لماذا توترت العلاقات بين برلين وباريس؟

Access to the comments محادثة
بقلم:  يورونيوز
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والمستشار الألماني أولاف شولتس
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والمستشار الألماني أولاف شولتس   -   حقوق النشر  Fabian Sommer/dpa via AP   -  

أجّلت ألمانيا وفرنسا اجتماعاً دورياً على مستوى الحكومة، كان من المقرر انعاقده هذا الشهر، إلى كانون الثاني/يناير المقبل، ما يعطي فكرة عن شقاق متزايد بين مكوّني "المحرّك الأوروبي" الأساسييْن، أسبابه عدّة. 

في معرض حديثها عن التوتر بين الاقتصاديين الأكبرين في التكتل الأوروبي، عنونت صحيفة لوموند الفرنسية التالي: "المحركّ يئن". 

رسمياً، قال الطرفان إن التأجيل تم لأسباب تتعلق بأجندات الوزراء، ولكن مراقبين يستبعدون هذه الحجج، خصوصاً في ظلّ حرب مستعرة ومفتوحة على جميع الاحتمالات في أوكرانيا. 

تقول برلين إنها بحاجة إلى مزيد من الوقت لتتمكن من إيجاد أرضية مشتركة مع باريس في عدة شؤون، أبرزها مسألة مصادر الطاقة وإدارتها وأسعارها، التي خضّت الاتحاد الأوروبي منذ بدء الغزو الروسي لأوكرانيا في شباط/فبراير الماضي. 

لقاء بين شولتس وماكرون

من أجل الدفع باتجاه حلّ طارئ وسط مشاكل تؤثر بقوة في الاقتصاد (خصوصاً في ألمانيا) والمجتمع (في البلدين)، عقد لقاء بين الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، والمستشار الألماني، أولاف شولتس، بعد ظهر الخميس في محاولة لتسوية الخلافات. 

اللقاء عقد خلال القمة الأوروبية التي تستمر يومي الخميس والجمعة، ولم يصدر عنه إلا القليل حيث قال ماكرون إن "ليس من الجيد لألمانيا أن تضع نفسها في عزلة". 

وتقرر أن يستقبل ماكرون شولتس في باريس الأربعاء 26 تشرين الأول/أكتوبر، واتفق الزعيمان على إعادة جدول اللقاء الحكومي "بأسرع وقت". 

في الحقيقة، تخشى آلاف الشركات الأوروبية على بقائها بسبب المنافسة من جانب الولايات المتحدة وآسيا حيث ظلت الأسعار أفضل. ناهيك عن الوضع الاجتماعي، حيث ضمّت تظاهرات في البلدين آلاف الأشخاص احتجاجاً على غلاء المعيشة.

لقد أقر المتحدث باسم المستشار الألماني أولاف شولتس، ستيفن هيبستريت، أن هناك عدداً من النقاط العالقة مع باريس حالياً وأنه لم يتم التوصل إلى اتفاق عليها رغم الجهود التي تبذل بهدف حلّها. 

ما هي المسائل الشائكة؟

يقول مسؤولون ألمان وفرنسيون إن المفاوضات التي لم تنقطع بين الجانبين صعبة جداً، خصوصاً فيما يتعلق بالطاقة وبطريقة إدارة الأزمة، خصوصاً من الجانب الألماني. ولكن ليس هذا فقط، فهناك أيضاً خلافات أخرى، بينها دفاعي.  

