بدلا من أن يسهل الملاحة في القطب الشمالي، فإن **تغيّر المناخ** يجعل الجليد أكثر سماكة، وأكثر تحركا، وأكثر خطورة في مناطق معينة.
الحقيقة الباردة والقاسية التي تواجه أي خطط أمريكية أو تابعة لحلف شمال الأطلسي أو أوروبية بشأن غرينلاند هي الجليد. فهو يخنق الموانئ، ويدفن المعادن، ويحوّل السواحل إلى حقول ألغام من شظايا بيضاء وزرقاء تهدد السفن طوال العام.
والطريقة الوحيدة لتجاوز كل ذلك هي عبر كاسحات الجليد: سفن عملاقة بمحركات قوية، وهياكل معززة، ومقدمات ثقيلة قادرة على سحق وشقّ الكتل المتجمّدة.
لكن الولايات المتحدة لا تملك سوى ثلاثة من هذه السفن، أحدها متداعٍ إلى حدّ أنه يكاد لا يصلح للاستخدام. وقد دخلت البلاد في اتفاقات للحصول على 11 أخرى، لكنها لا تستطيع تأمين سفن إضافية إلا من خصوم، أو من حلفاء صدّتهم مؤخراً.
المورّد الرئيسي هو فنلندا، لكن هذه الدولة الإسكندنافية تواجه تحدياتها الخاصة في عمليات كسر الجليد. والمفارقة أن احترار البحار بفعل تغير المناخ لا يعني بالضرورة أن بوسع البلاد الاعتماد أقل على كاسحات الجليد في المستقبل.
بدلاً من تسهيل الملاحة في القطب، يجعل تغير المناخ الجليد أكثر سماكة وأكثر حركة وأكثر خطورة في بعض المناطق، رغم تراجع الغطاء الجليدي إجمالاً.
كاسحات الجليد: التكنولوجيا الأساسية في القطب الشمالي
على الرغم من تخفيف حدّة خطابه، يبدو الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مصمّماً على امتلاك الولايات المتحدة غرينلاند لأسباب أمنية واقتصادية: لإبقاء ما يسميه "القطعة الكبيرة الجميلة من الجليد" بعيداً عن أيدي موسكو وبكين، ولضمان موقع قطبي استراتيجي لأصول الولايات المتحدة، وللاستخراج من ثروات الجزيرة المعدنية، بما في ذلك العناصر الأرضية النادرة.
ومن دون أن يحدد أي خطة، قال لزعماء العالم المجتمعين في دافوس بسويسرا، في 21 يناير: "للوصول إلى هذه العناصر الأرضية النادرة لا بد أن تعبر مئات الأقدام من الجليد".
ومع ذلك، لا توجد طريقة مجدية لتحقيق ذلك، أو لأي نشاط آخر في هذا الإقليم الدنماركي شبه المستقل، من دون القدرة الجوهرية لكاسحات الجليد على فتح مسارات عبر البحار المتجمّدة.
حتى لو قرروا تكثيف إدخال العتاد الأمريكي إلى غرينلاند غداً، "ستكون هناك فجوة تمتد لعامين أو ثلاثة أعوام لا يمكنهم خلالها الوصول إلى الجزيرة في معظم الأوقات"، يقول ألبرتو ريزي، الزميل في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية.
ويضيف: "على الخريطة تبدو غرينلاند محاطة بالبحر، لكن الواقع أن البحر مليء بالجليد".
إذا أرادت الولايات المتحدة مزيداً من كاسحات الجليد فليس أمامها سوى أربعة خيارات: أحواض بناء السفن لدى الخصمين الاستراتيجيين الصين وروسيا، أو الحليفين القديمين كندا وفنلندا، وكلاهما تعرض مؤخراً لانتقادات لاذعة وتهديدات بفرض رسوم جمركية من جانب ترامب بسبب غرينلاند.
خبرة الشمال في السفن القادرة على الإبحار في الجليد
كاسحات الجليد مكلفة في التصميم والبناء والتشغيل والصيانة، وتتطلب قوة عاملة ماهرة لا تتوافر إلا في أماكن محددة مثل فنلندا، بخبرة صقلتها مياه بحر البلطيق شديدة البرودة.
بنت فنلندا نحو 60 في المئة من أسطول العالم الذي يزيد على 240 كاسحة جليد، وصممت نصف البقية، بحسب ريزي.
ويقول: "إنها قدرات متخصصة للغاية طوّروها بدافع الضرورة أولاً، ثم تمكنوا من تحويلها إلى نفوذ جيواقتصادي".
