أثار إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب توصله إلى اتفاق مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لإنهاء المساعدات العسكرية المقدّمة لتل أبيب صدمة في الأوساط الإسرائيلية، وسط مخاوف من تداعياته على العلاقات مع واشنطن، فهل يشكّل هذا الإعلان تهديداً للتحالف الاستراتيجي بين البلدين؟
في مقال رأي نشرته صحيفة "جيروزاليم بوست" الإسرائيلية، الأربعاء، اعتبر الصحفي والمحلل السياسي بن كاسبيت أن تصريحات ترامب تكشف عن أزمة تتجاوز خسارة مليارات الدولارات سنوياً، وقد تصل إلى انهيار أهم تحالف استراتيجي لإسرائيل، محمّلاً رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو مسؤولية ما وصفه بكارثة قد تغيّر مستقبل البلاد.
ورغم إبدائه أمله في أن تكون تصريحات الرئيس الأمريكي مجرد زلة لسان، يرى كاسبيت أنه حتى لو بالغ ترامب في حديثه عن الاتفاق، واستمرت المساعدات حتى انتهاء الاتفاقية الحالية في أيلول/سبتمبر 2028، فإن ذلك لا يغيّر حقيقة ما يعتبره تراجعاً متسارعاً في العلاقات بين البلدين، محذراً من انهيار إحدى الركائز الأساسية للعقيدة الأمنية الإسرائيلية.
ويشير المحلل إلى أن الدعم الأمريكي شكّل لعقود أحد أبرز ضمانات الأمن الإسرائيلي، وحظي بتأييد الحزبين الديمقراطي والجمهوري. ويذكّر بأن الرئيس الأسبق باراك أوباما وقّع اتفاقية المساعدات العسكرية لعشر سنوات، فيما أكد خلفه جو بايدن مراراً متانة التزام واشنطن بأمن إسرائيل.
نتنياهو وتآكل الدعم الأمريكي
يربط كاسبيت بداية تراجع التأييد الأمريكي لإسرائيل بعام 2015، عندما أصر نتنياهو على إلقاء خطاب أمام الكونغرس لمعارضة الاتفاق النووي مع إيران، في خطوة أثارت توتراً مع إدارة أوباما.
وبحسب المحلل، تلقى نتنياهو آنذاك تحذيرات من أن خطابه لن يمنع التوصل إلى الاتفاق، لكنه قد يقوّض دعم الحزب الديمقراطي لإسرائيل. ويرى أن رئيس الوزراء فضّل حساباته الانتخابية الداخلية، قبيل المواجهة مع إسحاق هرتسوغ، على الاعتبارات الاستراتيجية طويلة الأمد.
ويعتبر كاسبيت أن تداعيات تلك الخطوة تراكمت تدريجياً، وأضعفت الإجماع الأمريكي التقليدي حول دعم إسرائيل، قبل أن تمتد الأزمة إلى الأوساط الجمهورية أيضاً.
ويحمّل المحلل الحكومة الإسرائيلية الحالية جانباً أساسياً من المسؤولية عن هذا التراجع، مشيراً إلى سياسات وتصريحات وزراء، من بينهم بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير، فضلاً عن المواقف المتعلقة بالحرب على غزة والأزمة الإنسانية التي رافقتها.
وبرأيه، ساهمت هذه التطورات في ابتعاد بعض أبرز داعمي إسرائيل داخل الولايات المتحدة، وفي تدهور صورتها الدولية، معتبراً أن نتنياهو يتحمل المسؤولية السياسية عن مسار قد تكون له تداعيات تمتد لأجيال.
كم تبلغ قيمة المساعدات الأمريكية وأين تُنفق؟
تستند المساعدات العسكرية الأمريكية لإسرائيل إلى اتفاقية وقّعتها إدارة أوباما عام 2016، بقيمة إجمالية تبلغ 38 مليار دولار على مدى عشر سنوات، تغطي الفترة من عام 2019 حتى نهاية السنة المالية 2028.
وبموجب الاتفاقية، تحصل إسرائيل على 3.8 مليارات دولار سنوياً، تتوزع بين 3.3 مليارات دولار مخصصة للتمويل العسكري، و500 مليون دولار لبرامج التعاون في مجال الدفاع الصاروخي.
وتُستخدم الحصة الأكبر من هذه الأموال لشراء معدات وتجهيزات عسكرية أمريكية، تشمل الطائرات المقاتلة والذخائر والأسلحة والخدمات الدفاعية، فيما يُخصص التمويل المتعلق بالدفاع الصاروخي لتطوير وإنتاج منظومات مشتركة، أبرزها "القبة الحديدية" و"مقلاع داود" و"آرو".
وتشكّل هذه المساعدات أحد أبرز أوجه التعاون العسكري بين واشنطن وتل أبيب، إذ تساهم في تمويل مشتريات وتطوير أنظمة دفاعية، إلى جانب تعزيز الشراكة بين الصناعات العسكرية في البلدين.
لكن بالنسبة إلى كاسبيت، فإن الخسارة المحتملة تتجاوز قيمتها المالية، إذ يرى أن التخلي عن هذا الدعم، الذي ظلّ لسنوات موضع توافق سياسي واسع في الولايات المتحدة، يعكس تحولاً أعمق في طبيعة العلاقات مع أهم حليف لإسرائيل.
من اتخذ قرار وقف المساعدات؟
إلى جانب الانتقادات السياسية، يطرح إعلان ترامب تساؤلات بشأن كيفية اتخاذ قرار بهذا الحجم، خصوصاً بعدما قال إنه توصل إلى اتفاق مع "بيبي"، مستخدماً لقب نتنياهو الشخصي. ويتساءل كاسبيت عما إذا كان رئيس الوزراء قد أجرى مشاورات مع وزارتي الدفاع والمالية، أو ناقش المسألة داخل مجلس الأمن القومي، قبل الموافقة على التخلي عن مساعدات بمليارات الدولارات.
وفي السياق نفسه، سلّط كبير المراسلين العسكريين والمحلل الاستخباري في صحيفة "جيروزاليم بوست"، يوناه جيريمي بوب، الضوء في تحليل منفصل على المخاوف التي أثارها إعلان ترامب داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية.
وأوضح بوب أن المسؤولين الإسرائيليين كانوا يستعدون لتوقف المساعدات العسكرية الأمريكية مع انتهاء الاتفاقية الحالية في عام 2028، فيما كانت المؤسسة الدفاعية تعوّل على نحو ثمانية مليارات دولار خلال العامين المقبلين لتمويل مشتريات تشمل مقاتلات "إف-35" و"إف-15"، ومروحيات وأنظمة اعتراض، إلى جانب مشاريع مشتركة لتطوير الأسلحة.
وأشار إلى أن احتمال وقوع التباس في تصريحات ترامب لا يزال قائماً، خصوصاً أن مسؤولين من البلدين أجروا محادثات منذ أيار/مايو بشأن اتفاق جديد للتعاون العسكري، من دون علمهم بأي توجه لإنهاء المساعدات قبل موعدها.
أما كاسبيت، فيرى أن الأزمة التي تواجه التحالف الاستراتيجي بين إسرائيل والولايات المتحدة لا تزال قابلة للاحتواء، شريطة تغيير النهج السياسي الداخلي واستعادة الثقة بالمؤسسات الديمقراطية، مع إعطاء الأولوية للمصالح الوطنية على الحسابات الحزبية.