  • ترفض ألمانيا التي تعتمد على الغاز في صناعاتها بشدة المقترح الفرنسي لوضع سقف لأسعار الغاز والكهرباء على الصعيد الأوروبي. الموقف الألماني تدعمه دول شمالية عدة من بينها الدنمارك وهولندا. هذا التكتل يتحفظ على تدخل السلطات بالأسواق، وترى برلين أن تخفيض الأسعار اصطناعياً يضر بهدف الاقتصاد في استخدام الطاقة ويدفع إلى مزيد من الاستهلاك. ألمانيا أيضاً تقول إن وضع سقف الأسعار قد يدفع المنتجين إلى بيع غازهم في مكان آخر، ما سيؤثر سلباً على الإنتاج الأوروبي. 
  • تقول مصادر أيضاً إن برلين غير راضية عن باريس بسبب عدم تقديمها الدعم الكافي لها في محاولتها إحياء ما يسمى بمشروع "غاز ميدكات" لخطوط الأنابيب التي تربط البرتغال وإسبانيا وتمر عبر فرنسا إلى ألمانيا. [تبدو هذه النقطة في طريقها إلى الحل، حيث وافقت فرنسا وإسبانيا والبرتغال الخميس على بناء خط الأنابيب].
  • قررت ألمانيا ضخّ نحو 200 مليار يورو في الاقتصاد الألماني للمساعدة في التخفيف من تأثير ارتفاع أسعار الطاقة. هذا القرار أثار غضب باريس التي اعتبرت أن برلين كان ينبغي أن تستشير حلفاءها بشأن مثل هذه المدفوعات الضخمة التي قد تؤدي إلى فوضى في السوق الداخلية. هناك من يقول في فرنسا إن ألمانيا تغرد وحيدة خارج السرب الأوروبي وتحل مشاكلها من دون إعطاء أهمية كافية لأوروبا. ولكن هناك أيضاً من يقول إن الفرنسيين لا يدركون حقاً قوة "الخضة" التي تعرضّ لها الاقتصاد الألماني منذ بداية العام والتي تجبر الحكومة على اتخاذ خطوات من هذا النوع. 
  • في مسائل أخرى غير الطاقة، قال مسؤولون فرنسيون وأوروبيون إن برلين رفضت أيضاً مقترحات فرنسية بخصوص تطوير ما يعرف دفاعياً باسم "نظام القتال الجوي المستقبلي". 
  • في المجال الدفاع دائماً، أعلنت ألمانيا و13 دولة أخرى من حلف شمال الأطلسي، منذ أيام فقط أنها تنوي شراء نظام دفاعي جوي موحد. النظام ستتدخله صناعات ألمانية وأمريكية وإسرائيلية. هذا الأمر أغضب فرنسا التي تطور نظاماً دفاعياً مشتركاً مع إيطاليا، ذلك أن باريس مدافعة شديدة عن فكرة "السيادة الأوروبية" العسكرية، وباريس ترى أن القرار الألماني يقوّض هذه السيادة.

فون دير لايين متهمة بخدمة مصالح برلين

خلال قمة براغ الأخيرة في مطلع تشرين الأول/أكتوبر حمل قادة عدة على رئيسة المفوضة الأوروبية أورسولا فون دير لايين، التي كانت في الماضي وزيرة الدفاع الألمانية. 

واتهمها رئيس الحكومة البولندي ماتيوش كورافيتشي خصوصا بتمثيل المصالح الألمانية.

إلا أن رئيسة المفوضية الأوروبية تواجه انقسامات بين الدول السبع والعشرين التي تعتمد مزيجاً مختلفاً من مصادر الطاقة. فبعضها يعتمد على النووي وأخرى على الغاز أو حتى الفحم لانتاج الكهرباء. وتنقسم هذه الدول أيضاً حول مسألة تحديد سقف لسعر الغاز المستخدم لإنتاج الكهرباء. وتطبق آلية كهذه في إسبانيا والبرتغال حيث سمحت بتراجع الأسعار.

وتطالب دول عدة مثل فرنسا بتوسيع هذه الآلية "الأيبيرية" لتصبح على مستوى الاتحاد الأوروبي.

وفصّلت فون دير لايين خلال الأسبوع الحالي مقترحات أخرى من بينها تنظيم شراء الغاز بشكل مشترك وقواعد جديدة في محاولة لفرض تقاسم الغاز في أوروبا لمساعدة الدول التي تواجه صعوبات أو إصلاح مؤشر السوق الغازية (بورصة الغاز الأوروبية) الني تستخدم مرجعا في التعاملات.

وقال دبلوماسي أوروبي: "ثمة تقدم لكن من دون حصول اختراق كبير. الأولوليات مختلفة. ألمانيا تفضل أمن الإمدادات لأنها قادرة على تحمل أسعار مرتفعة لكن الكثير من الدول لا يمكنها مواجهة الكلفة".