اكتشف علماء أن بعض الفيروسات تولد عمدا **تنوعا جينيا** للتحايل على دفاعات البكتيريا، ما يفتح بابا جديدا لتطوير علاجات محتملة عند فشل المضادات الحيوية.
تستهدف الفيروسات التي تهاجم البكتيريا بشكل انتقائي وتقتلها – والمعروفة باسم **العاثيات البكتيرية** أو ببساطة "العاثيات" – الخلايا البكتيرية من دون أن تمس الخلايا البشرية. فبمجرد أن تلتصق بالخلية البكتيرية، تحقن مادتها الوراثية داخلها، وتسيطر على آلياتها الحيوية وتجبرها على إنتاج عاثيات جديدة إلى أن تنفجر البكتيريا.
المشكلة أن البكتيريا قادرة على تطوير وسائل دفاع ضد العاثيات، تماما كما تطوّر مقاومة للمضادات الحيوية.
تشير الأبحاث الجديدة إلى أن للعاثيات بدورها إستراتيجية تطورية مضادة.
وبحسب الدراسة (المصدر باللغة الإنجليزية) المنشورة الخميس في مجلة "نيتشر ميكروبيولوجي"، فإن بعض الفيروسات التي تعيش في الأمعاء البشرية قادرة على توليد تغيّرات وراثية سريعة في نسلها، ما يزيد احتمال نجاة جزء منها على الأقل عندما تدافع البكتيريا عن نفسها.
وقد يفتح هذا الاكتشاف مسارا جديدا في البحث عن بدائل للمضادات الحيوية، في وقت تزداد فيه صعوبة علاج العدوى المقاومة للأدوية.
وحدّد باحثون في جامعة ولاية ميشيغان مناطق في جينومات العاثيات لم تكن تحظى باهتمام كبير من قبل، لكنها تعمل بمثابة "نقاط ساخنة" وراثية تتيح لهذه الفيروسات تغيير بعض الجينات الرئيسية مرارا أثناء عملية التكاثر.
ويشير ذلك إلى أن هذه المناطق تساعد العاثيات على "المراهنة" تطوريا في مواجهة دفاعات البكتيريا؛ فبدلا من إنتاج مجموعة من الفيروسات المتطابقة وراثيا، تولّد العاثيات مجموعة متنوعة من السلالات ذات خصائص مختلفة، ما يزيد فرص استمرار بعضها في إصابة البكتيريا وقتلها.
"هذا يغيّر فهمنا لكيفية تطوّر العاثيات"، قال (المصدر باللغة الإنجليزية) المؤلف المشارك كريس ووترز، عضو هيئة التدريس في برنامج "البيئة والتطور والسلوك" في جامعة ولاية ميشيغان. وأضاف: "بدلا من السيطرة على خلايا العائل لإنتاج نسخ متطابقة منها بأعداد كبيرة، فإنها تستخدم بالفعل هذه النقاط الساخنة للتحوّر لصنع ما يشبه حديقة حيوانات"، مؤكدا أن العاثيات "في جوهرها تراهن على مختلف الاحتمالات".
مسار وراثي للهروب
درس الباحثون العاثية T2 التي تصيب بكتيريا "إيشيريشيا كولاي" (E. coli)، وذلك بعد تحليلهم لنظام دفاعي بكتيري قادر على التعرّف على الحمض النووي للعاثية الغازية وتدميره.
ونقل الفريق هذا النظام الدفاعي إلى بكتيريا "إيشيريشيا كولاي" في المختبر، ثم عرض البكتيريا لهجوم العاثيات.
لكن الحماية لم تستمر طويلا.
فخلال بضع ساعات فقط، بدأت العاثيات في تجاوز دفاعات البكتيريا.
وقال ووترز: "خلال بضع ساعات، كانت العاثيات تبدأ دائما في كسب المعركة". وأضاف: "لم نكن نفهم السبب".
