أنشئ مطار القليعات على يد الجيش الفرنسي كمهبط للطائرات في الثلاثينات. واستخدم لأغراض مدنية في الستينات وسيّرت إليه رحلات داخلية خلال فترة وجيزة في الحرب الأهلية (1975 - 1990). وقد تعرّض المطار لقصف إسرائيلي خلال حرب سابقة بين إسرائيل وحزب الله في العام 2006.
على وقع الحرب الإسرائيلية المستعرة في الجنوب، أطلق لبنان السبت أعمال تأهيل مطار الرئيس رينيه معوض في القليعات شمال البلاد، ليكون ثاني مطار دولي في البلاد.
وحضر رئيس الحكومة نواف سلام ووزير الأشغال العامة فايز رسامني على متن أول طائرة مدنية تلامس مدرج المطار، معلنين بدء خطة تحويله إلى منفذ جوي مدني بعد أكثر من خمسين عاماً من الوعود والتأجيل.
وفي كلمة له خلال الحفل، هنأ سلام "أهل عكار وكل لبنان" بهذا المشروع، متوقعاً أن تنطلق أول رحلة تجارية منه "في الأسابيع القريبة".
وقال مخاطباً اللبنانيين: "نلتقي في شمال البلاد، لكن عيوننا وقلوبنا تبقى مشدودة إلى الجنوب. كما أن لا استقرار في لبنان طالما بقي الجنوب مهدداً، فهو لن يتعافى إذا بقيت عكار مهملة والبقاع محروماً".
وأضاف أن "دولة لا تتخلى عن واجبها في تثبيت حق لبنان في أرضه وسيادته وأمن أبنائه، لا تهمل مسؤوليتها في الإنماء وتحقيق النهوض الاقتصادي والعدالة الاجتماعية". ولفت إلى أن عكار عانت لعقود من الحرمان والتهميش وضعف الاستثمار في البنى التحتية والخدمات، "وهذا ليس توصيفاً إنشائياً، بل واقع تؤكده الأرقام"، مؤكداً أن إطلاق مشروع المطار "ليس مشروعاً استثمارياً فحسب، بل خطوة في صلب الإنماء المتوازن والعدالة بين المناطق ومسؤولية الدولة تجاه مواطنيها".
ويُعد مطار القليعات من أكبر المرافق الجوية غير المشغلة مدنياً في لبنان، إذ تبلغ مساحته 5.5 ملايين متر مربع، ويبعد 7 كيلومترات فقط عن الحدود السورية.
تاريخ المطار: من ثلاثينيات القرن الماضي إلى قصف 2006
يعود تاريخ إنشاء مطار القليعات إلى ثلاثينيات القرن الماضي، حين أقامه الجيش الفرنسي كمهبط للطائرات. وفي عام 1966، حوّله الجيش اللبناني إلى قاعدة جوية، وظل كذلك لعقود. واستُخدم المطار لأغراض مدنية محدودة في ستينيات القرن الماضي، ثم سيّرت إليه شركة طيران الشرق الأوسط رحلات داخلية خلال فترة وجيزة من الحرب الأهلية (بين 1988 و1990). وبعد اغتيال الرئيس رينيه معوض عام 1989، أُطلق اسمه على المطار تخليداً لدوره في إقرار وثيقة الطائف. وعلى غرار مطار بيروت ومطار رياق في سهل البقاع الشرقي، تعرّض المطار لقصف إسرائيلي خلال حرب 2006 بين إسرائيل وحزب الله.
وظل ملف تشغيل المطار معلقاً لأكثر من خمسين عاماً بسبب غياب التوافق السياسي، والمخاوف الأمنية من قربه من سوريا، وكلفة التأهيل التي قدّرت بنحو 200 مليون دولار (تقديرات 2012)، إضافة إلى موقف أمريكي رافض سابق.
إسناد العقد لشركة "سكاي لاونج"
وجاء إطلاق المشروع بعد أسابيع من إسناد وزارة الأشغال العامة والنقل عقد تشغيل المطار لشركة "سكاي لاونج" اللبنانية في مايو/أيار الماضي، التي نشرت على صفحتها في "إنستغرام" مقطع فيديو لرحلة تجريبية بين مطار بيروت ومطار القليعات.
وبموجب العقد الذي يمتد لأربع سنوات، تحصل الدولة على 8% من صافي الأرباح، مع حد أدنى مضمون قدره 200 ألف دولار سنوياً، على أن تستفيد الشركة من إعفاءات لفترة محددة مقابل إنشاء مبنى مؤقت وتجهيزه خلال 90 يوماً.
ووفقاً لتصريحات وزير الأشغال فايز رسامني خلال حفل الافتتاح، فإن المطار سيدخل "حيز التشغيل الفعلي بعد بضعة أسابيع"، مع توقعات بتسيير رحلات أولى نحو "مرسين واسطنبول ودبي"، على أن تتوسع الوجهات لاحقاً لتشمل المملكة العربية السعودية والقاهرة وأثينا.
وتتواصل السلطات اللبنانية مع شركات طيران منخفضة الكلفة مثل "رايان إير" و"بيغاسوس" للعمل في المطار. وتستغرق أعمال التأهيل ثلاثة أشهر على الأقل، على أن يدخل المطار الخدمة رسمياً في تشرين الثاني/نوفمبر 2026، وفق وسائل إعلام محلية. ويتوقع رئيس مجلس إدارة الشركة المشغلة زياد منلا أن يكون المطار قادراً على استيعاب 114 ألف مسافر في السنة الأولى، على أن يرتفع العدد إلى أكثر من 600 ألف بحلول السنة الرابعة.
فوائد اقتصادية وإنمائية لعكار الفقيرة
ولا تقتصر أهمية هذا المشروع على الفوائد الاقتصادية والإنمائية المتوقعة لعكار -التي تُعتبر من أفقر المحافظات اللبنانية وتعاني من بطالة مرتفعة- بل يشمل تنشيط السياحة والتجارة وخلق فرص عمل، بالإضافة إلى دوره في تعزيز القطاع الزراعي عبر تسهيل تصدير المنتجات، وإتاحة منظومة لوجستية متكاملة بفضل قربه من مرفأ طرابلس.
كما يكتسب المشروع بُعداً سيادياً استراتيجياً في ظل الحرب الإسرائيلية، إذ يُنظر إلى تشغيله كخطوة لتعزيز سيادة الدولة وكسر احتكار أي جهة غير حكومية للمعابر الجوية، خاصة بعد التهديدات الإسرائيلية المتكررة لمطار بيروت بذريعة استخدامه من قبل حزب الله.
وفي هذا السياق، اعتبر وزير الإعلام بول مرقص أن إطلاق المشروع يُشكّل "محطة مفصلية" في مسار المشاريع الوطنية الكبرى، مؤكداً أن مطار القليعات سيكون مكملاً لمطار بيروت وليس بديلاً عنه، وأن وجود مطار ثانٍ في لبنان "ليس ترفاً بل حاجة وطنية"، لأن الاقتصادات الحديثة لا تبني استمرارية النقل الجوي على منشأة واحدة، مختتماً بأن المطار "ليس مشروعاً يخص عكار أو الشمال فقط، بل مشروع وطني لكل لبنان".