يؤكد خبراء القطاع أنّ هذه الحوادث غير مرجّحة لإضعاف الطلب، بينما تواصل شركات الرحلات البحرية توقع تسجيل أعداد قياسية من الركاب حول العالم هذا العام.
تظل رحلات السفن السياحية خيارا شائعا لقضاء العطلات في عام 2026، إذ يُتوقع أن يُبحر ملايين المسافرين هذا العام رغم سلسلة من حوادث الأمراض على متن السفن التي تصدرت عناوين الصحف حول العالم.
تفشيات في البحر... لكن شهية الركاب لا تهدأ
أحدثت التفشيات الأخيرة لفيروس "هانتا" و"نوروفيروس" على متن السفن السياحية حالة من القلق لدى الركاب، بعد وفاة ثلاثة مسافرين على متن السفينة "MV Hondius" عقب توقفها في الأرجنتين، وتسجيل تفشٍّ لفيروس نوروفيروس على سفينة بريطانية راسية في بوردو الفرنسية . ومع ذلك يؤكد ممثلو القطاع وخبراء السفر أن هذه الحوادث لن تُضعف الطلب على الأرجح، إذ لا تزال شركات الرحلات البحرية تتوقع أعداد ركاب قياسية هذا العام. روب كورتنيك، الأستاذ المشارك في كلية نولان لإدارة الفنادق بجامعة كورنيل والمتابع عن كثب لصناعة الرحلات البحرية، قال إن مستهلكي هذا النوع من العطلات "يبدون غير قابلين للتأثر كثيرا بقصص من هذا النوع". وفي تقرير "حالة صناعة الرحلات البحرية 2026" الصادر في نيسان/أبريل، قدّرت جمعية خطوط الرحلات البحرية الدولية (CLIA) أن 38.3 مليون شخص سيسافرون هذا العام على متن سفن المحيطات، بزيادة قدرها أربعة في المئة عن الرقم القياسي المسجل العام الماضي عند 37.2 مليون راكب. ولا تُعلن بيانات المبيعات في القطاع بسهولة؛ وعند سؤال الجمعية عن التأثير المحتمل لما حدث على متن "MV Hondius"، اكتفت بالقول إنها لا تعلّق على الحجوزات ولا تتكهن بها، في حين لم ترد شركات كبرى مثل "رويال كاريبيان" و"نورويجيان" و"كارنيفال" على استفسارات وكالة "أسوشيتد برس" بشأن مستوى الطلب. شركة "أوشنوايد إكسبيديشنز" الهولندية، المالكة للسفينة "MV Hondius"، قالت إنها لا تتوقع إدخال أي تغييرات على عملياتها، مشيرة إلى أن لديها رحلة ستنطلق من كيفلافيك في آيسلندا في 29 أيار/مايو. مسافرون مخضرمون في الرحلات البحرية أكدوا بدورهم أن هذه التفشيات لن تدفعهم إلى تغيير خططهم. جيني فيلدينغ، التي تدير مدونة وحسابات على وسائل التواصل الاجتماعي عن رحلات السفن تحت اسم "Cruise Mummy"، قالت: "حجزت ثماني رحلات بحرية، وسأحجز بالتأكيد رحلة أخرى. الرحلات البحرية آمنة مثل أي نوع آخر من العطلات، شريطة أن يلتزم المسافرون بالنصائح الصحية المنطقية ويتابعوا الإرشادات الرسمية". سكوت إدي، وهو مؤثر في مجال الضيافة، قال إنه موجود حاليا على متن رحلة بحرية راسية في موناكو، وإن الركاب الآخرين لم يتطرقوا إلى تفشي فيروس هانتا، مضيفا: "المسافر العادي يدرك أن ما يحدث حالة صحية معزولة، وليست أمرا مرتبطا بطبيعة السفر على متن السفن بحد ذاته". موقع "CruiseCompete.com"، وهو سوق إلكتروني يمكن فيه لمخططي العطلات مقارنة عروض وكالات السفر، حجز عددا أكبر من الكبائن بنسبة 31.7% في النصف الأول من أيار/مايو مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، وفقا للرئيس التنفيذي بوب ليفنستاين الذي شدد: "أستطيع أن أقول بشكل قاطع إننا لم نشهد أي تراجع في الطلب"، موضحا أن نوروفيروس، وهو فيروس معوي شديد العدوى يزدهر في الأماكن المزدحمة، يقترن في أذهان كثير من الأمريكيين بالرحلات البحرية لأن مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها في الولايات المتحدة تُلزم السفن بالإبلاغ عندما تظهر أعراض المرض على ما لا يقل عن ثلاثة في المئة من الركاب. وعلى متن سفينة تضم خمسة آلاف راكب، فإن إصابة ثلاثة في المئة منهم "تمر من دون أن يلاحظها معظم المسافرين، والركاب المعتادون على هذا النوع من الرحلات يدركون ذلك".
