تعمل إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب على توسيع المواجهة مع ما تصفه بـ«الإرهاب السياسي لليسار المتطرف»، عبر تعزيز التعاون مع حلفائها وملاحقة التنظيمات التي تعتبرها تهديداً أمنياً عابراً للحدود.
وكشف وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو الخطوط العريضة لهذه السياسة خلال القمة الوزارية "Resurgence of Political Terrorism"، التي استضافتها واشنطن في 16 يوليو/تموز، بمشاركة وفود من نحو 67 دولة.
وقال روبيو إن العنف المرتبط باليسار المتطرف لم يعد ظاهرة محلية، بل أصبح، وفق تقييم الإدارة الأميركية، تهديدا "دوليا وعابرا للحدود"، مشيرا إلى أن الشبكات الراديكالية باتت تعتمد أساليب وامتدادات تتجاوز حدود الدول.
روبيو يستحضر الألوية الحمراء و"راف" و"17 نوفمبر"
وخلال كلمته، استعاد روبيو نماذج تاريخية من التنظيمات اليسارية المتطرفة التي نفذت أعمالا عنيفة في أوروبا، بينها "الألوية الحمراء" في إيطاليا، و"فصيل الجيش الأحمر راف" في ألمانيا، ومنظمة "17 نوفمبر" في اليونان.
واستخدم وزير الخارجية هذه الأمثلة للتأكيد على أن الإرهاب السياسي المرتبط باليسار المتطرف، من وجهة نظر واشنطن، لم يختف، وإنما يمكن أن يعود بأشكال جديدة.
وربط روبيو ذلك بحوادث حديثة في أوروبا، من بينها هجمات حارقة في سالونيك باليونان استهدفت منازل أعضاء في حزب "الديمقراطية الجديدة" المحافظ.
وفي إحدى هذه الهجمات، قُتلت فاجيا نيستورا، البالغة 72 عاما، وهي والدة أفروذيتّي نيستورا، المرشحة عن الحزب. وقال روبيو إن الضحية تعرضت لزجاجة مولوتوف، ما أدى إلى إصابتها بحروق غطت أكثر من 80% من جسدها.
كما أشار إلى حوادث أخرى تعتبرها الإدارة الأميركية مؤشرا على تصاعد التهديد، بينها هجوم على البنية التحتية الكهربائية في برلين تسبب بانقطاع واسع للتيار، والاعتداء المميت في ليون على الناشط اليميني الفرنسي البالغ 23 عاما كوانتان ديرانك.
"FAI/FRI".. شبكة أناركية على القائمة الأميركية
وتبرز إيطاليا بشكل خاص في السياسة الأميركية الجديدة من خلال "الاتحاد الأناركي غير الرسمي/الجبهة الثورية الدولية" (FAI/FRI).
ولم يكن إدراج التنظيم على القائمة الأميركية قد تم في أغسطس/آب، إذ صنفته واشنطن في نوفمبر/تشرين الثاني 2025 ضمن "قائمة المنظمات الإرهابية الأجنبية" (FTO)، إلى جانب منظمة "Antifa Ost" الألمانية ومجموعتين يونانيتين هما "Armed Proletarian Justice" و"Revolutionary Class Self-Defense".
وكان روبيو قد وقّع قرار الإدراج.
وتُوصف FAI/FRI بأنها شبكة أناركية لامركزية وعابرة للحدود، ارتبط اسمها خلال السنوات الماضية بتبني هجمات وأعمال عنف. كما تضم القائمة الأميركية عددا من الأسماء والخلايا التي تقول واشنطن إنها مرتبطة بالشبكة، من بينها "كتيبة أوغوستو ماسّيتي".
ويتيح التصنيف للولايات المتحدة اتخاذ إجراءات مالية وقضائية بحق التنظيم وأفراده، إضافة إلى ملاحقة من يقدمون له دعما وفق القوانين الأميركية لمكافحة الإرهاب. كما أدرجت وزارة الخزانة الأميركية FAI/FRI ضمن قائمة "الإرهابيين العالميين المصنفين بشكل خاص" (SDGT).
واشنطن تريد "رسم خريطة" لشبكات اليسار المتطرف
ويشكل الطابع العابر للحدود محورا أساسيا في الاستراتيجية التي يدفع بها روبيو.
وقال وزير الخارجية الأميركي: "هذا مؤتمر دولي لأننا نواجه تهديدا دوليا، عابرا للحدود الوطنية"، داعيا الدول الحليفة إلى تحديد الشبكات المرتبطة باليسار الراديكالي ورسم خريطة لتحركاتها، إلى جانب إنشاء آليات مشتركة لمواجهتها.
وتقول إدارة ترامب إن هذا النوع من التهديدات لم يحظ بالاهتمام الكافي من أجهزة مكافحة الإرهاب الغربية، وإن سياستها الجديدة ستقوم على تعزيز تبادل المعلومات، وتكثيف التعاون الأمني، وتوسيع نطاق التصنيفات الأميركية.
وفي يونيو/حزيران، طلبت وزارة الخارجية الأميركية من أكثر من 20 سفارة، بينها السفارتان في إيطاليا وألبانيا، تقديم معلومات حول الجماعات اليسارية المتطرفة الناشطة في تلك الدول.
وبحسب صحيفة "واشنطن بوست"، أثار الطلب استغراب بعض المسؤولين الأميركيين والحلفاء الأوروبيين، خصوصا أن عددا منهم لا يشارك واشنطن تقييمها لحجم التهديد الذي تمثله هذه الجماعات.
انتقادات لترامب: مكافحة الإرهاب أم تصفية حسابات سياسية؟
وأثارت السياسة الجديدة انتقادات من شخصيات ديمقراطية وخبراء في مكافحة الإرهاب، اتهم بعضهم إدارة ترامب بـ"تسييس" ملف مكافحة الإرهاب ومنح اليسار المتطرف أولوية لا تتناسب، وفق تقديرات أوروبية، مع مستوى الخطر الذي يمثله فعليا.
ونقلت "واشنطن بوست" عن مسؤولين أميركيين وأوروبيين تشكيكهم في المبادرة، فيما لا ترى دول أوروبية عدة أن الإرهاب اليساري المتطرف يمثل أحد أبرز التهديدات لأمنها القومي.
في المقابل، يدافع روبيو عن النهج الجديد، معتبرا أن مواجهة هذه التنظيمات في مراحل مبكرة أفضل من انتظار تحولها إلى تهديد أوسع.
وبعد إدراج أربع منظمات في عام 2025، تلوّح إدارة ترامب بإمكانية إضافة تنظيمات أخرى إلى القائمة الأميركية، في خطوة قد تفتح جبهة جديدة بين واشنطن وعدد من حلفائها الأوروبيين حول تعريف التهديدات المتطرفة وأولويات مكافحتها.