وعندما قام الباحثون بترتيب الشفرة الوراثية للفيروسات المقاومة، رصدوا طفرات متكررة في جين يُسمى agt، ولا سيما في جزء من الحمض النووي يتكوّن من تسلسلات مكرّرة. وقال ووترز: "عندما رأيت البيانات قلت لنفسي: يا إلهي".
وتبيّن أن ذلك التسلسل هو ما يطلق عليه العلماء "موقع الطوارئ" أو "contingency locus"؛ أي منطقة شديدة القابلية للطفرات يمكن أن تنزلق فيها آليات نسخ الحمض النووي أثناء استنساخ التسلسلات المكرّرة.
وينتج عن ذلك طفرة قابلة للانعكاس تُعرف باسم "طفرة انزياح إطار القراءة" أو "frameshift mutation" تجعل طريقة قراءة تعليمات الجين تختلف من حالة إلى أخرى.
فبعض العاثيات يكتسب تسلسلا مكررا إضافيا، وبعضها الآخر يفقد واحدا منها، لينشأ عن ذلك مجتمع من الفيروسات يحتوي على نسخ مختلفة قد تمتلك قدرات متباينة على الإفلات من دفاعات البكتيريا.
ووجد الباحثون أن هذه المناطق المكرّرة تراكمت فيها الطفرات بسرعة تزيد آلاف المرات عن بقية جينوم العاثية.
ولا تقتصر هذه الآلية على فيروس واحد فقط.
وباستخدام التطور التجريبي وتقنيات تسلسل الجينوم، اكتشف الباحثون مواقع طوارئ مماثلة في عاثية T4 التي تصيب "إيشيريشيا كولاي". كما وجدوا أن التسلسلات المكرّرة البسيطة منتشرة على نطاق واسع في عاثيات مختلفة لبكتيريا "إيشيريشيا كولاي"، وإن كانت كثافتها تختلف بين الجينات تبعا لوظائفها.
هل يمكن أن يساعد في علاج "الجراثيم الفائقة"؟
تأتي هذه الأبحاث في وقت يبحث فيه العلماء وصنّاع القرار عن بدائل للمضادات الحيوية.
وعلاج العدوى بالعاثيات ليس جديدا؛ فقد استُخدمت العاثيات علاجيا منذ عشرينيات القرن الماضي لمواجهة الالتهابات البكتيرية، لكن الاهتمام بهذا النهج تراجع بعد انتشار استخدام المضادات الحيوية مثل البنسلين على نطاق واسع.
أما اليوم فقد أعاد تصاعد مقاومة الميكروبات للمضادات الحيوية هذا الاهتمام إلى الواجهة.
ويعود جانب من جاذبية هذا العلاج إلى درجة التخصص العالية؛ ففي حين يمكن لكثير من المضادات الحيوية أن تقتل البكتيريا النافعة إلى جانب المسببات المرضية التي تستهدفها، تتميز العاثيات الفردية بقدرتها الكبيرة على استهداف أنواع أو سلالات بعينها من البكتيريا.
لكن هذا التخصص ذاته يشكّل نقطة ضعف أيضا، إذ يمكن للبكتيريا أن تطوّر مقاومة تجاه عاثية بعينها، ما قد يجعل العلاج غير فعّال.
وتفتح النتائج التي توصّل إليها فريق جامعة ولاية ميشيغان الباب أمام احتمال أن يتمكن العلماء في النهاية من استغلال الإستراتيجيات التطورية الخاصة بهذه الفيروسات لجعل علاجات العاثيات أكثر قدرة على الصمود.
وقال ووترز: "إذا استطعنا توظيف هذه الحيل التطورية، فقد نتمكن من ابتكار علاجات بالعاثيات أكثر فعالية في مواجهة أزمة مقاومة المضادات الحيوية".
وأضاف: "لن نتمكن أبدا من القضاء تماما على المقاومة". وتابع: "لكن إذا فهمنا بشكل أفضل كيف تحمي البكتيريا نفسها من عدوى العاثيات وكيف تردّ العاثيات عليها، فقد نستطيع الحدّ منها قدر الإمكان".