أثر الأخبار السلبية والحروب على الحجوزات
يقول كورتنيك إن التغطية الإخبارية الجارية نادرا ما تؤثر في قرارات الركاب بالانضمام إلى رحلة بحرية، لأن هذه الرحلات تُحجز غالبا قبل ستة أشهر على الأقل، وفي كثير من الأحيان قبل نحو عام، مضيفا: "الأشخاص الذين سيحجزون رحلات بحرية غدا يفكرون في عطلاتهم المقبلة". وخلال مكالمة مع المستثمرين الخميس، قالت شركة "فيكينغ" السويسرية للرحلات البحرية إن الطلب على رحلات الأنهار لديها تراجع لفترة وجيزة خلال الأشهر الثلاثة الأولى من هذا العام بعد اندلاع الحرب مع إيران، لكنه تعافى بسرعة بعد ذلك. وأعلنت "فيكينغ" أن 92% من رحلاتها لعام 2026 و38% من رحلات عام 2027 محجوزة بالفعل، من دون أن تأتي على ذكر فيروس هانتا أو نوروفيروس. أما أندرو كوغينز، المحلل في صناعة الرحلات البحرية وأستاذ إدارة الأعمال في كلية لوبين بجامعة بايس في نيويورك، فيرى أنه حتى لو شعر المسافرون المقرر أن يبحروا قريبا بالانزعاج من الأخبار الأخيرة، فإن من غير المحتمل أن يستعيدوا أموالهم، قائلا: "أظن أن أي تأثير على الطلب سيكون على المدى الطويل. فإذا كانت لديك رحلة بحرية خلال الأشهر القليلة المقبلة، فأنت غالبا تجاوزت الموعد الذي يمكنك فيه استرداد نقودك".
من ذكريات "دياموند برينسيس" إلى طفرة ما بعد كوفيد
يرى كوغينز أن قصة فيروس هانتا حظيت باهتمام واسع لأنها ذكّرت الناس بسفينة "Diamond Princess" التي فُرضت عليها حجْر صحي قبالة السواحل اليابانية لمدة أسبوعين في مطلع عام 2020 بعد اكتشاف فيروس كورونا على متنها، وهو الفيروس الذي تحوّل لاحقا إلى جائحة عالمية. وقد دمّرت جائحة كوفيد-19 صناعة الرحلات البحرية وأدت إلى توقف عمل العديد من المشغلين الصغار، ولم تبدأ أعداد الركاب في الارتفاع مجددا إلا في عام 2022، بحسب كوغينز. ووفقا لجمعية خطوط الرحلات البحرية الدولية، لا يزال عدد الركاب القادمين من الصين واليابان أقل مما كان عليه قبل كوفيد، لكن الطلب من مناطق أخرى في العالم يشهد ازدهارا قويا؛ إذ يقول كوغينز: "هناك سفن جديدة قيد الطلب حتى عام 2037. شركات الرحلات البحرية متفائلة للغاية؛ فهي ترى أن الطلب في تزايد، وتريد أن تقدم مزيدا من عوامل الجذب والابتكار، وموانئ جديدة، ووجهات جديدة".
لماذا يواصل الناس الإقبال على الرحلات البحرية؟
أحد أسباب نمو هذا القطاع هو قدرته على استقطاب شرائح واسعة من مختلف الأجيال ومستويات الدخل. ففي استطلاع أجرته أخيرا مؤسسة "Bank of America" في الولايات المتحدة، كان المجيبون من جيل "زد" وجيل الألفية الأكثر ميلا للقول إنهم يعتزمون القيام برحلة بحرية خلال العام المقبل. كما أظهر الاستطلاع أن إنفاق الأسر ذات الدخل المنخفض على الرحلات البحرية ارتفع، في وقت خفّضت فيه تلك الأسر إنفاقها على تذاكر الطيران والإقامة الفندقية، في ظل مساعي شركات الرحلات البحرية إلى استمالة هذه الفئة من خلال برامج أقصر وأقل كلفة. ويقول كورتنيك إن الرحلات البحرية تقدم للناس قيمة جيدة لقاء ما ينفقونه على عطلاتهم، موضحا: "في المتوسط، يكلفك المبيت في فندق في ميامي أكثر من الإبحار في رحلة بحرية تنطلق من ميامي، علما أن الرحلة البحرية تشمل في سعرها الإقامة، وعدة وجهات، والطعام، والترفيه، ووسائل النقل".