تمتلك روسيا أكبر أسطول في العالم بنحو 100 سفينة، من بينها سفن هائلة تعمل بمفاعلات نووية. وتليها كندا، وهي بصدد مضاعفة أسطولها إلى نحو 50 كاسحة جليد، وفق تقرير عام 2024 صادر عن شركة "آكر آركتيك"، وهي شركة مقرها هلسنكي ومتخصصة في تصميم كاسحات الجليد.
"دفاتر طلباتنا في التصميم والهندسة مليئة إلى حد بعيد في الوقت الراهن، والمستقبل القريب يبدو واعداً"، يقول ياري هورتيا، مدير الأعمال في "آكر آركتيك"، وهو يصف تزايد الاهتمام بـ"كفاءتنا الخاصة التي لا مثيل لها ولا تتوافر في أي مكان آخر في العالم".
خلال ولايته الأولى، أعطى ترامب أولوية لاقتناء الجيش الأمريكي سفن قادرة على الإبحار في الجليد، وهي استراتيجية واصلتها إدارة بايدن عبر توقيع اتفاق مع هلسنكي وأوتاوا لتسليم 11 كاسحة جليد تُشيّدها ائتلافان من الشركات بتصميمات فنلندية.
تشققات في مستقبل كسر الجليد في القطب الشمالي
في حين تعهّدت كل من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي المؤلف من 27 دولة، بما في ذلك الدنمارك وفنلندا، بزيادة كبيرة في الاستثمار بغرينلاند، يتضح من يمتلك اليوم القدرة العملية على الوصول فعلياً إلى ذلك الإقليم المترامي المتجمّد الذي يعادل ثلاثة أمثال مساحة ولاية تكساس.
ويقول ريزي: "إنه أمر شبه عبثي، فلا أعتقد أن فنلندا ستلغي الصفقة مع الولايات المتحدة كردّ على التهديد بغزو غرينلاند. لكن إن أرادت أوروبا ممارسة نفوذ كبير على الولايات المتحدة، يمكنها أن تقول: "لن نزودكم بأي كاسحات جليد، وحظاً موفقاً في الوصول إلى القطب الشمالي أو إسقاط القوة هناك بتينك السفينتين القديمتين لديكم"".
غير أن فنلندا تواجه أيضاً مشكلات داخلية تلوح في الأفق مع اضطراب أنماط الطقس بفعل تغير المناخ.
يعني الاحترار العالمي أن أسطول البلاد من كاسحات الجليد لم يُشغّل هذا الشتاء للمرة الأولى إلا في ليلة رأس السنة، أي بعد نحو أسبوعين مقارنة بالعام السابق وبفارق ملحوظ عن متوسط بدء الموسم على المدى الطويل.
في العام الماضي، جرى تشغيلها لمدة 153 يوماً، وهي مدة أقصر بكثير من المعتاد، بحسب وكالة البنية التحتية للنقل الفنلندية المسؤولة عن عمليات كسر الجليد.
لكن هذا لا يعني أن مهمة كسر الجليد باتت أسهل.
وقال بافو كويونن، مدير الأعمال في "آركتيا" لوكالة الأنباء الفنلندية "إس تي تي": "تغير المناخ يعني أيضاً ظروفاً قصوى، أي فصول شتاء دافئة جداً مع قدر قليل من الجليد، حين تكون الحاجة إلى المساعدة في كسر الجليد محدودة. لكنه على الأرجح سيجلب أيضاً ظواهر قصوى على الجانب الآخر".
الرياح هي المتهم الرئيس. ومع تزايد عصف الشتاء، تتحرك كتل الجليد نحو المياه الضحلة أو الشاطئ وتبدأ في التراكم.
حيث كانت حقول الجليد سابقاً بسمك يتراوح بين 60 و80 سنتيمتراً، يمكن أن تصل الآن إلى حتى عشرة أمتار في بعض المناطق، على حد قول كويونن.
وأضاف: "قباطنة كاسحات الجليد يقولون إن فصول الشتاء تزداد صعوبة طوال الوقت".
يلزم حالياً تشغيل ست كاسحات جليد تابعة لـ"آركتيا" لضمان ألا تتعطل حركة التجارة البحرية الفنلندية خلال الشتاء.
وقال كويونن: "سنحتاج على الأقل إلى هذا العدد من كاسحات الجليد خلال العقود القليلة المقبلة".
"تكلفة كاسحات الجليد على المجتمع صغيرة جداً مقارنة بالمشكلات إذا تعطلت التجارة الخارجية. ولن تتوافر قدرة بديلة من أنحاء العالم خلال فصول الشتاء الشديدة التجمد".