عاجل

عاجل

ليس للرئيس الفلسطيني من يخلفه!

 محادثة
تقرأ الآن:

ليس للرئيس الفلسطيني من يخلفه!

ليس للرئيس الفلسطيني من يخلفه!
@ Copyright :
رويترز- محمد تركمان
حجم النص Aa Aa

ليس للرئيس الفلسطيني من يخلفه (أطال الله في عمره). والحديث هنا يتعلق بمكانته كرئيس للسلطة ومنظمة التحرير الفلسطينية، إذ أن التماهي بين رئاستي هذين الكيانيْن هو أحد أهم أسباب أزمة الحركة الوطنية والنظام السياسي الفلسطينيين.

فعلى رغم أن المجلس الوطني، الذي عقد قبل أسابيع، أحال صلاحياته إلى المجلس المركزي، إلا أن هذه الإحالة بالذات تنمّ، أيضاً، عن عجز وقصور النظام الفلسطيني، سيّما مع علمنا بتهميش المنظمة لصالح كيان السلطة، وتحوّل الحركة الوطنية الفلسطينية من حركة تحرّر وطني إلى سلطة، وفقا لاتفاق أوسلو (1993) في جزء من أرض لجزء من شعب مع جزء من حقوق.

النظام السياسي وحالة الجمود

في الواقع، فقد وصل الجمود في النظام السياسي الفلسطيني إلى حدّ أن أزمته باتت مرتبطة بشخصية الرئيس محمود عباس، بسنّه وصحّته. ما يعني افتقاد هذا النظام لآليات التجديد، وللحراكات الداخلية، وللحياة المؤسسية والتشريعية والديمقراطية، علماً أن الحديث يتعلق بحركة سياسية، هي الأطول بين مثيلاتها في العربيات، أي عن حركة سياسية ذات تجربة طويلة ومعقّدة وغنية.

هكذا فنحن نتحدث بشكل خاص عن واقع الكيانات السياسية، أي المنظمة والسلطة والفصائل والمنظمات الشعبية، التي انتهت آجالها الدستورية أو القانونية، منذ زمن طويل، وباتت أمام استحقاق الانتخابات، أو تجديد الشرعية.

ما يفاقم من ذلك، انحسارُ مكانتها الشعبية أو التمثيلية، على خلفية تراجع أدوارها النضالية، في الصراع ضد إسرائيل، لاسيما مع اعتماد الخيار التفاوضي، وغياب الإجماع الوطني نتيجة الخلافات السياسية.

وبكلام أكثر تحديداً، فالنظام الفلسطيني يقف إزاء استحقاق إعادة بناء منظمة التحرير والتخلص من عقلية الكوتا (المحاصصة الفصائلية)، واعتماد عضوية المجلس الوطني على قاعدة التمثيل والانتخاب، علما أن الاجتماع الذي عُقد مؤخرا للمجلس الوطني جاء بعد 22 عاما على سابقه!

ثمّة أيضا استحقاقُ انتخاب رئيس للسلطة، وانتخابات المجلس التشريعي، ناهيك عن ضرورة إعادة بناء المنظمات الشعبية لتجديد حيويتها وفاعليتها.

وباختصار، فنحن إزاء نظام سياسي، وكيانات سياسية، أضحت تبدو متقادمة، ومستهلَكة، وتفتقد القدرة على تقديم أي إضافة جديدة، ويُخشى أنها أصبحت بمثابة سدّ إزاء أي محاولة لتفعيل هذا النظام وتطويره، للتكيّف مع المتغيرات ومواجهة التحديات الناشئة.

الفلسطينيون بين تعدد الشرعيات ونظام المحاصصة

فوق ذلك هناك في الساحة الفلسطينية أربع شرعيات. الأولى وهي "الشرعية الثورية"، المتأتّية من "عصر الجماهير" في حقبة الخمسينيات والستينيات، ومصدرُها الرأيُ العام الفلسطيني الذي وجد في انطلاقة الكفاح المسلح، وتضحيات وبطولات الفدائيين، محاولةً لترميم روحه، وكيانيته المتخيّلة، وتحقيق آماله. والمشكلة ان هذه "الشرعية" مازالت تعمل، وفق نظام المحاصصة الفصائلية ("الكوتا")، رغم انتهاء مفاعيلها ومعانيها، ورغم تقادم وأفول معظم الكيانات السياسية المتشكلة منها.

أما الثانية، فهي الشرعية التمثيلية، التي مصدرها الشعب، كما تتجسد في صناديق الانتخابات. وهذه تمّت بعد اقامة الكيان الفلسطيني، الناشئ وفق اتفاق اوسلو (1993)، لذلك فهي مثل الاتفاق شرعية جزئية ومنقوصة، لأنها شرعية متأتية من جزء من الشعب فقط على جزء من الارض، وفق حقوق مقيّدة. وهذه أيضا انتهت إطاراتها الزمنية من الناحية القانونية. وهذا ينطبق على مكانة الرئيس ومكانة المجلس التشريعي إذ انقضى على انتخابهم 12 عاماً. ولا يوجد في الأفق ما يوحي بالتوجه نحو تنظيم انتخابات جديدة.

