استدعت وزارة الخارجية السورية، مساء الأربعاء، السفير الأردني في دمشق، وسلّمته مذكرة احتجاج رسمية على غارات جوية نفذها الأردن جنوب البلاد، وأسفرت عن مقتل سبعة مدنيين، بينهم أطفال، في تصعيد دبلوماسي جديد وضع العلاقات بين البلدين أمام اختبار حساس رغم المساعي الجارية لاحتواء التوتر.
وجاء التحرك السوري بعد أن شنّ سلاح الجو الأردني الاثنين سلسلة غارات استهدفت مناطق في محافظتي درعا والسويداء، قالت عمّان إنها طالت مواقع لتنظيم "داعش"، وأسفرت عن مقتل أكثر من 20 من عناصره، رداً على هجوم مسلح استهدف كنيسة في محافظة الكرك الأردنية.
في المقابل، أعلنت السلطات السورية أن الضربات أوقعت سبعة قتلى، بينهم امرأة وثلاثة أطفال، وثلاثة جرحى، أحدهم طفل. وأفاد الدفاع المدني السوري بأن القصف طال أربع قرى في جنوب البلاد، فيما وصفت دمشق العملية بأنها انتهاك لسيادتها، مؤكدةً أنها نُفذت من دون تنسيق مسبق معها.
وأثارت الغارات موجة غضب في سوريا، وأدت إلى إغلاق مؤقت لمعبر نصيب الحدودي مع الأردن، قبل إعادة فتحه اليوم، في وقت تتواصل فيه الاتصالات الدبلوماسية لتطويق واحدة من أبرز الأزمات بين البلدين منذ سقوط نظام بشار الأسد أواخر عام 2024.
ماذا وراء الغارات الأردنية؟
تعود خلفية التصعيد إلى يوم الجمعة 23 تشرين الأول/أكتوبر، حين استهدف ثلاثة مسلحين مراسم جنازة في كنيسة للروم الأرثوذكس بقرية حمود في محافظة الكرك جنوبي الأردن، ما أسفر عن مقتل تسعة أشخاص وإصابة العشرات، في هجوم أثار صدمة واسعة داخل المملكة.
وأعلنت السلطات الأردنية لاحقاً توقيف ثلاثة مشتبه بهم، هم شقيقان وقريب لهما، بعد اشتباك مسلح في محافظة الكرك. وقال مدير الأمن العام عبيد الله المعايطة إن الموقوفين يتبنون فكراً متطرفاً، فيما وجّه الملك عبد الله الثاني الأجهزة الأمنية بالتعامل بحزم مع المسؤولين عن الهجوم.
وفي أعقاب ذلك، أطلق الجيش الأردني عملية عسكرية حملت اسم "الردع الأردني – حمود"، استهدفت مواقع داخل الأراضي السورية، قال إنها مرتبطة بالجهات المسؤولة عن الهجوم.
وبررت عمّان تحركها العسكري بما وصفته بـ"نفاد صبرها" إزاء أنشطة التنظيمات المسلحة والتهديدات التي تطال أمنها الوطني، بينما رفضت دمشق هذه المبررات، معتبرة أن تنفيذ عمليات عسكرية داخل أراضيها يستوجب التنسيق المسبق واحترام سيادتها.
تعطّل الحركة على الحدود
أعلنت السلطات السورية، صباح الثلاثاء، إغلاق معبر نصيب وتعليق حركة المسافرين والشاحنات في الاتجاهين، حفاظاً على سلامة العابرين والعاملين فيه، على خلفية التطورات الأمنية في محافظة درعا.
وتسبب القرار بازدحام عند مركز حدود جابر على الجانب الأردني، حيث امتدت طوابير المركبات لنحو ثلاثة كيلومترات، وفق قناة "المملكة"، فيما توقفت شاحنات تجارية لساعات وسط مخاوف من تلف البضائع.
وأعادت دمشق فتح المعبر الأربعاء عقب اتصالات مع عمّان، ما سمح باستئناف حركة النقل والتجارة عبر المنفذ البري الرئيسي بين البلدين، الذي يشكل أيضاً ممراً مهماً للبضائع المتجهة بين دول الخليج وأوروبا.
اتصالات لاحتواء الأزمة
على الصعيد الدبلوماسي، أجرى وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي، ليل الثلاثاء، اتصالاً هاتفياً بنظيره السوري أسعد الشيباني، أكد خلاله "احترام الأردن الكامل لسيادة سوريا ووحدة أراضيها وأمنها"، معرباً عن "بالغ الأسف والألم على سقوط ضحايا من المدنيين الأبرياء"، وفق بيان مشترك.
واتفق الوزيران على تشكيل لجنة أمنية مشتركة للتحقيق في ملابسات الغارات ومتابعة تداعياتها، والعمل على تطوير آليات التنسيق الميداني والاستخباري.
وتشكل الأزمة اختباراً للتقارب الذي شهدته العلاقات بين البلدين منذ وصول السلطات السورية الجديدة إلى الحكم عقب الإطاحة بلأسد، بعدما تبادل الجانبان الزيارات الرسمية وعززا تعاونهما في عدد من الملفات الأمنية والسياسية.
وكان الأردن قد اضطلع بدور دبلوماسي في ملفات مرتبطة بالجنوب السوري، بينها جهود التهدئة في محافظة السويداء واستضافة محادثات سورية إسرائيلية لخفض التصعيد، فيما يواصل البلدان التعاون لمواجهة التنظيمات المسلحة وشبكات تهريب المخدرات والأسلحة عبر الحدود.