مصريون يكتوون بنار الغلاء وسط معاناة اقتصادية

مصريون يكتوون بنار الغلاء وسط معاناة اقتصادية
بقلم:  Reuters

من مريم رزق

القاهرة (رويترز) – في أوقات أفضل، كانت عائلة أم محمد تقضي عطلاتها في منتجعات على ساحل البحر الأحمر بمصر.

لكن لم تعد تملك الأسرة الآن المال الذي يكفي لقضاء العطلات. تقوم أم محمد (61 عاما) وزوجها، اللذان يعيشان برفقة ابنيهما الشابين في شقة بالقرب من الطريق الدائري بالقاهرة، بترشيد الاستهلاك في احتياجات مثل اللحوم في محاولة لتدبير أمور حياتهما بما يتقاضاه الزوج من معاش تقاعدي ضئيل من إحدى شركات الطاقة.

على مدى الشهور الماضية، أضعف التضخم المتسارع القدرة الشرائية للمصريين، الذين تعرضوا بالفعل لصدمات اقتصادية متكررة وعاشوا لسنوات في تقشف.

وإلى جانب أزمة النقد الأجنبي، كشف هذا التضخم عن ضعف الاقتصاد الذي طالما دعمه مقرضون دوليون وحلفاء خليجيون يرون في مصر ركيزة أساسية للأمن الإقليمي.

وتقول الحكومة إنها تبذل ما في وسعها للسيطرة على الأسعار وتوسيع الإنفاق الاجتماعي، وكثيرا ما تلقي باللوم في الضغوط الحالية على عوامل خارجية مرتبطة بالحرب في أوكرانيا.

كما تشير الحكومة إلى ما حققته من طفرة في البنية التحتية أدت إلى ظهور طرق ومدن جديدة وساعدت الاقتصاد المصري على مواصلة تحقيق نمو خلال أزمة وباء كورونا.

لكن أم محمد لا تجد في هذا ما يمنحها أي قدر يذكر من الشعور بالراحة والسلوى. يستيقظ زوجها الآن مبكرا ليقف في طابور للحصول على الخبز المدعوم بشكل كبير. وتبيع إحدى بناتها، التي تعيش في مسكن قريب، مصوغاتها الذهبية لسداد تكاليف تعليم أطفالها بعد عدم التمكن من إلحاقهم بمدارس حكومية في المنطقة.

وقالت أم محمد خلال مقابلة في شقتها الكائنة في شارع تتناثر فيه القمامة في الضواحي الشمالية للقاهرة “مجاري (صرف صحي)، مفيش مجاري. مايه حلوة (مياه صالحة للشرب)، مافيش ماية حلوة. ساعات نفتح (الصنبور)، أنا جايبة فلتر، نلاقي المايه ريحتها مجاري… مش هاقدر أشتري مياه (معبأة) كل يوم، ما بقاش فيه طبقة متوسطة، دلوقت إللي فوق أوي هما إللي عايشين، إنما المتوسطة وإللي مفيش خلاص”.

‭-‬ تراجع قيمة الجنيه

فاقمت تداعيات الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير شباط 2022 أزمة النقد الأجنبي في مصر، حيث سحب المستثمرون الأجانب الذين كانوا بالفعل غير متحمسين في البلاد أكثر من 20 مليار دولار، وتوقف تعافي السياحة وارتفعت فاتورة الواردات الرئيسية.

وسمح البنك المركزي بأول حلقة في سلسلة التخفيضات الحادة في قيمة العملة، وسعت مصر إلى الحصول على أحدث دعم من دول الخليج وصندوق النقد الدولي.

وفقد الجنيه 50 بالمئة تقريبا من قيمته منذ مارس الماضي، وزاد معدل التضخم السنوي إلى أكثر من 20 بالمئة، وهو أعلى مستوى منذ خمس سنوات، ومع ذلك يلاحظ المستهلكون زيادات أكثر حدة في أسعار العديد من السلع، بما في ذلك المواد الغذائية الأساسية التي بدأت بعض المتاجر في تقنين بيعها.

وبينما تسعى دول كثيرة جاهدة لاحتواء التضخم، فإن مصر التي يبلغ عدد سكانها 104 ملايين نسمة من الدول الأكثر تضررا.

