائم أهداف ومعلومات عملياتية.
معدات متطورة لتوجيه المسيّرات وتفادي الدفاعات
وقال القيادي الحوثي أيضًا إن الإيرانيين زوّدوا الجماعة بمعدات أكثر تطورًا، تشمل أنظمة لقيادة الطائرات المسيّرة، وأخرى تساعد الصواريخ على تفادي الدفاعات الجوية.
وأوضح أن هذه المعدات طوّرها الإيرانيون، أو جرى شراؤها تجاريًا، أو قدّمتها روسيا والصين، لكنه لم يكن يعرف ما إذا كانت الدولتان على علم باستخدامها في حرب اليمن.