ثمّة أيضا شرعية ثالثة، وهي المنبثقة من القيادة الفلسطينية ذاتها، إذ تقوم قيادة منظمة التحرير، ورغم أنها غير منتخبة من الشعب مباشرة ، بتشكيل هيئات تضفي عليها شرعية معينة، مستغلة مكانتها، ومستقوية بالشرعية الدولية والعربية التي تحظى بها.

وهذا ينطبق على رئاسة السلطة، التي تقوم بذات العملية، في ظل حال الفراغ في الشرعيات، وتغييب الأُطُر التشريعية الفلسطينية (المجلس الوطني والمجلس التشريعي)؛ ما يعني أن لدينا حالةً تبدو فيها القيادةُ الفلسطينية وكأنها تنتخِبُ ناخبيها، أو تحدد الناخبين الذين يجددون بدورهم شرعيتها!

الشرعية الرابعة والأخيرة هي الشرعية الفصائلية، وهذه بدأت تشتغل بعد انحسار مكانة منظمة التحرير كمرجعية لكل الفلسطينيين، وتبعا للانقسام الحاصل في حركة التحرر الوطني الفلسطيني، بين الحركتين الرئيستين ("فتح" و"حماس")، وانقسام النظام السياسي بين سلطتي الضفة وغزة.

فمع أن هاتين الحركتين تتنازعان على مكانة الشرعية والمرجعية والقيادة عند الفلسطينيين فإن كل فصيل فلسطيني، مهما كان حجمُه، وشكلُه، ودوره، يتمسك بنظام المحاصصة، وفوقها يدعي، أيضا، أنه يمتلك شرعية، وأنه يتحدث باسم الشعب الفلسطيني، من القيادة العامة وفتح الانتفاضة إلى جبهات التحرير والنضال والعربية وحزبي الشعب وفدا!

نظامان سياسان.. واحد للمنظمة والثاني للسلطة

أيضا ثمة في الساحة الفلسطينية نظامان سياسيان. واحد يتمثل في منظمة التحرير، أو ما تبقى منها، وهذا يُفترض فيه أنه يمثل كلّ الشعب الفلسطيني، وأنه يرمز الى وحدة قضية الفلسطينيين. والثاني يتمثل في السلطة القائمة في الأراضي المحتلة (1967)، وهي خاصة بفلسطينيي الضفة وغزة.

المشكلة في النظام الأول أنه مازال يعمل، رغم تهميش المنظمة وعدم تجديد هيئتها التشريعية، وهي المجلس الوطني.

أما النظام الثاني فهو المتمثل بالسلطة في الضفة والقطاع، والتي انقسمت على ذاتها بين الضفة وغزة، بسبب الخلاف والتصارع بين حركتي "فتح" و"حماس". والمشكلة أن هذه السلطة تشتغل وفقاً للقيود أو المعايير الاسرائيلية، لاسيما المحددة في اتفاق اوسلو، وضمنها اتفاقية التنسيق الأمني، والاتفاق الاقتصادي، لاسيما أن السيادة مازالت في يد إسرائيل، على الأرض والمياه والكهرباء والعملة والتبادلات التجارية والمالية والمعابر والأجواء والمياه الاقليميتين. وحتى رئيس السلطة يحتاج الى تنسيق في تحركاته في الداخل ، كما من وإلى الخارج.

الشرعية وموقف القيادة

بيد أن معضلة الشرعية عند الفلسطينيين لا تتوقف على ذلك. إذ أن ما يفاقم مشكلتها أنها مرتبطةٌ، أصلا، بأفول المشروع الوطني الفلسطيني، وإخفاقِ الخيارات السياسية التي أخذتها حركتهم الوطنية على عاتقها، مع تزايد شعورهم بالضياع، والافتقاد الى مرجعية في كل ما يتعلق بأوضاع مجتمعاتهم، في الأراضي المحتلة (48 و67) وفي بلدان اللجوء في الأردن ولبنان وسوريا والعراق ومصر، وبلدان الشتات.

هكذا، ثمة معضلة في الشرعية الفلسطينية، في معناها ومبناها، والمشكلة أن القيادة الفلسطينية، او الطبقة السياسية السائدة، منذ حوالي نصف قرن، لا تشتغل على أساس أنها تدرك مخاطر هذه المعضلة، وضمنه المخاطر المتأتية من تآكل الشرعيات الفلسطينية، الثورية والتمثيلية والفصائلية، بانتهاء زمن الكفاح المسلح وأفول الزمن الفصائلي، وتحول حركة التحرر إلى سلطة، ومع عدم تجديد المجلسين الوطني والتشريعي.

المحلل السياسي الفلسطيني ماجد كيالي

كاتب مقال أسبوعي في صفحة الرأي في صحيفة الحياة اللندنية

المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر يورونيوز