كان نحو 30 بالمئة من المصريين يعانون من الفقر حتى عام 2020، وفقا للبيانات الرسمية. ومع عدم نشر أي بيانات رسمية منذ ما قبل وباء كورونا، يقول الاقتصاديون في تقديراتهم إن الفقر آخذ في الزيادة وإن هناك كثيرين آخرين يعيشون بالقرب من خط الفقر.

وقالت منظمتان خيريتان تواصلت معهما رويترز إنهما تجدان صعوبة في جمع التبرعات وتشعران بالقلق من اضطرارهما إلى تقليص الخدمات.

وقال رئيس مؤسسة (أبواب الخير) الخيرية إن بعض من اعتادوا التبرع يطلبون الآن مساعدتهم، مما أدى إلى تراجع توفير الوجبات والعلاج الطبي وغير ذلك من أشكال الدعم في 15 مدينة مصرية.

وقال هيثم التابعي “طلبات تلقي المساعدات في آخر ثلاث شهور تقريبا هي ضعف نفس الفترة في السنة إللي قبلها، وكلهم ناس عندهم دخول لكن الدخول ما بقتش تكفيهم”.

* “كفوا عن الثرثرة”

أقر الرئيس عبد الفتاح السيسي، قائد الجيش السابق الذي أطاح بأول رئيس منتخب ديمقراطيا في مصر في عام 2013، بأن الوضع صعب لكنه قال إن التحديات ليست من صنع الحكومة.

وأثارت تعليقات أدلى بها السيسي الأسبوع الماضي والتي طلب فيها من المصريين أن يكفوا عن الثرثرة بشأن الاقتصاد مستخدما عبارة “بطلوا هري“، ردود فعل ساخرة على مواقع التواصل الاجتماعي، في تكرار لنفس ردود الفعل على توجيه حكومي مؤخرا تضمن إشارة لأن أرجل الدجاج خيار رخيص وغني بالبروتين للأسر التي تواجه صعوبات.

وحتى الآن، لا توجد إشارات واضحة تذكر على معارضة شعبية، الأمر الذي قد ينطوي على مخاطر. ويترتب على الإجراءات الأمنية المشددة، خلال حملة الإجراءات واسعة النطاق على المعارضة السياسية في عهد السيسي، حظر الاحتجاجات العامة بشكل فعلي وخضوع الحسابات على مواقع التواصل الاجتماعي للمراقبة.

ومع ذلك، فإن حدوث المزيد من الاضطرابات الاقتصادية على المدى الأقصر يعقد خطط مصر ومساعيها في محاولة إصلاح الأوضاع بعد الاضطرابات السياسية والاقتصادية التي أعقبت ثورتها خلال ما يعرف بالربيع العربي عام 2011.

وبدأت مصر في الآونة الأخيرة برنامج قرض من صندوق النقد الدولي بقيمة 3 مليارات دولار على دفعات بعد مراجعات، ويتطلب من السلطات تقليل الإنفاق وعبء الديون، والتحول بشكل دائم إلى سعر صرف مرن وإجراء إصلاحات هيكلية، بما في ذلك تقليص دور الحكومة والجيش في الاقتصاد.

كما يستلزم البرنامج تعزيز الإنفاق الاجتماعي لحماية الفئات الأكثر ضعفا. ومع ذلك، إذا ظل التضخم هذا العام أعلى من المتوقع، فقد يؤدي ذلك لمشاورات مع صندوق النقد الدولي وزيادة ضغوط الميزانية من خلال دفع الحكومة لزيادة الإنفاق على الدعم.

وبدأت الحكومة، التي تدعم الخبز بشكل كبير لأكثر من 70 مليون مواطن، هذا الأسبوع في تقديم برنامج لشراء الخبر بسعر التكلفة لغير المشمولين بنظام الخبر المدعم. ويقول مسؤولون إنه تم توسيع نطاق برنامج الإعانة النقدية للأسر الأكثر فقرا في البلاد ليشمل أكثر من خمسة ملايين أسرة.

لكن بالنسبة للكثيرين، فإن هذا الدعم ليس كافيا.

وقال التابعي “الجمعيات الخيرية بتغطي جزء كبير من عوز واحتياج الناس في مصر حتى اللي بيتلقوا معاشات أو مساعدات حكومية مختلفة… بنتمنى الأزمة دي تعدي على خير ونقدر نغطي عدد كبير من الأسر في أقرب وقت”.