نقلت صحيفة "وول ستريت جورنال" عن مسؤولين سعوديين أن مخزون المملكة من الصواريخ الاعتراضية آخذ في التراجع، في ظل استمرار هجمات الحوثيين.
قد تعرّض هجمات جماعة أنصار الله الحوثيين خطط ولي العهد السعودي محمد بن سلمان لتنويع اقتصاد المملكة للخطر، في وقت تتراجع فيه الاستثمارات الأجنبية وترتفع تكاليف الدفاع، بينما تواجه مشاريع كبرى صعوبات في التمويل.
وبحسب تحليل نشرته صحيفة "وول ستريت جورنال"، لم تعد المواجهة تقتصر على الجانب الأمني، بل باتت تهدد قطاعات أساسية في رؤية 2030، من صادرات النفط إلى الطيران والسياحة.
وفي هذا السياق، تجد الرياض نفسها أمام خيارات عسكرية محدودة، مع تراجع مخزونها من الصواريخ الاعتراضية وعدم استجابة واشنطن لطلبات المساعدة العسكرية، وسط مخاوف من أن يؤدي توسيع العمليات ضد الحوثيين إلى إطالة أمد الحرب.
ماذا تخسر المملكة؟
خلال العقد الماضي، أنفقت السعودية مبالغ ضخمة على مشاريع تهدف إلى تقليل اعتمادها على النفط وجذب المستثمرين والسياح، أبرزها مدينة نيوم. لكن عددًا من هذه المشاريع توقف أو أصبح قيد المراجعة، بحسب "وول ستريت جورنال".
وتوضح الصحيفة أن التكلفة الإجمالية للمشاريع التي أطلقها محمد بن سلمان تصل إلى تريليونات الدولارات، مقارنة بموازنة حكومية سنوية تبلغ نحو 350 مليار دولار.
وتأتي هذه الالتزامات في وقت تراجعت فيه الاستثمارات الأجنبية خلال النصف الأول من عام 2026، وبقيت دون المستويات التي تستهدفها المملكة بحلول 2030.
كما تواجه الرياض تحدي تأمين التمويل اللازم لاستضافة معرض إكسبو 2030 وكأس العالم لكرة القدم عام 2034. وكانت المملكة قد تخلت في يناير عن خطط استضافة دورة الألعاب الآسيوية الشتوية لعام 2029.
ووفق مؤسسة "كابيتال إيكونوميكس"، انخفض حجم القطاع غير النفطي في الربع الثاني مقارنة بالأول، فيما تتوقع وزارة المالية السعودية انكماش الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 3.6% خلال عام 2026.
وتلفت الصحيفة إلى أن زيادة الإنفاق على الدفاع والبنية التحتية قد تقلص الأموال المتاحة لتمويل مشاريع التنويع الاقتصادي، في وقت تواجه فيه المملكة عجزًا متزايدًا في الموازنة.
من صادرات النفط إلى السياحة والذكاء الاصطناعي
ولا تقتصر التحديات على تمويل المشاريع، إذ امتدت الهجمات إلى قطاعات تراهن عليها السعودية لتنويع مصادر دخلها، وفي مقدمتها النفط والطيران والسياحة والتكنولوجيا.
ففي بداية الحرب مع إيران، تمكنت المملكة من مواصلة تصدير النفط عبر خط أنابيب يمتد من شرق البلاد إلى البحر الأحمر، متجاوزة إغلاق مضيق هرمز. واستفادت حينها من ارتفاع أسعار النفط.
لكن الحوثيين أعلنوا في يوليو فرض حصار بحري على السعودية، ما هدد حركة الشحن في البحر الأحمر. وفي سبتمبر، تعرض خط الأنابيب نفسه لهجوم، ما وضع أحد أبرز مسارات تصدير النفط السعودي أمام تهديد جديد.
وامتدت الهجمات لاحقًا إلى قطاع الطيران، مع تكرار استهداف مطار الملك خالد الدولي في الرياض أربع مرات على الأقل، وفق "وول ستريت جورنال".
وتشير الصحيفة إلى أن هذه الهجمات تهدد جهود المملكة لجذب السياح واستضافة الفعاليات الدولية، بينها مؤتمر استثماري بارز مقرر في نهاية أكتوبر، بات انعقاده موضع شك.
كما تواجه خطط السعودية للتحول إلى مركز عالمي للذكاء الاصطناعي مخاطر إضافية، مع احتمال تعرض مراكز البيانات للهجمات.
دفاعات جوية تحت الضغط
في مواجهة هذه التهديدات، نقلت "وول ستريت جورنال" عن مسؤولين سعوديين أن مخزون المملكة من الصواريخ الاعتراضية آخذ في التراجع.
وفي ظل استمرار الهجمات، يتنقل ولي العهد السعودي محمد بن سلمان بين قصور محصنة، فيما اضطرت المملكة إلى إعادة توزيع بطاريات الدفاع الجوي بين مواقع مختلفة لحماية القصور والمنشآت النفطية وغيرها من المرافق الحيوية، بحسب أشخاص مطلعين على المناقشات داخل المملكة.
وتبحث الرياض عن أنظمة دفاع جوي إضافية من دول أخرى، كما طلبت المساعدة من باكستان، حليفتها العسكرية، وفق مصادر الصحيفة.
لكن توسيع العمليات ضد الحوثيين ينطوي بدوره على مخاطر. ويرى كريستيان كوتس أولريكسن، الباحث في معهد بيكر التابع لجامعة رايس، أن الخيارات المتاحة أمام ولي العهد محدودة، إذ قد يؤدي أي رد عسكري إلى انخراط السعودية بصورة أعمق في مواجهة غير متكافئة، بعدما أظهر الحوثيون قدرتهم على إلحاق أضرار مادية ورمزية كبيرة بالمملكة.
واشنطن والدبلوماسية.. ما خيارات الرياض؟
إلى جانب البحث عن دفاعات إضافية، حاولت السعودية الحصول على مساعدة أميركية لاستعادة المناطق التي تقدم فيها الحوثيون على الساحل اليمني.
لكن واشنطن لم تستجب لهذه الطلبات حتى الآن، رغم إرسال مستشارين عسكريين، بحسب "وول ستريت جورنال".
وجاء ذلك على الرغم من جهود محمد بن سلمان لتعزيز علاقته بالرئيس الأميركي دونالد ترامب، بما فيها تعهده باستثمار نحو تريليون دولار في الولايات المتحدة.
وكانت الرياض قد تجنبت في أغسطس تقديم دعم جوي لحلفائها اليمنيين خلال معارك مدينة المخا، خشية اتساع التصعيد. وسيطر الحوثيون لاحقًا على المدينة ومواقع أخرى على ساحل البحر الأحمر، ما زاد المخاطر على حركة الشحن السعودية.
وفي ظل هذه المعطيات، تشير الصحيفة إلى أن المملكة باتت تبحث بصورة متزايدة عن مخرج دبلوماسي للنزاع.
وتنقل عن مصادر مطلعة أن محمد بن سلمان وجّه مستشاريه إلى إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع إيران، والتأكيد أن السعودية لا تسعى إلى مواجهتها، رغم تأييده استمرار الضغوط الاقتصادية على طهران.
هجمات على المطارات وتصعيد في اليمن
ويأتي هذا التحليل في أعقاب هجمات متتالية استهدفت مطارات سعودية، بينها هجوم على مطار الملك خالد الدولي في الرياض، الأحد، أسفر عن مقتل مقيم باكستاني وإصابة 11 شخصًا، وفق السلطات السعودية. كما أعلنت السلطات تعرض مطار الملك فهد الدولي في الدمام لهجوم مساء اليوم نفسه.
وكان مطار الرياض قد تعرض لهجوم آخر السبت، أسفر عن مقتل ما لا يقل عن 13 شخصًا وإصابة أكثر من 300 آخرين.
وفجر الاثنين، أعلن التحالف بقيادة السعودية اعتراض وتدمير صاروخ باليستي أطلقه الحوثيون باتجاه مدينة خميس مشيط جنوبي المملكة.
وفي اليمن، تتواصل المواجهات بين القوات الحكومية والحوثيين قرب باب المندب، حيث تقول القوات الحكومية إنها استعادت مواقع استراتيجية ضمن عملية "فجر اليمن"، بينما تنفي الجماعة تحقيق أي تقدم.
وفي موازاة التصعيد، عرض وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي المساعدة في بدء محادثات بين السعودية والحوثيين، خلال اتصال هاتفي مع نظيره السعودي فيصل بن فرحان.